الولايات المتحدة وإيران تسيران بخُطًا وئيدة باتجاه الحرب

تاريخ النشر: 09.07.2019 | 20:07 دمشق

آخر تحديث: 09.07.2019 | 20:56 دمشق

تلفزيون سوريا - ترجمة وتحرير ربا خدام الجامع

مع كل يوم يمر يتعمق النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، غير أنهما لم تدخلا الحرب حتى الآن، بيد أن احتمال وقوع نزاع مسلح يتزايد مع كل استفزاز يحدث، سواء أتمثل ذلك بهجوم على ناقلة نفط مدنية أو عبر جولة جديدة من العقوبات، وهنا لابد لنا أن نلوم كلتا الدولتين وسياساتهما القائمة على فكرة كل شيء أو لا شيء.

إدارة الرئيس دونالد ترمب مارست حملة الضغط القصوى ضد إيران انطلاقاً من عقوبات اقتصادية خانقة وحظر فعلي للنفط والغاز. بينما التزمت إيران باستراتيجية المقاومة القصوى فصعدت الأمور باتجاه هجمات على طرق الشحن، كما أسقطت طائرة استطلاع أميركية فوق ما يعرف بالخليج الفارسي، ورفضت دون أي تفكير جميع الفرص لإجراء محادثات هدفها خفض التصعيد مع واشنطن. ومع عدم إظهار كلتا الدولتين لأي رغبة بالتراجع، استمرت عملية السير نحو الحرب بخطًا وئيدة.

 

أساس أعمق للنزاع

من اللافت للنظر تدهور العلاقات لهذه الدرجة، فمنذ أربع سنوات فقط، وقعت كل من واشنطن وطهران على اتفاقية تاريخية ضمت العديد من الأطراف، وقد حدّت هذه الاتفاقية من برنامج التخصيب النووي بالنسبة لإيران مقابل تخفيف العقوبات الأميركية. غير أن الاتفاقية لم تنه حالة انعدام الثقة بين الدولتين، كما لم تحل الخلافات طويلة الأمد التي تعود لسياسة إيران الخارجية في الشرق الأوسط، بل خلقت آلية مبنية على أساس الحاجة الماسة لالتزام دبلوماسي، اعتبره مؤيدو هذه الاتفاقية ضرورياً لتفادي الحرب.

وقد انتقد ترمب هذه الاتفاقية بكل صراحة في حملته الانتخابية، وبمجرد استلامه للسلطة، بدأ بزيادة الضغط على طهران. وبالرغم من جميع أخطاء إدارة ترمب، إلا أنها بدت على الأقل وكأنها استوعبت حقيقة مهمة، إذ بالرغم من أن برنامج إيران النووي قد أصبح محور التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أنه لم يكن المصدر الأساسي للحدة بين الدولتين، وذلك لأن جذور ذلك التوتر تعود إلى سبب أعمق، ألا وهو دعم إيران للجماعات المسلحة في حربها ضد إسرائيل من أمثال حماس وهي حركة جهادية إسلامية فلسطينية، وحزب الله في لبنان، وكذلك تعود لارتباط إيران بأعداء دول الخليج من حلفاء الولايات المتحدة، مثل الحوثيين في اليمن. ولم يكن دعم إيران للميليشيات العراقية التي قتلت مئات العسكريين الأميركيين في أوج حرب العراق واستمرت بتهديد القوات الأميركية المرابطة هناك بأقل أهمية.

وعلى أمل الدفع نحو تغيير أسلوب الجمهورية الإسلامية في التعاطي مع الأمر؛ قام ترمب بالانسحاب من الاتفاقية خلال عام 2018، وشرع بتطبيق عقوبات اعتماداً على حملة الضغط القصوى. ثم قدمت إدارته لطهران قائمة تضم 12 مطلباً، معظمها يتعلق بأنشطة إيران الإقليمية، فيما يتعلق ما تبقى منها بالبرنامج النووي للبلاد وبرنامج الصواريخ البالستية. وبناء على كل ذلك جملة وتفصيلاً، طالبت الشروط التي وضعها ترمب إيران بشكل أساسي بالتخلي عن سياستها الكبرى وتسليم أسلحة الردع العسكرية الأكثر أهمية وقيمة، وبالمقابل وعدتها الولايات المتحدة ليس فقط برفع العقوبات عنها، بل أيضاً بمساعدتها على إحياء اقتصادها وتطبيع علاقاتها الدبلوماسية.

وفي خطوة متوقعة، رفضت الجمهورية الإسلامية تلك الطلبات بشكل صريح، وبعدها بدأت طهران تتطلع نحو أوروبا وروسيا والصين، على أمل أن يقوم بعض هؤلاء الفاعلين أو كلهم بالضغط على إدارة ترمب لتعود عن مطالبها أو لتعمل على تقديم وسيلة يتم من خلالها تجاوز نظام العقوبات الأميركية. ومع ذلك تبين وبكل وضوح بأن إيران لم تتمكن من جمع ما يكفي من النفوذ أو من حسن النية لضمان الدعم الأجنبي لها في مواجهتها مع الولايات المتحدة، وهكذا أصبح هذا النظام بمفرده بشكل فعلي.

