انتخابات الأسد؛ قرار الاحتلال

تاريخ النشر: 10.05.2021 | 06:40 دمشق

لم تعهد "سوريا الأسد" شيئاً اسمه "انتخابات" أو "ترشيح". الدارج فيها، لأكثر من نصف قرن، هو "البيعة" أو "تجديد البيعة"؛ حيث سطت عصابة على السلطة بالحديد والنار، وحوّلت دور "الرعية" إلى احتفاء واحتفال ونفاق بتجديد البيعة "لقائد الوطن".

مع الثورة السورية، وصدور القرارات الدولية التي تتحدث عن عملية سياسية أحد أدواتها "انتخابات حرة نزيهة يشارك فيها كل السوريين؛ برقابة ورعاية من الأمم المتحدة"، صار لزاماً على منظومة الاستبداد المرور عبر هذه البوابة؛ لأن غيابها يعني تكريس لا شرعيتها.

وبحكم أنها ما اهتمت بالدستور يوماً، إلا لخدمة مصالحها؛ ولا هي في وارد العملية السياسية، أو تطبيق القرار الدولي 2254؛ وتحت ذريعة "الخشية من فراغ دستوري"، التي يسوّقها الروس، كان القرار المهزلة. والمسرحية السمجة.

"سيفوز" "قائد الوطن" بـ "الانتخابات"؛ لكنه سيخسر السلطة، بحكم توثيق لا شرعيته أو شرعية ما جرى

معروف أن للترشيح مقوماته وشروطه؛ وما توفّر يوما أي من هذه الشروط. وبعدم توفرها، فهي باطلة؛ وما يخرج عنها باطل، ولا شرعية له. فالقائد منخور، والوطن مقبور، وبعهدة قوى خارجية، أتت لحماية "قائد الوطن". ومع كل ذلك، "سيفوز" "قائد الوطن" بـ "الانتخابات"؛ لكنه سيخسر السلطة، بحكم توثيق لا شرعيته أو شرعية ما جرى.

واقعياً ومنطقياً، ليس بشار الأسد بحاجة للترشّح والانتخابات؛ فوجوده أمر واقع، وضرورة لقوى داخلية مصلحتها ابتلاع ما تبقى من سوريا، وقوى خارجية إيرانية روسية أخذت توقيعه في وضع يدها على معظم مقدرات البلد بعقود طويلة الأمد. ومن هنا تأتي عملية إعادة تكريره عبر "انتخابات- يعرفون سلفاً زيفها".

من هنا أيضاً نرى الاستنفار الروسي والإيراني. الأول ذهب إلى دول الخليج علّه يجد له منفذاً عبر بوابة ما يُسمّى "الجامعة العربية"؛ وسعى لخلق مسار جديد بإغراء تركيا، وسحب قطر الخليجية إلى اللعبة؛ فكانت {منصة/ روسيا – تركيا - قطر/، لصاحبتها روسيا}؛ والغاية "إعادة الإعمار" ووضع اليد على سوريا المستقبل. أما الاحتلال الثاني، فجعله جزءاً من مصافقته حول مشروعه النووي، كما كان الحال مع "أوباما". والاستنتاج الطبيعي هو أن قرار "الترشيح" خارجي، وليس نابعاً من رغبة عند "المرشح". فالقرار من صناعة الاحتلال أولاً.

مع إعطاء إدارة "بايدن" اهتماماً خاصاً للاتفاق النووي الإيراني، استبشرت الأبواق "الغوبلزية" متناغمة مع محطات الكذب الإيرانية - الروسية؛ وبدأت التبشير بالرخاوة الأميركية، والإهمال الأميركي للقضية السورية، التي لن تكون برأيهم أكثر من تفصيل في ذلك الاتفاق. ومن باب التزاحم وتناقض المصالح سارع "لافروف" وزير خارجية بوتين لفتح مسارات جديدة ومنها المسار التركي - القطري - الروسي، مبعداً إيران، ونكاية بها. من جانبهم، سارع بعض سماسرة الجامعة العربية للضغط على الجامعة المسكينة كي تعيد "نظام الأسد" إلى صفوفها المنهكة. تواكب ذلك مع تقارب تركي – مصري، وتركي - سعودي؛ وفي الوقت ذاته خرجت أبواق منظومة الاستبداد المستأجَرة بإشاعة حديث عن تقارب سعودي مع النظام؛ وكأن ذلك نكاية بالتقارب الثلاثي السعودي – المصري – التركي، ومزايدة عليه.

