انسحاب أميركي من سوريا؟

تاريخ النشر: 02.04.2018 | 10:04 دمشق

آخر تحديث: 15.06.2020 | 23:21 دمشق

تلفزيون سوريا - بكر صدقي

وقع تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بصدد انسحاب القوات الأميركية الوشيك من سوريا، وقع صخرةٍ في الماء. فكثرت التحليلات والتساؤلات والتكهنات عما إذا كان "أبو إيفانكا" جاداً فيما قال، أم أنها نزوة من نزواته الغريبة التي اعتاد اتحاف الرأي العام بها عبر حسابه على تويتر؟ خاصةً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن كلاً من وزارتي الخارجية والدفاع نفتا علمهما بالأمر. 

أضف إلى ذلك أنه لم تمض أكثر من ثلاثة أشهر، بعدُ، على إعلان استراتيجية أميركية جديدة بشأن سوريا تحدثت بصراحة عن النية في بقاء عسكري مديد في المناطق التي اعتبرتها تحت سيطرة حلفائها، شرقي نهر الفرات وقرب معبر ا التنف في الجنوب، مع إعلان النية بتعزيزها "سياسياً ودبلوماسيا". وقد دافعت القوات الأميركية بشراسة عن حدود منطقة نفوذها كلما تعرضت لمحاولات اختراق من قوات النظام والميليشيات الشيعية والمرتزقة الروس، كما أعلنت عن تشكيل قوات لحماية حدود تلك المناطق قوامها ثلاثون ألفاً من القوات المحلية. وقد أقامت القوات الأميركية قواعد عسكرية (نحو عشر منها) بعضها قادر على الاستخدام كمطارات. 

فما الذي تغير حتى انقلب الرئيس المثير للجدل من استراتيجية البقاء إلى حين الوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب في سوريا، إلى "الانسحاب الوشيك"؟ ثمة تخمينات، لا تنقصها الوجاهة، تتحدث عن أن الغاية من التصريح هي ابتزاز المملكة السعودية التي قام ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان بزيارته الأولى إلى الولايات المتحدة، وتزامن تصريح ترامب مع وجوده هناك، لمطالبة المملكة بتمويل الوجود العسكري الأميركي في سوريا. هذا النمط من التعامل يتسق مع عقلية ترامب التجارية التي لا تعترف بعمل بدون ثمن، وهو ما يمنح هذا التحليل وجاهته، خاصة بعدما خرجت السعودية من مغامرتها السورية بخفي حنين، بعد استيلاء النظام على معظم مساحة الغوطة الشرقية حيث الفصيل الأقوى الممول من السعودية، جيش الإسلام، ينتظر تقرير مصيره، في مدينة دوما، بعدما تم ترحيل الفصائل الأخرى، فيلق الرحمن وأحرار الشام المحسوبين على النفوذ التركي.

من المحتمل، إذا صح هذا التحليل، أن يشكل تفسيراً معقولاً لـ"صمود" جيش الإسلام وشروطه العالية في المفاوضات الجارية مع روسيا، وفقاً للتسريبات المنشورة عن مضمونها. لكن هذا يقع خارج موضوعنا.

لم يدلِ ترامب بأي تصريح مهم يعلن فيه عن توجهات سياسية إلا وتحولت إلى قرارات بعد فترة تطول أو تقصر

الواقع أنه لا ينبغي الاستخفاف بتصريح ترامب، بصرف النظر عن صحة تفسيره "التجاري" المذكور. ففي الواقع لم يدل الرجل بأي تصريح مهم، يعلن فيه عن توجهات سياسية، إلا وتحولت إلى قرارات بعد فترة تطول أو تقصر. وعلى رغم أزمته الشخصية المتعلقة بتقدم التحقيقات في فضيحة علاقة فريقه بالروس، ما زال يملك القدرة على إجراء تغييرات كبيرة في طاقم الإدارة، الخارجية والأمن القومي مثلاً، بما يسهل له اتخاذ قرارات كبيرة. ما يمكن القيام به، بالنسبة لنا، هو التفكير في تداعيات مثل هذا القرار، في حال اتخاذه فعلاً، أعني إصدار الأمر بانسحاب القوات الأميركية من الأراضي السورية. فمن شأن هذا التمرين الذهني أن يكشف لنا أبعاد التصريح ومراميه.

أول طرف سيصاب بالارتباك، إذا انسحبت القوات الأميركية فعلاً من سوريا، هو روسيا بوتين. صحيح أن الروس واظبوا على وصف الوجود الأميركي في سوريا بأنه غير شرعي، وطالبوا بانسحابهم، وحذروا من نوايا أميركية باستهداف مواقع حساسة للنظام الكيماوي، لكن من شأن انسحاب أميركي فعلي أن يضعهم أمام مرآة مكبرة. فالهدف الأهم من انخراط روسيا في الحرب السورية هو ملاعبة الولايات المتحدة في استعادة لعصر الثنائية القطبية، أي لكي تعترف واشنطن بموسكو نداً لها. فإذا "أخلى" الأميركي أمام الاندفاعة الروسية، كانت النتيجة اقتحام روسيا للفراغ. كحال ذلك الذي يستعد بكل ما يملك من قوة وعزم لرفع جسم يظنه ثقيلاً من الأرض، وإذ يكتشف أن الجسم المعني خفيف جداً، يكون قد فات الأوان وأكل المقلب. هذا ما نسميه في المجاز الشعبي عند أهالي عفرين بقصة تنكة الزيت الفارغة.

