انهيار الليرة.. وانعكاساتها على معيشة سكان دمشق وريفها

تاريخ النشر: 22.04.2021 | 06:49 دمشق

آخر تحديث: 22.04.2021 | 12:23 دمشق

دمشق - سيلا عبد الحق

شهدت الليرة السورية انخفاضاً تدريجياً أمام العملات الأجنبية بالتزامن مع إعلان البيت الأبيض فرض قانون قيصر على نظام الأسد ودخوله حيز التنفيذ، ففي يوليو الماضي عام 2020 سجلت الليرة انخفاضاً متلاحقاً أمام الدولار ليصل سعر الصرف إلى ما يقارب 3000 مترافقاً مع ارتفاع عام في المواد الغذائية والتموينية بنسبة 100% في أغلب المواد الأساسية كالطحين والأرز والسكر، إلا أن تدخل المصرف المركزي حال دون ازدياد التضخم، حيث تمكن من دعم الليرة ليعاود سعر الصرف التراجع إلى نحو 2000  ليرة مقابل الدولار الواحد إلا أن ذلك لم يخفف من أعباء الغلاء على المواطن إذ بقيت المواد الغذائية تشهد ارتفاعاً نسبياً.

وتبعاً لتردي الوضع الاقتصادي والبدء بتطبيق قانون قيصر لم تتمكن الليرة السورية من الصمود فعاودت الانهيار في الأشهر الثلاثة الأخيرة بشكل غير مسبوق ليتجاوز سعر الصرف 4000 مقابل الدولار الواحد أواخر مارس الماضي بالإضافة إلى ارتفاع قياسي في أسعار المعادن ولا سيما الذهب الذي بلغ 230 ألف ليرة سورية للغرام الواحد رغم الانخفاض العالمي الذي سجله الذهب أمام الدولار إذ تراجع سعر الأونصة إلى ما دون 1690 دولاراً.

الاستغلال والحصار الداخلي

وسط هذا الاضطراب والتردي كان السوريون أول المتضررين، فما إن أُعلن رسمياً فرض قانون قيصر وقبل دخوله حيز التنفيذ حتى بدأ الغلاء يضيق الخناق على لقمة العيش الذي لم يكن خارج خط الفقر أصلاً، إذ كانت استجابة تجار الداخل باحتكار السلع الغذائية ورفع الأسعار أسرع من تنفيذ القرار ليكون الحصار ــــ كما يقول الأهالي ــــ داخلياً لا خارجياً، حيث شهدت السلع الغذائية ارتفاعاً حاداً بلغ ذروته أواخر مارس الماضي بنسب تتراوح بين 200% و400%، فسجل الطحين 1200 ليرة إضافة إلى الخبز الذي تخطى عتبة الألف، في حين بلغ الأرز 2700، بينما وصل السكر إلى 2500 للكيلو غرام الواحد.

أما اللحوم "فقد عُدّت مؤخراً ضرباً من الرفاهية المقصورة على الطبقة الغنية" بحسب عدة شهادات جمعها موقع تلفزيون سوريا من أهالي دمشق وريفها إذ واصل ارتفاعه ليصل إلى 23 ألفاً للكيلو غرام الواحد، ولم يكن الزيت بمنأى عن الغلاء إذ بلغ الليتر الواحد 11500 ليرة.

ذلك معناه أن كلفة الوجبة المتوسطة للأسرة السورية المكونة من ستة أشخاص تتراوح بين سبعة إلى عشرة آلاف في أدنى حد لها بحسب ما رصد موقع تلفزيون سوريا للأسعار على حين لا يتجاوز دخل الموظف من الشريحة العامة الستين ألفاً شهريا.

مع بداية شهر أبريل الحالي عاودت الليرة تحسنها إذ سجلت ارتفاعاً طفيفاً أمام الدولار حيث بلغ 3200 ليرة في حين تراجع الذهب ما يقارب 30% ليسجل الغرام الواحد 151 ألفاً بعدما كان في ذروته مسجلاً 230 ألف ليرة سورية للغرام الواحد.

هذا التحسن الطفيف أوهم بإمكانية فك الخناق عن لقمة العيش وعودة أسعار السلع إلى سابق عهدها، إلا أن الواقع كان بخلاف ذلك، فالمواد المستوردة بقيت في أعلى مستوى لها دون تراجع، أما البضائع المحلية فلم يكن حالها مرضياً، إذ كان انخفاضها طفيفاً ولم يشمل كل المواد الغذائية، فالزيت تراجع من 11500 إلى 7000 بحسب التسعيرة الرسمية الصادرة عن التموين، ولكنه ظل يباع بـ 9000 ليرة، أما السكر والأرز والخبز فبقيت على حالها أو انخفضت مئتي ليرة فقط.

