الوطنية السورية الغائبة

تاريخ النشر: 21.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 27.04.2018 | 10:43 دمشق

شكّل الصراع السوري، بمحطاته، وتحولاته، حالة خاصّة، تصلح لتكون نموذجاً عن المستوى الذي وصلت إليه حالة التدمير المستمر للوطنية، فالوطنية، ليست مجالاً شعورياً فقط، تنعكس فيه حالة الانتماء، وإنما قناعات تمّ ترسيخها عبر أجيال، وذات قيمة معرفية عالية، من شأنها أن تشكّل نوعاً من الحصانة في لحظات الأزمات الكبرى التي تعتري الأوطان، وبالتالي تمنع الوطنية حالة الانزلاق إلى مستويات كبيرة من العنف، من شأنها تمزيق الجغرافيا وكلّ مشتركات العيش بين الأفراد والمكونات.

ثمة أسئلة عديدة تواجهنا اليوم كسوريين، وفي مقدمتها: لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من وضع كارثي، قد تكون نتائجه غير قابلة للارتداد أو الترميم؟

إن سؤالاً كهذا تصعب الإجابة عنه انطلاقاً من تفسيرات أحادية، كما أن ردَّه إلى صراعات فئوية أمرٌ فيه الكثير من التجني على الواقع، لكن من الضرورة بمكان تفكيك جملة من العناصر المفاهيمية، لضرورات الفهم من جهة، ولضرورات التغيير المستقبلي من جهة أخرى، وفي هذا السياق، فإن تحليل المستوى التدميري للوطنية السورية يبدو أمراً لا غنى عنه، من أجل إدراك هذا المستوى غير المسبوق من الانزلاق شبه الجمعي نحو مواقع مضادة للوطنية، سواءً على المستوى الشعوري، أو على المستوى المعرفي.

ولا يمكن بطبيعة الحال تناول الوطنية السورية، وأطر تشكلها، من دون العودة إلى السياق التاريخي للوطنية السورية، وللمحطات الكبرى في تاريخها، خصوصاً أن الدولة السورية هي دولة حديثة النشأة، فقد كان انهيار الدولة العثمانية "الخلافة" دوراً أساسياً في ظهور الدولة السورية، وبدء تشكّل الشعور الوطني السوري، بوصفه شعوراً بوطن محدد جغرافياً، وقد نمت الوطنية السورية الأولى بوصفها ردّ فعل على الانتداب الفرنسي، وقد بلور النضال من أجل الاستقلال مشاعر الانتماء عند النخبة السورية بالدرجة الأولى، والتي تصدّت لمشروع الاستقلال، وصياغة وطن مستقل للسوريين، بدلالة ما أنتجته معاهدة "سايكس- بيكو" من مخرجات.

السياسيون الوطنيون السوريون الذين خاضوا معركة الاستقلال كانوا بالمجمل أقرب إلى الفهم الليبرالي للتعايش الوطني بين المكونات، من دون المبالغة بالطبع بتجذر ليبراليتهم، وقد أتاحت تلك الليبرالية فرصة ديمقراطية متواضعة للسوريين بعد الاستقلال، سرعان ما تمّ الانقضاض عليها لاحقاً من النخبة العسكرية السورية، والتي تحوّلت مع الوقت أكثر فأكثر نحو الإيديولوجيا، والتي يمثل حالتها الأبرز "حزب البعث"، بمزاوجته بين الأيديولوجيا والعسكرتاريا.

لقد كانت لحظة الاستقلال عن فرنسا بداية لظهور التمايز الأيديولوجي على الساحة السورية، فإذا كان الاحتلال الفرنسي قد ولّد حالة من النضال الجمعي في مواجهته، فإن خروج الفرنسيين من بلادنا كان فرصة سانحة لظهور توجهات أيديولوجية مختلفة، كان بعضها موجوداً في ظل الاحتلال نفسه، لكنه راح يبلور تطلعاته السياسية بشكل أوضح وأكثر حدّة مع خروج المستعمر الفرنسي.