حتى في المستوى السياسي كان الروسي بحاجة إلى الأميركيين لتمرير تسوية روسية تبقي على النظام ورأسه

أضف إلى ذلك أن روسيا ستجد نفسها وجهاً لوجه أمام ما دأب تابعه السوري على المطالبة به: استعادة السيطرة على كل الأراضي السورية، وهي مهمة مستحيلة طالما رفضها الروسي، وكان يملك ذريعة قوية بوجود القوات الأميركية على الأرض. حتى في المستوى السياسي كان الروسي بحاجة إلى الأميركيين لتمرير تسوية روسية تبقي على النظام ورأسه، مع بعض التعديلات الثانوية في بنيته، أمام معاندة النظام والإيرانيين في المضي قدماً في "الحل العسكري" ورفض أي تسوية سياسية. 

الطرف الثاني المعني بصورة مباشرة بانسحاب أميركي مفترض هو تركيا التي طالما اعتبرت وجود القوات الأميركية شرقي نهر الفرات + منبج عائقاً أمام مخططاتها بشأن إنهاء أي احتمال لقيام كيان كردي مفترض في المناطق المحاذية لحدودها الجنوبية، ورفض أي مشاركة كردية في تقرير مصير سوريا السياسي في إطار مفاوضات جنيف أو أستانة أو سوتشي.

صحيح أن شكوى الحكومة التركية حقيقي بشأن تحالف الأميركيين مع قوات وحدات الحماية، ولطالما خيرهم أردوغان بين تركيا و"الإرهابيين" حسب وصفه لوحدات الحماية، لكن انسحاباً أميركياً فعلياً سيضع أردوغان أمام تحديات غير مسبوقة. فالاستيلاء بسهولة على عفرين، بفضل الضوء الأخضر الروسي – الأميركي، لا يعني أن الجيش التركي سينجح، بالسهولة نفسها في مناطق أخرى كمنبج وكوباني وتل أبيض وصولاً إلى أقصى الشمال الشرقي.

من المحتمل أن استمرار الوجود العسكري الأميركي هو ما يشجع أردوغان وأركان حكمه على إطلاق تصريحات نارية بشأن الرغبة في اجتياح مناطق سيطرة القوات الكردية، في حين أن الغاية الحقيقية منها هو تحضير الرأي العام الداخلي استعداداً للانتخابات الرئاسية المقبلة. فإذا انسحب الأميركي فعلاً واجهت تركيا حرج وجوب ترجمة الأقوال إلى أفعال. وهي "أفعال" مكلفة قد ترتد على الفاعل بنتائج معاكسة لغاياته.

حزب الاتحاد الديموقراطي ووحدات حماية الشعب المرتبطة به سيكونان الخاسر الأكبر من أي انسحاب أميركي

حزب الاتحاد الديموقراطي ووحدات حماية الشعب المرتبطة به، سيكونان الخاسر الأكبر من أي انسحاب أميركي. فبفضل هذا التحالف تجاوز الحزب حجمه الطبيعي وتوهم قدرةً على الفعل وجني الثمار غير متناسبة مع الواقع. لكن تأسيس "حزب سوريا المستقبل" قبل أيام، وابتعاد بيانه الختامي عن مألوف خطاب الحزب، قد يكونان مؤشراً إلى تنسيق مبكر مع الأميركيين بشأن مرحلة ما بعد عفرين. فإذا صح هذا، فهو يجعلنا نعيد النظر في قراءتنا لتصريح ترامب نفسه. لكن هذا يتجاوز أيضاً حدود موضوع هذا المقال.

الواقع أن إيران هي التي تشكل بؤرة الاهتمام الأميركي في عهد "حكومة الحرب" التي شكلها ترامب من وزير الخارجية جورج بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، وربما يكتمل النصاب بإقالة وزير الدفاع ماتيس واستبدال شخصية مناسبة أكثر لحكومة الحرب به. فإذا كانت الخطوة الأولى لمواجهة إيران هي انسحاب عسكري أميركي من سوريا (!) فعلى إيران أن تتوجس من استهدافها مباشرةً على أرضها، بدلاً من مواجهة نفوذها في سوريا ودول أخرى. مواجهة قد تشكل فيها إسرائيل رأس الحربة، أو قد تكون "زعزعة استقرار" النظام في الداخل هي الوسيلة.

الخلاصة هي أن الولايات المتحدة، بوصفها القوة الأولى عالمياً، على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، ما زالت قادرة على ممارسة تأثير كبير بقرارات متناقضة: إذا تدخلت، وإذا امتنعت عن التدخل، وإذا قررت الانسحاب في لحظة معينة من الصراع. ففي جميع هذه الحالات هي قادرة على إرباك اللاعبين الآخرين ودفعهم إلى أوضاع لا يريدونها، بخلاف روسيا، مثلاً، التي أعلنت سحب قواتها من سوريا ثلاث مرات، على طريقة برنارد شو الذي قال إنه يقلع عن التدخين عشر مرات كل يوم.