انتخابات الحرب الأهلية الأميركية

تاريخ النشر: 03.11.2020 | 23:42 دمشق

آخر تحديث: 03.11.2020 | 23:48 دمشق

يخزن المواطنون الأميركيون السلاح منذ فترة. تشير الأرقام حول مبيعات الأسلحة إلى أرقام قياسية، وخصوصا في فترة الأشهر الثلاثة التي سبقت انطلاق المعركة الرئاسية، كما تنتشر على وسائل الإعلام المرئية مشاهد تصور لجوء أصحاب المحال التجارية في عدد من الولايات الأميركية إلى تحصين متاجرهم خوفا من أعمال عنف ترافق الانتخابات أو تليها.

توحي هذه الأجواء بأن المعركة الرئاسية، والتي وصفت بأنها الأكثر حدة وراديكالية منذ 100عام ليست مجرد صراع تقليدي وعادي، بل يمكن وصفها بأنها حرب مصيرية ووجودية، من شأنها أن تحدد وتطبع مسارات الاقتصاد والأمن، ونمط الحياة، وآليات عمل المؤسسات ومنهج الإدارة السياسية بشكل حاسم.

الاستعداد لممارسة العنف تحت عنوان التحزب لأحد المرشحين يعكس شعورا طاغيا بأن المسألة باتت بمثابة دفاع مشروع عن النفس ضد تهديد بالقتل والإفناء الاقتصادي والأمني.

لم يعد يمثل وصول بايدن أو ترامب إلى سدة الرئاسة أنه ينحصر في السياسة، بمعنى أن التعامل مع الموضوع تجاوز حدود فكرة خسارة الحق في إدارة البلاد وتسيير شؤونها، وبات مفتوحا على سلسلة لا نهائية من المخاوف الكبرى، التي تشرعن العنف.

يحرص ترامب على تعزيز تلك المخاوف بطريقته الخاصة. يرفض الاعتراف بنتائج التصويت الإلكتروني ويحرص على محاولة فرض إلغائها واستبدالها بطرق أخرى. ويطالب بإبطال أصوات لا تصب في صالحه في بعض الولايات انطلاقا من عدم اعترافه بشرعية آلية التصويت، ويهدد برفض تسليم المنصب، ويعلن عن استعداده لفتح معركة قانونية في المحكمة العليا مهد لها سلفا بتعيين القاضية إيمي كوني باريت، وكذلك يبدي استعدادا للركون إلى لعبة العنف في الشارع.

يقول ترامب إنه يريد الفوز بأي ثمن، وإن القبول بفوزه هو الخيار الأنسب لتجنب أزمة اقتصادية وحرب أهلية، ولكن في المقلب الآخر لا يبدو الاستعداد الديمقراطي للمواجهة فاترا أو منعدما.

مؤيدو الديمقراطيين في هذا الصراع يحرصون على إسقاط ترامب أكثر من ضمان فوز بايدن، أي أن العداء لترامب هو المحرك الأساسي لحماستهم الانتخابية، وليس بايدن سوى عنوان فرعي وجانبي لتلك الحماسة.

يعني ذلك أن المعركة هي ضد ترامب مباشرة، ولعل دفع الأمور إلى هذا المنحى هو عين ما يسعى إليه، لأنه يضمن له التحول إلى رمز يختصر في ذاته تصورا خاصا عن أميركا التي يجب أن تعود عظيمة مجددا ،كما يقول شعاره الانتخابي، في سياق يربط تلك العظمة بشخصه ووجوده في موقع الرئاسة.

 يوحي ترامب أن المعركة القائمة هي بين عظمة أميركا نفسها وبين مرشح رئاسي لا يملك من الصفات ما يمكنه من مقارعة تلك الرمزية أو مواجهتها بأي شكل من الأشكال.

تحت هذا الخطاب يسكن العنف الكامن والمرشح للتصاعد، لأن المرجح ألا يقبل أي من الطرفين نتائج الانتخابات، وتاليا فإن ذلك الحرص الجماهيري الديمقراطي على إسقاط ترامب بما يمثله في شخصه وذلك الهوس الجمهوري بالعنوان الذي يمثله والذي تحول إلى بنية رمزية ترتدي ثوب التقديس هي المقدمات اللازمة لإشعال حرب أهلية في أميركا.

الأخطر في هذا السياق أن هذا الصراع من شأنه تفكيك بنية المؤسسات القانونية والقضائية، وتحويلها من حكم أعلى إلى أحد أدوات الصراع بشكل يهدد بفقدان دورها الحاسم والنهائي في حسم الخلافات والصراعات تحت سقف القانون، والذي لم يكن قبل هذه اللحظة محل شك.

القانون مهدد بأن يتحول إلى مجرد وجهة نظر، لأن الاحتكام إليه لم يعد محل إجماع، وتاليا فإن البديل المطروح هو الفوضى وجنون التسلح.

الحرب في هذا المقام تتخذ طابعا تأسيسيا، وكأن أميركا لم تتشكل بعد أو أنها لا تزال قيد التأسيس.

لا تحدث الحروب الأهلية إلا عندما يكون الانقسام في بلد ما قد اتخذ طابعا راديكاليا لا يمكن التوافق بشأنه. طبيعةالصراع القائم حاليا تكشف عن طابع راديكالي في صفوف الجهتين، لأن فوز أي منهما يعني تدمير شبكات مصالح المنتمين إلى الطرف الآخر، وتعريض قيمهم وشكل حياتهم وأمنهم الاقتصادي والصحي للتفكك والدمار.

مواقف بايدن فيما يخص الانفتاح على الصين على سبيل المثال تضرب مصالح شبكة كبيرة من الأميركيين، وكذلك مواقفه بشأن رفع الضرائب، ومن ناحية أخرى تضر مواقف ترامب بخصوص العلاقة مع روسيا وسياساته الضريبية والصحية بمجموعات كبيرة ومختلفة من الأميركيين.

ردم الهوة بين المشروعين غير ممكنة ولذلك فإنه لا يمكن توقع أن يكون الحسم عبر الآليات المؤسساتية والرضوخ لما تقوله صناديق الاقتراع.

طبيعة الحرب حولت المشهد الانتخابي إلى خلفية لحرب أخرى تتجلى مقدماتها في المناخ الأمني غير المسبوق الذي يطبع هذه الانتخابات.

ترامب ليس سياسيا ولم يدخل البيت الأبيض من مدخل سياسي بل هو قادم من عالم الأعمال والتسويق والإعلان بينما يأتي بايدن من عالم المؤسسات السياسية التقليدية.

لعل الجديد الذي كشفته الموقعة الحالية يكمن في أن النظر الى المؤسسات بات موضع شك، فهي لم تنجح في التعامل مع موضوع كورونا في مرحلة ترامب ولا في معالجة الأزمات الاقتصادية في مرحلة سلفه أوباما، الذي ينتمي المرشح الحالي إلى مدرسته.

الحرب في هذا المقام تتخذ طابعا تأسيسيا، وكأن أميركا لم تتشكل بعد أو أنها لا تزال قيد التأسيس.

لعل الحرب الأهلية الأميركية، التي أسفرت نتيجتها عن قيام أميركا التي نعرفها، تسترجع مناخاتها الآن بشكل يجعل الصراع الرئاسي بمثابة معركة على إعادة تأسيس أميركا من جديد، وفق نتائج حرب أهلية جديدة تنضج ظروفها على نار حامية.