وبالتالي فإن "الخلافة" بمعناها التاريخي بقيت هي المرجعية للنظر والتعامل، ليس فقط مع التاريخ، بل مع الحاضر والمستقبل

إن الوطنية، وتمظهراتها القومية، كما عرفها السياق الأوروبي في بلورة مشروع الأمة/ الدولة، لا يمكن اعتبارها مرجعاً حين النظر إلى مجمل تجارب الشرق، ومنها منطقة الشرق الأوسط، فقد نمت الأولى في كنف التطور الليبرالي وسوق العمل وأفكار التنوير وتطوّر الصناعة وظهور البرجوازية كطبقة تشكّل قاطرة للتقدم، بينما بقيت الثانية مشدودة أكثر نحو الماضي، وستظهر تجليات هذا الانشداد في أفكار معظم الحركات السياسية السورية، والتي ستلعب أفكارها تلك دوراً حاسماً في تاريخ بلادنا، منذ نهاية الجمهورية الأولى (1932-1963) ونهاية الجمهورية الثانية (1963-2011).

 لقد ذهب القوميون العرب، وفي مقدمتهم حزب البعث، ونخبه، إلى اعتبار الأمة العربية هي الفضاء الرئيس للأمة، قافزين بذلك عن مخرجات سايكس-بيكو، معتبرين أن القطرية هي مجرد مرحلة فرضتها الوقائع، لكنها مجرد محطة في طريق بناء الدولة/ الأمة، بدلالة الفضاء القومي العربي، من دون النظر إلى استحقاقات الواقع السوري نفسه، من اقتصاد واجتماع، وقد وفّر لهم ذلك الهروب من استحقاقات الواقع السوري شرعية خارجية، خصوصاً أثناء ترسيخ حكم البعث، مع مجيء حافظ الأسد إلى السلطة في عام 1971.

بالمقابل، اعتبرت جماعة "الإخوان المسلمين" هي الأخرى أن سايكس-بيكو صنيعة غربية من أعداء الأمة، لكن الأمة في أدبيات الإخوان هي الأمة الإسلامية، وبالتالي فإن "الخلافة" بمعناها التاريخي بقيت هي المرجعية للنظر والتعامل، ليس فقط مع التاريخ، بل مع الحاضر والمستقبل، وبالتالي فإن الوطن السوري هو وطن مؤقت، ومجرد مساحة جغرافية للنضال من أجل الدولة/ الأمة الإسلامية.

وكيف أمكن لها أن تدفع بملايين السوريين خارج جغرافيا الوطن وتاريخه، وأن تتحالف مع دول وميليشيات أجنبية في مواجهة السوريين.

القوميون السوريون، التقوا مع القوميين العرب والإسلاميين لجهة اعتبار الوطن السوري بدلالة سايكس-بيكو جزءاً من فضاء قومي أعلى، وقد ذهبوا إلى ما ذهب إليه القوميون العرب والإسلاميون برفع النضال القومي فوق أي نضال آخر، وتغاضوا-كما تغاضى القوميون والإسلاميون-عن معطيات الوطن السوري، واستحقاقاته المختلفة، بل وعن تناقضاته الكثيرة.

الحزب الشيوعي السوري، وضع نفسه تحت تصرّف الاتحاد السوفيتي، وحربه الباردة، معتبراً أن النضال ضد الرأسمالية العالمية هو النضال الأساس الذي تتفرع عنه كل النضالات الأخرى، بما فيها النضال الاجتماعي، ليس انطلاقاً من اعتبار النضال الاجتماعي عملية ضرورية في بناء الوطنية السورية، وإنما بدلالة التناقضات الطبقية في المجتمع السوري.

 هذا السياق الأيديولوجي-السياسي التاريخي، يفسر إلى حد بعيد كيف انزلقت السلطة السياسية، بعد انتفاضة السوريين في عام 2011، بسرعة كبيرة إلى مواقع لا وطنية، وكيف أمكن لها أن تزج بالمؤسسة العسكرية التي يفترض أنها إحدى المؤسسات الرمزية الجامعة للوطنية السورية في مواجهة الفئات الشعبية المنتفضة، وكيف أمكن لها أن تدفع بملايين السوريين خارج جغرافيا الوطن وتاريخه، وأن تتحالف مع دول وميليشيات أجنبية في مواجهة السوريين.

في الوقت نفسه، يفسر هذا السياق أيضاً، كيف قبلت فئات واسعة من المعارضة السورية بحالة الولاء والتبعية للخارج في مواجهة السلطة السياسية، معوّلة على القوى الخارجية ودعمها، وليس على نضال الفئات السورية المختلفة في وجه الاستبداد التاريخي، وهو ما أسهم في تحويل الصراع من صراع وطني إلى لعبة أمم على مسرح الجغرافيا السورية.

كلمات مفتاحية