بالروح .. بالدم

تاريخ النشر: 21.04.2018 | 14:04 دمشق

أصرّ مراسلو القنوات الإعلامية لميليشيات الأسد، على أن يلتقوا أهالي الغوطة الشرقية الخارجين من ديارهم وما تبقّى من بلداتهم، بعد حصار وقصف وتدمير منهجي مارسته تلك الميليشيات لأكثر من سبع سنين، انتهى بحرق البلد عقاباً على رفض العبودية للأسد إلى الأبد.

معظم الأهالي، كانوا منهكين، يائسين. بكى كثير منهم أثناء شرح معاناتهم المستمرة، وهتفوا بحياة الأسد، وفدوه بأهلهم وأولادهم، داعين له بطول البقاء.

بدا المشهد سيريالياً للبعض، بينما استحضر البعض الآخر ذاكرته علّها تساعده في الفهم.

في عام 1997، ترشّح "تشارلز تايلور" للانتخابات الرئاسية في ليبيريا، وفاز مع حركته المسماة اختصاراً NPFL بنسبة 75% من أصوات الناخبين في انتخابات اعتُبرت "مطابقةً للمعايير الدولية". كان شعار الحملة الانتخابية التي تحولت الى أهزوجةٍ شعبيه هو: "قتل أمي، وقتل أبي، وسوف أصوّت له".

اعتبر "تايلور" ذلك مؤشراً، وقال في لقاء صحفي: "هم يعنون ذلك، كما تعلم هم يحبونني".

هل كانوا يحبونه فعلاً؟.

"سننصبّك رئيساً، خذ ماشئت، فقط اتركنا أحياء".

بدأت محاولات "تايلور" وأتباعه لإسقاط حكم الرئيس "صامويل دو" (المكروه اميريكياً) والسيطرة على البلاد، في ليلة الميلاد عام 1989، وخلال السنوات التالية شهدت ليبيريا حرباً أهلية قاسيه وصل عدد ضحاياها إلى 300 ألف ليبيري وفق بعض التقديرات، وارتكبت فيها قوات "تايلور" جرائم وحشية باستخدام الأطفال الذين جنّدوهم قسراً، وجعلوهم تحت تأثير المخدرات يقومون بعمليات تعذيب، وتقطيع للأطراف، واغتصاب ممنهج، لم ينجُ منه أهالي الأطفال أنفسهم.

بالإضافة إلى إجرامه وفظائعه، كان "تايلور" معروفاً لدى الليبيريين بسوء ذمته الماليه، ليس فقط لاتهامه باختلاس 900.000$ عندما كان وزيراً في حكومة الرئيس "دو". بل أيضاً لما عُرف عن ولعه بالمال، وقبض العمولات عن كل صفقة تتم في المناطق التي سيطر عليها خلال الحرب الأهليه. حتى قال بعض الذين عملوا معه: "أي مبلغ مالي يمر من بين يديه يلتصق بهما".

تعب الليبيريون من الحرب الأهلية، تعبوا من القتل والتهجير وتقطيع الأعضاء. وبعد ثماني سنوات داميه، قرروا في عام 1997 أن يعطوا تايلور أصواتهم، ويرقصوا على دمائهم صائحين: "قتل أمي، قتل أبي، وسوف أصوت له". ولسان حالهم يناشده: "سننصبّك رئيساً، خذ ماشئت، فقط اتركنا أحياء".

تعب أهل الغوطة أيضاً. حاولوا وصمدوا وصبروا رغم الحصار الخانق والقصف الدائم الذي لم يستثن المرافق الصحية أو التعليمية، ولم يرحم حجراً ولا شجرا. تصوّروا أن الضمير العالمي سيتحرك لنصرتهم، فكانت أحلامهم، أضغاث أحلام. استنصروا إخوتهم الذين شاركوهم ثورتهم وعانوا من ظلم طاغيتهم، فبكاهم البعض في مجالس ذكرهم، وتضرّعوا لربّ الأنام أن يُطفئها بالأنوار، بينما وعدهم آخرون بالنصرة حالما ينتهون من تقتيل المرتدين والخونة، ويقيموا خلافة الإسلام. صرخوا وتوسّلوا حين قصفتهم الأسلحة الكيميائية، فتعاطف العم سام ولم يستلطف القتل بغير صواريخ سام .

تفرح وسائل إعلام الأسد بتغطيتها لتغريبة الغوطة، وتحتفل بهتافات نازحيها: "بالروح بالدم نفديك يا أسد" وتعتبره رمزاً للنصر. ولكن، هل انتصروا فعلاً؟

يُصرّ مؤيدو الأسد على اعتبار نصرهم نهائياً، متمسكين بمقولة أن البقاء للأقوى، بينما يعتقد الذين ثاروا عليه أنها محطة في طريق طويل سينتهي إلى البقاء للأفضل

اعتقد "تشارلز تايلور" ومؤيدوه أنهم حققوا انتصارهم المؤزّر، حين فازوا بانتخابات 1997 وبسطوا سيطرتهم على البلاد. ولكن الشعب انتفض بوجه اعتقادهم، وتغير مزاج الـ CIA وبعض دول الجوار، فاضطر "تايلور" للتنازل عن الحكم واللجوء إلى الجارة نيجيريا.

في عام 2006 طالبت الحكومة الليبيرية المنتخبة بتسليمها "تايلور" فوافقت نيجيريا وقامت بتسليمه، بعد أن قبضت عليه وهو يحاول الهرب إلى الكاميرون. ليمثُل الرئيس السابق بعد ذلك أمام محكمة دولية قامت بمقاضاته على لائحة تضمنت أحد عشر اتهاماً بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

يُصرّ مؤيدو الأسد على اعتبار نصرهم نهائياً، متمسكين بمقولة أن البقاء للأقوى، بينما يعتقد الذين ثاروا عليه أنها محطة في طريق طويل سينتهي إلى البقاء للأفضل، يحتاج الأمر لبعض الوقت كي يُثبت أي من الفريقين صواب رأيه فأعمار الامم تُقاس بالأجيال وليس السنوات، ولكن كل من يعتقد أن الأمور انتهت أو كادت، هو بلا شك، واهم أو ساذج.

فاتني أن أذكر أنّ "تايلور" الذي كان يرفض قتل معارضيه قبل تعذيبهم وقطع آذانهم وهرس أيديهم وأرجلهم واستئصال أعضائهم الذكورية. تنكّر بزي امرأة وارتدى فستاناً أبيض ليساعده على الهرب من نيجيريا، لكن حراس الحدود لم يقتنعوا، وكان ما كان، فانتهى الأمر بصاحب الفستان، أن يُحكم بالسجن خمسين عاماً.