بإمكان توقُّع استغلال الأسد وإيران للتغييرات في إدارة ترامب

بإمكان توقُّع استغلال الأسد وإيران للتغييرات في إدارة ترامب

بإمكان توقُّع استغلال الأسد وإيران للتغييرات في إدارة ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلقي كلمة حول "مكافحة أزمة المواد الأفيونية" في كلية مانشيستر، 19 آذار (رويترز)

تاريخ النشر: 20.03.2018 | 16:03 دمشق

آخر تحديث: 20.03.2018 | 16:13 دمشق

معهد واشنطن- پاتريك كلاوسون

يبدو أن إعلان الرئيس الأمريكي ترامب بأن رئيس "وكالة الاستخبارات المركزية" مايك بومبيو سيحل محل ريكس تيلرسون كوزير للخارجية، قد تسبب في إثارة ضجة في دمشق. فمن الناحية التاريخية، يفضل نظام الأسد التعامل مع مجتمع المخابرات الأمريكي بدلاً من الدبلوماسيين الأمريكيين ومن ثم تسريب حدوث مثل هذه اللقاءات إلى الصحافة العربية من أجل تعزيز شرعيته، كما حدث في تشرين الثاني/نوفمبر بعد أن زار مسؤولون أمريكيون دمشق وفقاً لبعض التقارير. لكن بومبيو معروف جيداً بموقفه المتشدد حول كل من مستقبل الأسد وموقف واشنطن تجاه إيران، التي تُعتبر الداعم الرئيسي للنظام. وبالترافق مع التحول الأخير في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا - التي أعلن عنها تيلرسون في 17 كانون الثاني/يناير، ولكن تم التوقيع عليها من قبل بومبيو بصفته رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية - يشير التغيير في الإدارة الأمريكية إلى أن توقعات النظام السوري برحيل أمريكي وشيك من سوريا لا أساس لها من الصحة.

ومع ذلك، تشير الشائعات والتقارير الأخيرة إلى أن مسؤولين آخرين قد يتركون مناصبهم في الإدارة الأمريكية في المستقبل القريب، لذلك على واشنطن أن تتوقع أن يستغل الأسد عملية الانتقال من خلال تصعيد هجماته على المناطق المحاصرة (بما في ذلك شن هجمات بالأسلحة الكيميائية) وتحدّي الحلفاء المحليين للولايات المتحدة. وسيكون هدف النظام السوري هو إحباط سياسة واشنطن الجديدة تجاه سوريا، ودفع الأفراد العسكريين الأمريكيين إلى الخروج من البلاد، وإحراز نصر كبير لطهران أشبه باعتزام واشنطن النظر في مسألة الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.

على سبيل المثال، قد يقرر النظام السوري التوسط في اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي يتزعمها الأكراد، والتي هي أقرب شريك لواشنطن في سوريا. وعندما شرع تيلرسون في محادثات مع تركيا في الشهر الماضي من أجل إصلاح العلاقة الثنائية بين البلدين، سعى إلى تخفيف هجوم أنقرة ضد منطقة عفرين السورية المأهولة بالسكان الأكراد والحد من تهديداتها ضد منبج، المدينة التي تقطنها أغلبية عربية في الشرق. وقد سيطرت «قوات سوريا الديمقراطية» على منبج من تنظيم «الدولة الإسلامية» في عام 2016، ورغم أن واشنطن قد أقنعت الأكراد بتسليم السيطرة السياسية على المدينة لشركائهم العرب المحليين، إلا أن منبج تبقى مركزاً للنشاط العسكري الكردي. ومع ذلك، يُشاع الآن أن «قوات سوريا الديمقراطية» تجري مناقشات مع النظام السوري حول مبادلة الدعم العسكري السوري ضد الأتراك في عفرين بسيطرة النظام على مناطق النفط التي يسيطر عليها الأكراد، وتحديداً حقول كونوكو، أكبر مَصدَر للنفط الخفيف والغاز المصاحب في البلاد، التي تقع بالقرب من دير الزور في جزء من وادي الفرات المخصص للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في اتفاقية فصل القوات مع روسيا.

ومن شأن تسليم تلك الحقول إلى الأسد أن يوفر للنظام السوري المزيد من الغاز لتوليد الطاقة والمزيد من النفط لإنتاج البنزين. وبما أن إيران تمد النظام بجزء كبير من الوقود الذي يحتاجه، فمن شأن مثل هذا التطور أن يخفف الضغط على المعايير الأساسية لطهران في سوريا.

