باريز مربط خيلنا

باريز مربط خيلنا

الصورة
باريس.. لاجئون سوريون يحيون ذكرى مجزرة الكيماوي (إنترنت)
10 أيلول 2019

زعمتُ، ذاتَ حديث سابق، أنَّ عالم السياسة جديد علينا نحن السوريين، ويغلب عليه الجانب السماعي، أي أننا نعتمد في تفكيرنا وخططنا المستقبلية ونضالنا الوطني على ورادات الأُذُنين. وللتأكيد على هذا الزعم أقول إننا خرجنا من الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) ونحن نسمي الروس (مَسْكُوف) وأميركا (أمَالْكَا)، ونعتبرُ أدولف هتلر مُسلماً ورعاً اسمُه: الحاج محمد هتلر، ونرى أن المتوجب على شارل ديجول الذي أصبح رئيس فرنسا الحرة سنة 1944 أن يُعْلِمَ دولتَه بأن "باريز مربط خيلنا"..

تعالوا الآن نحكِ بجِدّ، ونتساءل: لماذا لا توجد لدينا تعريفات وشروحات وبيانات رأي خاصة بقضايانا الوطنية؟ ولماذا نترك قضايانا داشرة بين أيدي التجار والمزاودين والانتهازيين والحالمين والمغامرين؟

في سنة 1946 خرجتْ فرنسا من سورية، ولكنها لم تستقلّ مثلما استقلتْ دولٌ مستعمَرَةٌ كثيرة في تلك الحقبة، وإنما (جَلَتْ) عنها القوات الفرنسية. هكذا كان يفكر معظم سياسيينا، وما زالوا.. فـ "الاستقلال"، برأي الرفاق القوميين، يعني الاعتراف بحدود اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية التي أرادت فصل سورية عن جسد الأمة العربية، وتكريس الحالة القُطْرية لكي تسهل على الاستعمار والصهيونية السيطرةُ عليها ونهب خيراتها!.. ويعني، برأي الإخوة الإسلاميين، تجزيء الأمة الإسلامية إلى دول صغيرة يسودها مبدأ المُوَاطَنة الذي يعطي لجميع السوريين بغض النظر عن قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم نفسَ الحقوق التي يتمتع بها إخوةُ المنهج، ويطالب الناسُ فيها بالديمقراطية حتى يصير للذي يسوى والذي لا يسوى رأيٌ وحقوق وواجبات.. وبقينا، يا أستاذي الكريم، نحتفل بـ "عيد الجلاء" ونمتنع عن تشكيل مفهوم خاص باستقلال سورية.. وفي المآل الأخير عوضاً عن تحقيق أهداف القوميين والإسلاميين في جعل سورية جزءاً من الوطن العربي والعالم الإسلامي، أصبحنا نتحدث عن إدلب وداعل وعفرين وريف حماة وشرق الفرات كما لو أنها كيانات مستقلة، وأصبح المسافر بين مدينتين سوريتين في الشمال والشرق يحتاج إلى يومين لقطع المسافة التي تكفي ثلاث ساعات لقطعها، ويمر خلال سفره الكارثي على تشكيلة غريبة وعجيبة من الحواجز التي يتحدث بعضُ عناصرها باللهجة المحلية وبعضهم الآخر يبربرون بلغات لا يعرف ما هي غير الله تعالى.. وبعد مرور أكثر من سبعين سنة على هجائنا الاستعمارَ بأقذع الألفاظ ومطالبتِنا المستمرة بالوحدة مع الدول العربية الشقيقة أصبحنا اليوم نتمنى أن تتدخل دولة العفاريت الزرق وتضعنا تحت حمايتها ربع قرن من الزمان على أمل أن نتخلص من حَمَّامات الدماء التي يغسلنا بها ابن حافظ الأسد والروس والإيرانيون وحزب الله وداعش وغيرها، ولنعجب، أخيراً، من كوننا أمضينا كل هاتيك السنين من أعمارنا ونحن نعتقد أن الكيان الصهيوني الغاصب هو عدونا الوحيد.

في وقت مبكر، بعد الجلاء بقليل، بدأتْ تدخل إلى قاموسنا السياسي الفقير كلمات جديدة مثل: انقلاب عسكري. بيان عسكري رقم واحد. أيها الشعب الكريم. يا جماهير أمتنا العربية الكادحة. نصونُ وحدة تراب الوطن. سنقطع دابر الـ.. سنضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه أن.. ثم تبدأ أخبار انقلاب العهد الجديد بالانتقال من فم إلى أذن إلى فم إلى أذن، ونحن نستغفر الله، ونصلي العشاء وننام، ونستيقظ على صوت المارشات والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن والمواطن.. وكنا، ما إن تتمكن ذاكرتنا المتعبة من حفظ اسم القائد العربي الكبير الذي أرسل دباباته لاحتلال إذاعة دمشق لكي يحمينا وبلادَنا وشعبنا من براثن العملاء والمتربصين والاستعمار والرجعية، حتى تبدأ المارشات بإعطائنا اسم القائد العربي الكبير الجديد الذي لم يقتنع بمصداقية القائد العربي الكبير السابق، فأرسل دباباته إلى الإذاعة ليحتلها ويخلصنا ويسعدنا ويحمينا.

دارت بنا الأيام من انقلاب إلى انقلاب، ومن ضابط متعطش للحكم إلى ضابط آخر متعطش أكثر منه..

ودارت بنا الأيام من انقلاب إلى انقلاب، ومن ضابط متعطش للحكم إلى ضابط آخر متعطش أكثر منه.. ونحن لا نفعلُ شيئاً بصفتنا شعباً له كلمة في مصير بلاده ومصير إذاعته التي كان احتلالُها أسهل من شرب الماء، وكنا، مع الأسف الشديد، لا نفكر إلا في اتقاء شر المجموعة الانقلابية الجديدة، وهذا لا يكون بالترحاب برئيسهم وتعظيمه والدبكة أمام موكبه وحسب، بل يجب علينا أن نسب على المجموعة الانقلابية السابقة التي ذهبت في خبر كان المحذوف، حتى إن أحد مؤرخي فترة الخمسينات، وهو الأستاذ بشير فنصة كتب مُلَخِّصَاً حال الشعب بقوله: القادم نعطيه رقصة- والذاهب نعطيه (كلمة على القافية)!

هل تعرفون مَن هو الرجل الذي قضى على الانقلابات العسكرية في سورية وحولها إلى حالة تاريخية فولكلورية؟ إنه حافظ الأسد بالطبع.. نعم، ولكنه قضى عليها بأن حول سورية إلى جمهورية رعب وراثية، يستحيل التخلص منها بقيام ضابط مغامر بإرسال دباباته إلى ساحة الأمويين واحتلال مبنى الإذاعة والتلفزيون.. القضاء على مشروع حافظ الاستيطاني الوراثي كلف السوريين -حتى الآن- حياتهم وحياة أبنائهم وآبائهم ووجودهم وأملاكهم، وأدخل سورية في متاهة جعلتنا نترحم على أيام البيان العسكري رقم واحد.

شارك برأيك