عندما يشيع النظام عبر أبواق الكذب التي يقتنيها أن تواصلاً يجري مع السعودية، فإن المستهدف من هذا الكذب من زاغت عقولهم وضمائرهم من حاشيته، والمسؤولين عن حمايته؛ والغاية أن يقول لهم بأن وضعه على ما يرام. ولسوء طالعه، لم يطل عمر الكذبة؛ فالسعودية نفتها؛ ولكن النظام وأبواقه يستمرون بالوقاحة والضحك على تلك المخاليق؛ ليثبت أكثر كم هي هشة وساقطة تلك المنظومة.

وفي ظل هذا الازدحام من الحراك الدبلوماسي السياسي "الغوبلزي"؛ يخرج علينا الرئيس الأميركي أخيراً بفتح صحيفة منظومة الأسد، ويصل إلى حد اعتبارها تهديداً للأمن القومي الأميركي. وعادة هكذا تصنيف يبرر استخدام أي فعل لحماية "الأمن القومي الأميركي". أتى كلام بايدن ليعكّر كل أجواء الجوقة؛ وتبيّن أن المقصود به ليس فقط نظام الاستبداد، بل حماته الروس والإيرانيين بشكل أساسي.

نحن أمام منظومة استبدادية ليست فقط مسلوبة الإرادة، وتعيش فقط بقوة وفعل الآخر المحتل؛ بل هي مسلوبة السلطة والقدرة على تحريك عسكري نظامي إلا بإذن من المحتلين. فوق كل ذلك هي مسلوبة الدماغ والأخلاق؛ فلا يُقْدِم على لعبة الانتخابات السخيفة إلا منفصم عن واقع سوريا الممزقة المبعثرة المنهكة والمستباحة. إنها فقط تتقن الإرهاب والإرعاب، عبر الإخلال بالحالة الأمنية لما تبقى من سوريا. وهذه فقط الأدوات المتوفرة لها. فهي جاهزة؛ والمنفذون تحت الطلب.

لا سيادة لهذه المنظومة في بلد تستبيحه القوى الخارجية. ومع كل ذلك يستمر بالتشدق بالسيادة

مهما ازدهر النفاق في عالم الاستبداد، ومهما تفاقمت عقدة المكابرة، ومهما كانت درجة استخفاف عصابة الاستبداد بمن حولها؛ إلا أنه حتى المقعد عقليا يدرك أن لا سيادة لهذه المنظومة في بلد تستبيحه القوى الخارجية. ومع كل ذلك يستمر في التشدق بالسيادة. ومعروف أن الأمم المتحدة تبقى الأقل استباحة أو تهديداً للسيادة. فهل كان يضيره أو يؤثر عليه إشراف الأمم المتحدة على انتخابات يشارك فيها كل السوريين، وتنسجم مع القرار الدولي وترفع العقوبات عن سوريا؟! إلا أن حقيقة الأمر تكمن بأن لا ثقة لديه أو عند حماته بأن منظومة الاستبداد يمكن أن يُعاد تكريرها في ظرف كهذا. من هنا وبكل خبث وصلف تقيم هذه المسرحية الوقحة. ويبقى كل ذلك مؤقتاً، ريثما تستوي طبخات المساومة والمصافقة الدولية، ويتم بيع "القائد" ومنظومته الاستبدادية في سوق النخاسة. إنه صك النهاية.