وبمحض الاختيار، قد تقرر دمشق استعادة الحقول بالقوة. وتعمل الولايات المتحدة بشكل وثيق مع «قوات سوريا الديمقراطية» في وادي الفرات، على خلاف ما حدث في عفرين، حيث أوضحت واشنطن أن الأكراد هم بمفردهم. ومع ذلك، بعد تَنحّي تيلرسون، أفادت بعض التقارير أن «قوات سوريا الديمقراطية» قد نقلت آلاف المقاتلين من الشرق إلى عفرين، وقد يشعر الأسد وحلفاؤه بفرصة أخرى للتحرك. وكانت المرة الأخيرة التي حدث فيها ذلك، في 7 شباط/فبراير، عندما استخدمت الولايات المتحدة معدات عسكرية كبيرة لإحباط هجوم شمل مرتزقة روس و"قوات الدفاع الوطني" السورية التي تسيطر عليها إيران. وفي المرحلة القادمة، يمكن لواشنطن أن تتوقع اختبارات في المناطق التي يكون تأثيرها فيها ضعيفاً، وعلى الأخص في الجنوب الغربي (حيث تم الحفاظ على منطقة تخفيف التصعيد منذ تموز/يوليو الماضي) وحول منطقة التنف (المنطقة الحدودية الجنوبية التي تعرضت لهجمات من قبل المليشيات الشيعية في أيار/مايو الماضي، مما أدى إلى توجيه ضربات أمريكية متعددة).

ومع ذلك، فإن الوسائل الأكثر احتمالاً - وفاعلية - المتوفرة للنظام لاستغلال التغيير في المناصب [العليا] في الولايات المتحدة هي تكثيف عمليات المعلومات التي تروّج للفكرة بأن الإدارة الأمريكية تخطط سراً لمغادرة سوريا في وقت أسرع مما تصرّح به. وقد استغرب الزوار الذين وصلوا إلى واشنطن مؤخراً من التنوع الكبير في وجهات النظر التي يميل المسؤولون الأمريكيون إلى التعبير عنها فيما يتعلق بالسياسة تجاه سوريا - وهو تصوّر تردّد بالتأكيد على مسامع دمشق، وسيستخدمه الأسد بسهولة لزرع عدم اليقين بين حلفاء الولايات المتحدة والمجتمعات المحلية.

على سبيل المثال، سعى النظام السوري مؤخراً إلى فصل القبائل العربية المستقرة عن «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات. وسابقاً، كانت النسبة العالية من المقاتلين الشيعة في صفوف القوات الموالية للأسد في المنطقة قد دفعت العديد من رجال القبائل السنية إلى التطلع بصورة أكثر إيجابية إلى الأكراد، لكن العملية التي قامت بها تركيا في عفرين قد أتت بشهر العسل إلى نهايته. ومنذ ذلك الحين، تتطلع القبائل إلى الولايات المتحدة للحصول على التزامات أمنية ومالية، ولكن من المرجح أن تزعم دمشق وإيران أن إقالة تيلرسون تُظهر قلة عزم الولايات المتحدة على تحقيق استراتيجيتها في سوريا.

ولمواجهة هذا الانطباع بإمكان واشنطن اتخاذ عدة خطوات على النحو التالي:

1. التأكيد على أن الاستراتيجية تجاه سوريا التي أعلن عنها تيلرسون في كانون الثاني/يناير قد تمت الموافقة عليها من قبل مجتمع الاستخبارات الأمريكي بقيادة بومبيو وبالتالي سوف تستمر على ما هي عليه.

2. إصدار معلومات تُظهر أن قوات الأسد تعتمد بشكل كبير على العناصر الإيرانية والروسية، لذا فإن أي مكاسب تحققها هذه العناصر لن تشكل "انتصاراً" للنظام.

3. توجيه إرشادات لجميع المسؤولين الأمريكيين بالتوقف عن الدعوة إلى التوصل إلى اتفاق بين «قوات سوريا الديمقراطية» والنظام.

4. تنمية استقرار واضح وطرح "مغريات" اقتصادية لإقناع المجتمعات في شرق سوريا بأن أفضل خيار لديهم هو اختيار الحلفاء الأمريكيين وتفضيلهم على قوات الأسد التي تدعمها إيران بشكل متزايد.

ومن شأن إظهار العزيمة وتفسير الاستراتيجية السورية بهذه الطريقة أن يساعدا على ضمان المصالح الأمريكية - ليس فقط من خلال استكمال هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»، ولكن أيضاً من خلال منع وكلاء إيران من الاستيلاء على المناطق الغنية بالطاقة والمناطق الزراعية، وبالتالي زيادة تكاليف طهران لإنقاذ الأسد.