 

منطق التصعيد

مع بدء ظهور آثار العقوبات الأميركية، اضطرت إيران إلى إيجاد وسيلة للخروج من هذا المأزق، فلم يكن أمامها سوى خيارات ثلاثة: الاستسلام للمطالب الأميركية أو على الأقل استرضاء واشنطن عبر السعي نحو الحوار معها، إذ بوسعها تدبر الأمر والأمل يحدوها لأن يخسر ترمب في انتخابات 2020، أو يمكنها أن تعود القهقرى وتزيد من المخاطر عبر إظهار جاهزيتها للتصعيد.

وبالحكم على ما بدر منها مؤخراً؛ يمكن القول بأن الجمهورية الإسلامية قد لجأت إلى الخيار الثالث، إذ يعتقد كثيرون بأن إيران هي المسؤولة عن الهجوم الذي طال سفناً تجارية في خليج عُمان في الثاني عشر من شهر أيار، كما حذر مسؤولون أميركيون مراراً وتكراراً من تخطيط إيران لهذه الضربة، وتوقع العديد من المراقبين بأن يدفع هذا الحدث الجيش الأميركي للرد. غير أن رد الولايات المتحدة تمثل بالدعوة للحوار دون شروط مسبقة بدلاً من التصعيد.

 

سياسات ترمب هي من دفع الولايات المتحدة إلى شفير الحرب مع إيران قبيل الانتخابات

بناء على الفرضية القائلة بأن إيران هي من قام بذلك الهجوم بالفعل، أصبحت العملية بمثابة نصر جلي لصالح طهران عبر شن هجوم كلف الكثير لكنه لم يقتل أحداً على خطوط الشحن المدنية. دفع ذلك الولايات المتحدة لتغيير سياستها من التصعيد نحو الحوار، أعقب ذلك توجه ترمب بطلب لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي ليقوم الأخير بتسليم رسالة للمرشد الأعلى في إيران علي خامنئي يعرب من خلالها عن رغبته بالتحاور. غير أن الرسالة وعرض البدء في الحوار قد قوبلا بالرفض بشكل مقتضب خلال اللقاء الذي جمع بين آبي وخامنئي في طهران في الثالث عشر من شهر حزيران الماضي. وفي اليوم ذاته، تم شن هجوم على ناقلتين نفطيتين أخريين بينهما ناقلة ترفع العلم الياباني وذلك في خليج عُمان. وهنا أكدت الولايات المتحدة مرة أخرى بأن إيران هي الجاني المحتمل، وقدمت البحرية الأميركية هذه المرة شريط فيديو لعملية مراقبة يظهر جنوداً في الحرس الثوري الإيراني على متن قارب لدورية وهم يقومون بإزالة لغم أرضي مشتبه بأمره وذلك من هيكل إحدى الناقلتين قبل أن ينطلقوا بسرعة نحو ميناء بندر جاسك الإيراني.

إيران خططت لفرصة للحوار غير أنها سرعان ما أضاعتها، إذ بالرغم من أن مبادرة الولايات المتحدة لم تكن صادقة، بحسب رأي القادة الإيرانيين، إلا أن إيران لم تبذل أي جهد لاختبار مدى صدقها، إن إظهار الانفتاح تجاه الحوار الرامي لنزع التصعيد لابد من أن يكسب إيران بعض القوة إزاء الولايات المتحدة بالإضافة إلى كسب تعاطف المجتمع الدولي. غير أن خامنئي رفض وبكل وقاحة الطريق الفرعية التي اقترح بلوغها أصلاً، فأحرج بذلك رئيس الوزراء الذي يمثل قوة أجنبية حيادية، في تهديد بقيام حرب مفتوحة ومعلنة مع الولايات المتحدة عبر الهجوم على مواقع مدنية في خليج عُمان.

ولهذا الأسلوب من التصرف مخاطره ونتائجه العكسية، إلا أنه لم يكن بعيداً عن التوقعات، وذلك بناء على الحدود المتينة التي فرضها الخامنئي حيال أي طريقة للخوض مع الولايات المتحدة، إذ دعا الزعيم الإيراني لمناقضة كاملة لسياسة إدارة ترمب، لكنه رفض الدخول في محادثات في الوقت الذي ما تزال فيه العقوبات قائمة. ومع رفض المعاناة تحت وطأة العقوبات أو السعي للتوصل إلى تسوية، لم يتبق أمام إيران سوى خيار واحد: ألا وهو التصعيد وتحدي قرار إدارة ترمب.

