انفجار الحرية بعد الحصار

2026.06.12 | 06:08 دمشق

2122
+A
حجم الخط
-A

مع انحسار الحصار الذي فرضه فيروس كورونا في مطلع عام 2021، رصد الاقتصاديون وعلماء الاجتماع ظاهرةً غير مسبوقة تاريخياً، وهي ذلك التدفق الهائل للمستهلكين الذين باتوا يتوافدون إلى مراكز التسوق عبر موجات مبتهجةٍ بكسر الحصار، لتُباشر سلوكاً انتقامياً من القيود التي فُرضت عليهم؛ إنه انتقام من الحرمان.

لم يكن الأمر محض إرواء حاجةٍ مكفوفةٍ للشراء والتبضع، بل كانت هناك رغبات انفعالية للتعبير عن إثبات الوجود والانفكاك من تلك القيود التي حاصرت المجتمع الإنساني وقيّدت حركته ونشاطه. يمكن إجماله بسلوك يعبّر عن استعادة ما سلبه الحصار الوبائي من إيقاع الحياة البسيطة العادية.

كم تُشبه ثورة الاستهلاك ما بعد كوفيد حالةَ انفجار التعبير عن الحرية والقدرة، أو الرغبةَ في ممارسة النقد والتهكم والرفض الذي يختلط به المعقول باللامعقول، وهل هي مسألة مرتبطة بسيكولوجية التحرر المفاجئ؟

تُحيلنا الملاحظةُ والتزامنُ في الحدثين إلى مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، يمكن أن نسميها "مرحلة ما بعد الحصار"، حيث يطغى الانفجار والسلوك التعويضي الذي يلي فترة الحصار أو الحرمان..

لقد برزت في الفضاء السوري ظاهرةٌ صارخة في وضوحها وتأثيرها، تمثّلت في النزوع الحاد للنقد الشامل والانحيازات الحدّية يميناً أو شمالاً، ورغبةٌ عارمة بحرق المراحل والانتقال من بلد كل ما فيه مدمَّر ومفتقر إلى أدنى مقومات النهوض ومسلوب من جميع مقدراته، إلى بلد يمارس الديمقراطية والشفافية والحوكمة الصارمة والعدالة في أبهى حللها.

تُحيلنا الملاحظةُ والتزامنُ في الحدثين إلى مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، يمكن أن نسميها "مرحلة ما بعد الحصار"، حيث يطغى الانفجار والسلوك التعويضي الذي يلي فترة الحصار أو الحرمان، مع ملاحظة الفارق النوعي بين النموذجين في الطبيعة والعمق والنتائج المديدة؛ فالأول الذي حدث بعد حصار كوفيد كان انعكاساً ورداً على حرمان مادي محدد وعابر، بينما الوضع في الحالة السورية كان تمثيلاً لحالة عميقة من التصدع والتفكك وإعادة التشكيل القسري الطويل، الذي رسّخ وأنتج ذاكرةً جماعية عمودها الفقري أن الصمت حكمة ومنجاة، وأن الخوف والعيش في الظلال تعقّل. وفجأةً وبدون مقدمات منتظرة سقط الجدار في وقت كان اليأس طاغياً والأمل في رمقه الأخير، ووجد السوريون عامةً أنفسهم أمام فضاء مفتوح لا حراس ولا رقباء. كيف يمكن لهذا الانتقال الفجائي الحاد أن يطبع حياةَ من عاشوه من مبتدئه إلى منتهاه؟ وما الفترة الزمنية اللازمة للانتقال من حالة الانفجار التعويضي الطبيعي إلى حالة الممارسة الناضجة المستقرة؟ إنه التعبير الصارخ عن الانتقام من الحرمان والقمع وكبت الحريات، وصرخةٌ تصدح بفرحة الانعتاق. سيبقى هذا طويلا إلى أن تتشكل كيانات وأحزاب سياسية ومجتمعية تستوعب هذه النزعات وتنظمها وترتب أولويات مطالبها في سياقات مطلبية محددة، وتنتشلها من حالة تنفيس الاحتقانات الفردية التي لا تفضي إلى شيء.

من المفهوم وربما من الطبيعي، بعد عقود طويلة من سيادة القمع وطغيان ثقافة كمّ الأفواه وتأليه السلطة الحاكمة وبسطها للهيمنة الكاملة على كل تفاصيل الحياة، أن يكون هناك تعطّش حاد ظهر في لحظة سقوط تلك السلطة لممارسة أقصى أشكال التعبير عن الحرية وإظهار القدرة على تحدّي أي شكل من أشكال السلطة، للتأكد من إمكانية ممارسة استحقاقات الحرية دون مغبّة العقوبة أو الردع. بالمقابل تستمر الدولة الجديدة في إظهار ضبط النفس وإتاحة الفرصة للمحتجين بالتعبير عن آرائهم. والحق يُقال إن سوريا اليوم تنعم بفضاء من الحرية الإعلامية والشخصية لم تعرفه منذ 60 عاماً. صحيح أن المأمول والمرجو أبعد من هذا وأوسع، لكنها بالتأكيد خطوة مهمة وملحوظة في الطريق الصحيح.