 

دور وزارة التموين في الحد من الغلاء

كان ارتفاع أسعار السلع واحتكار المواد الغذائية أسبق بخطوات من رقابة التموين التي تأتي متأخرة، إذ لا تتم محاسبة المحتكرين إلا في حال تقدم أحد الأهالي بشكوى ضد أحد المحال التجارية لتكون المحاسبة فردية تقتصر على من جاءت بحقه الشكوى دون اتخاذ إجراءات تحول دون الاحتكار أصلاً.

من جانب آخر فإن كل الإجراءات المتخذة تطول أصحاب المحال التجارية دون التجار الذين يعدّون السبب الرئيسي في المعاناة، فصاحب المحل يأتي ببضاعته من التاجر الذي يبيع بأسعار أعلى مما حددته وزارة التموين ويمتنع عن تقديم فاتورة مفصلة تثبت المخالفة، ويضطر صاحب المحل إلى الزيادة من أجل الربح، ومن هنا تتزايد المخالفات والتضخم حتى تصل إلى يد المستهلك بأسعار مرتفعة، وإذا سئل صاحب المحل عن سبب بقاء السعر مرتفعاً مع تحسن الليرة يكون الجواب حاضراً: "تسوقناها بالغالي".

يُذكر أن حكومة النظام قدمت مؤخراً خدمة الدعم للمواد الأساسية كالخبز والسكر والأرز والشاي التي تقدم بأسعار مدعومة عبر مراكز البطاقة الذكية، لكن صعوبة الحصول على المواد المطلوبة وبكميات كافية تحول دون الاستفادة منها في أغلب الأحيان، فمادة الخبز مثلاً والتي تخصص بمقدار ربطتين كل يومين للأسرة الواحدة بمئة ليرة للربطة الواحدة لا يصل الأسرة منها سوى ربطة واحدة كل يومين بأربعمئة ليرة أما الثانية فتباع في السوق السوداء بألف ليرة.

وأما الأرز والسكر والشاي ففضلاً عن عدم كفاية المستحقات للأسرة قد يتأخر توزيعها مما يجبر المواطن على اللجوء إلى شرائها من المحال التجارية بأسعار عالية.

 

"قسائم الإعانة".. تخفيف العبء عن الأرامل والمطلقات

تقدم منظمة الهلال الأحمر في دمشق وريفها قسائم إعانة شهرية بمبلغ 75 ألف ليرة (ارتفعت مؤخراً إلى 99 ألفاً) لكل سيدة (أرملة أو مطلقة) ليس لها معيل، وتحصل السيدة على القسيمة من مركز الهلال الأحمر وتتوجه إلى أحد مراكز البيع المتعاقدة مع المنظمة لاختيار ما يمكن من السلع بالقيمة المذكورة إلا أن الغلاء لا يستثني هذه الفئة الضعيفة من السيدات، بل "يزيد الطين بلة" بحسب ما قالته "رغداء" خلال حديثها لموقع تلفزيون سوريا، إذ تحتسب أسعار السلع بأسعار أعلى من المتعارف عليه في المحال التجارية عموماً لكون حامل القسيمة يتلقى الدعم المادي فيمكن استغلاله.

وهنا تذكر إحدى السيدات المستفيدات من المعونة وهي مقيمة في الغوطة الشرقية (فضلت عدم الإفصاح عن هويتها لأسباب أمنية) خلال حديثها لموقع تلفزيون سوريا أن ما تشتريه بمبلغ 99 ألفاً يمكن شراؤه من المحال الأخرى بـ 90 ألفاً على أعلى تقدير، إضافة إلى أن المواد التي تحصل عليها لا تكفيها مع أطفالها مدة شهر في ظل هذا الوضع المعيشي المتردي.

المعاناة لم تقتصر على المواد الغذائية

لم تتوقف معاناة المواطن السوري المقيم في مناطق سيطرة النظام، عند لقمة العيش، بل إنه يجد نفسه حبيس الجوع والفقر أمام أزمة لم تترك له متنفساً فمن الغذاء إلى الكساء إلى الدواء الذي صار ترفاً صعب المنال، وهنا تجدر الإشارة إلى تفشي وباء كورونا الذي كان من اللازم ــــ وكما صرح الفريق المعني بالتصدي للوباء في حكومة النظام ــــ أن يفرض حجراً صحياً وحظراً للتجوال للحد من انتشاره إلا أن الوضع المعيشي الصعب حال دون ذلك، ولا حل إلا باتخاذ الإجراءات الاحترازية، وهذا يعني أن معاناة المواطن ذات وجهين الجوع والمرض.