ومع الركون لهذا المنطق؛ شرعت إيران في العشرين من شهر حزيران بإسقاط طائرة استطلاع تابعة للبحرية الأميركية فوق المياه الدولية (إذ ادّعت إيران بأن الطائرة كانت تحلق فوق مياهها الإقليمية)، بيد أن اختيار هدف لا يشتمل على أشخاص ربما يعكس رغبة إيران بالتصعيد ضمن الحدود، إلا أن هذا التصرف أجبر الأميركيين على الرد، حيث نُقل عن ترمب أنه أمر بإجراء سلسلة من الغارات الأميركية على مواقع تحتوي على صواريخ ورادارات إيرانية، لكنه أوقف العملية في الدقيقة الأخيرة، وزعمت الولايات المتحدة عوضاً عن ذلك بقيامها بهجمات إلكترونية محدودة استهدفت مراكز للقيادة والتحكم ضمن منظومة الصواريخ الإيرانية. كما أعلنت إدارة ترمب عن عقوبات إضافية فرضتها على كتلة مالية ضخمة يتحكم بها خامنئي وكذلك على مجموعة من قادة البحرية في الحرس الثوري الإيراني، وحذرت من فرض عقوبات في المستقبل على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف.

وهكذا أظهرت ردة فعل ترمب بأن واشنطن أصبحت ضمن المربع الذي توجد فيه طهران، ثم إن سياسات الرئيس دفعت الولايات المتحدة للاقتراب من شن حرب ضد إيران قبل الانتخابات، كما أن تصرف إدارته، لا سيما ذلك المتعلق بالتهديد بفرض عقوبات على كبار الدبلوماسيين في إيران قد طعنت في مصداقية دعواته المتكررة للحوار. وبذلك تبدو العقوبات الأداة الوحيدة التي تشعر الإدارة بالراحة حيالها، بيد أن العقوبات الجديدة مع بلوغ هذه المرحلة أصبحت أشبه بطقوس أو تقاليد، بما أن أكثر العقوبات إضراراً بالاقتصاد قد فرضت منذ مدة طويلة. ومع ذلك، يمكن القول بأن العقوبات تصعّب من حل اللجوء للمفاوضات، إذ عقب الجولة الأخيرة من العقوبات، أعلن مسؤولون إيرانيون عن إغلاق أي نافذة للدبلوماسية للأبد، وفي ذلك إعلان صريح وغني بني على رفض سبق وأن أعلنت عنه إيران لخوض المحادثات.

 

يبدو أن كلا الطرفين لا يرغبان بخوض الحرب، بالرغم من أن كليهما يسيران بخُطًا وئيدة باتجاهها

خلال الأسبوع المنصرم؛ هبط مستوى التصريحات والبيانات التي أطلقها كلا الطرفين إلى مستوى حالات السخرية التي يطلقها الصبية في باحة المدرسة، إذ أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني فجأة بأن "البيت الأبيض أصيب بمرض وإعاقة عقلية". أما ترمب فقد عبر من خلال رده على بعض التقارير الإخبارية التي حولت روحاني إلى متخلف فارسي بشكل أكثر فظاظة، وذلك ضمن ما يشبه الخط الأحمر الجديد بالنسبة للولايات المتحدة، عبر تغريدة ورد فيها: "أي هجوم تشنه إيران على كل ما هو أميركي سيقابل بقوات ساحقة وضخمة، وفي بعض النواحي قد تشير كلمة ساحقة إلى المحي والإنهاء"

وهكذا لم يتبق لدينا سوى دولتين غير راغبتين بالتوصل إلى تسوية، أو حوار، ويمنعهما غرورهما من التراجع، إذ يبدو أن كلا الطرفين لا يرغبان بخوض الحرب، بالرغم من أن كليهما تسيران بخُطًا وئيدة باتجاهها، وقد انحشرت كل منهما ضمن مربع السياسات القصوى والتصلب في المواقف.

بيد أن السلام لا يمكن أن يأتي عبر مهاجمة السفن وإسقاط الطائرات في الأجواء، إذ يتطلب الحل الدائم لهذه الأزمة التوصل إلى تسوية مع إنهاء لحالة عدم الاستقرار في السياسة الخارجية لإيران في المنطقة. وفي هذه الفترة يتضاءل احتمال توجه إيران لعبور هذا الطريق، بالرغم من أنه الطريق الذي يستحقه الشعب الإيراني بحق.   

 

المصدر : فورين أفيرز

مقالات مقترحة
"الصحة العالمية": تأخير موعد تسليم لقاحات "كورونا" إلى سوريا
تركيا.. أعلى حصيلة إصابات يومية بكورونا و"الداخلية" تصدر تعميماً
كورونا.. 7 وفيات و104 إصابات جديدة في مناطق "النظام"