ونلحظ أن هذا السلوك التعويضي يتبدّى في مستويات ثلاثة: على المستوى الفردي، يحرص هذا السلوك على ممارسة فعل التأكد المتكرر من استعادة السيطرة على الفضاء الشخصي والمناحي المرتبطة به، والتي سُلبت في ذلك الزمن من الحرمان.

أما على المستوى الاجتماعي فيتبدّى في تعزيز الرغبة في الاندماج والتشاركية التي سُلبت منه، حتى وإن كان ذلك عبر الضجيج السيبراني غير المنضبط الذي يختلط به فعل النقد والبوح وإشاعة المعلومات والسبق في نشرها، بمنازع سلبية كثيراً ما شوّهت المشهد، من تفشٍّ لخطاب العنصرية والقومجية المقيتة والطائفية والنزعات الانتقامية والتعميم البغيض الذي يُدخلنا في حلقات معيبة من الفعل ورد الفعل الهدام. السوريون اليوم أحوج ما يكونون لمساحات من الهدوء وضبط النفس والتعالي عن النزعات الشخصية، وضبط البوصلات باتجاه المسارات الآمنة التي تُتيح لنا، رغم الصعوبات الشديدة، البدءَ بإعادة الاعمار على كافة الصعد. يبقى المستوى الرمزي والدلالي تعبيراً استعراضياً عن ممارسة الحرية أمام الآخرين، وهذا ما يظهر بشكل فاضح عبر منصات التواصل التي صارت مسرحاً لحروب ومناكفات لا تنتهي. لقد أظهرت منصات التواصل تضخيماً ملحوظاً في ممارسة هذا الدور، علاوةً على خوف مخفيٍّ بمهارة من زوال هذا الظرف أو تحوّله إلى ظرف يكون فيه الضبط والتقييد بمستويات أعلى، فتفوت الفرصة على من حلم طويلاً بأن يصرخ ويُطلق من أعماق صدره المقهور نداءات طالما كان البوح بها مستحيلاً.

صدمة الحرية التي كان الحلم بها يشبه الحلم بالمستحيل؛ فقد أشارت كثير من الدراسات في دول أوروبا الشرقية ما بعد المعسكر الاشتراكي وفي البلدان التي تحررت من الاستعمار، إلى ذلك الارتباك الحاصل في زمن ما بعد الانتقال، حيث يكون التطرف في المواقف والآراء هو الاستجابة السائدة

من السهولة بمكان أن نحلم بتنامي وبروز حس المسؤولية لدى القطاع الأوسع ممن يشتغلون في الخطاب العام عبر منصات التواصل، التي غدت اليوم من أهم الأدوات في صناعة الرأي العام وتجييشه، لكن الأمور لا تستقيم بمحض الأماني. كما أن ممارسة الرقابة والتقييد والتشديد يفتح الباب مرةً أخرى أمام انتهاك السلطات للفضاء العام وممارسة السيطرة عليه والتحكم به بذريعة المصلحة العامة، وهذا المنحى أشد خطورة، لأن السلطة أنّى كان شكل تبدّيها تملك في طبيعتها وفي رحمها نزعاتٍ للسيطرة بالقوة، ولو تُرك الأمر لها لأعادتنا إلى سيرتنا الأولى زمن الاستبداد والقمع. وبين هذا وذاك لا بد من رفع الأصوات وإشاعة مزيد من الوعي بالمسؤولية الاجتماعية والقانونية والأخلاقية في ممارسة أي شكل من أشكال الحرية.

خلاصة القول إن ما نشهده اليوم من هذا الصخب الاتهامي والتخويني والنكوص إلى الانتماءات الضيقة المُفضي لمزيد من الفوضى وتعميق الشرخ الاجتماعي، يمكن إجمال أسبابه المباشرة في أربع نقاط:

· أثر الحرمان والحظر، الذي يجعل الاندفاع نحوه عقب رفع الحظر اندفاعاً شرهاً وغير عقلاني.

· أزمة الهوية عقب انهيار الدولة أو تحوّلها لسلطة قمع وإرهاب، الأمر الذي ينحو بالأفراد والمجموعات الصغيرة للانكفاء إلى الهويات الفرعية طلباً للحماية والإحساس بالأمان.

· الصدى الخادع الذي تنتجه المنصات الرقمية التي تعتاش على الخبر الصادم ودوامات الصراع في هذا الفضاء السيبراني.

· صدمة الحرية التي كان الحلم بها يشبه الحلم بالمستحيل؛ فقد أشارت كثير من الدراسات في دول أوروبا الشرقية ما بعد المعسكر الاشتراكي وفي البلدان التي تحررت من الاستعمار، إلى ذلك الارتباك الحاصل في زمن ما بعد الانتقال، حيث يكون التطرف في المواقف والآراء هو الاستجابة السائدة.