icon
التغطية الحية

الوصول لمن استطاع.. كيف غاب طلاب السويداء عن نتائج البكالوريا؟

2026.08.05 | 01:37 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.05 | 01:39 دمشق

الوصول لمن استطاع.. كيف غاب طلاب السويداء عن نتائج البكالوريا؟
الوصول لمن استطاع.. كيف غاب طلاب السويداء عن نتائج البكالوريا؟
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- التحديات التي واجهها الطلاب في السويداء: قرار وزارة التربية والتعليم بنقل امتحانات البكالوريا إلى دمشق وريفها لضمان "بيئة آمنة وعادلة" أضاف عبئًا ماليًا على الطلاب، مما أدى إلى انخفاض نسبة المتقدمين للامتحانات.

- قصص الطلاب المتأثرين: قصص مثل فادي وميرا وعدي تعكس الصعوبات الشخصية التي واجهها الطلاب نتيجة للقرارات الإدارية والظروف الأمنية، حيث تمكن البعض من النجاح بينما لم يتمكن آخرون من التقدم للامتحانات.

- المبادرات الأهلية والحلول المقترحة: مبادرات أهلية في جرمانا قدمت دعمًا للطلاب بتوفير أماكن إقامة ودروس مجانية، لكن تبقى هذه الحلول محدودة، مما يبرز الحاجة إلى تدخل حكومي لضمان حق الطلاب في التقدم للامتحانات.

قبل أن يدخل فادي (اسم مستعار) قاعة امتحان البكالوريا، كان عليه أن يجد جواباً عن سؤال لا علاقة له بالمنهاج: أين سينام خلال فترة الامتحانات؟ وجد الجواب لدى أقارب له في جرمانا، فغادر السويداء وأقام عندهم، وعندما صدرت النتائج يوم الإثنين 3 آب، كان اسمه بين الناجحين بمعدل 70 في المئة.

في منزل آخر بالسويداء، لم تكن طالبة درست طوال العام تنتظر ظهور نتيجتها. قررت عائلتها قبل بدء الامتحانات ألا تذهب إلى مركزها، بعدما عجزت عن إيجاد مكان مناسب تقيم فيه خارج المحافظة، ورفضت والدتها إرسالها وحدها.

هكذا، لم تقسّم نتائج البكالوريا طلاب السويداء إلى ناجحين وراسبين فقط؛ أبقت خارجها من لم يتمكنوا أصلاً من الوصول إلى مقاعدهم. وعملياً، أضيف إلى شروط الامتحان شرط غير مكتوب: امتلاك كلفة الاستئجار، أو قريب لديه متسع في منزله، أو مضيفاً متطوعاً خارج المحافظة.

في 14 أيار الماضي، قررت وزارة التربية والتعليم نقل امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة لطلاب السويداء إلى دمشق وريفها، وقالت إن القرار يهدف إلى توفير "بيئة آمنة وعادلة" للعملية الامتحانية. وجاء ذلك بعد تعثر المفاوضات بشأن إجرائها داخل المحافظة تحت إشراف الوزارة، وفشل مشاورات شاركت فيها الأمم المتحدة في التوصل إلى آلية متفق عليها.

لكن تطبيق القرار اصطدم بقيود على الحركة وإغلاق الطريق ومخاوف أمنية من الانتقال، إلى جانب كلفة الإقامة لأسابيع في دمشق وريفها.

وفي اليوم الأول للامتحانات، لم تتجاوز نسبة طلاب الثانوية المتقدمين 4 في المئة من إجمالي المسجلين، وفق كتاب صادر عن مسؤولين في تربية السويداء نقلته الجزيرة، في حين قدّرت المديرية لاحقاً أن نسبة من تمكنوا من التقدم خلال الدورة بلغت 21 في المئة من طلاب الثانوية بمختلف فروعها، بحسب منصة "تأكد".

وعندما أعلنت الوزارة نتائج 341 ألفاً و183 طالباً وطالبة على مستوى سوريا، عرضت أعداد المتقدمين ونسب النجاح بحسب الفروع ونظام الدراسة، من دون نشرها موزعة حسب المحافظات.

وجعل غياب هذا التفصيل أثر الأزمة في السويداء غير ظاهر داخل الرقم الوطني؛ إذ لم يوضح إعلان النتائج عدد طلاب المحافظة الذين دخلوا الامتحان، أو نسبتهم إلى المسجلين، في وقت تشير تقديرات مديرية التربية إلى أن معظمهم بقوا خارجه.

فادي.. النجاح مر عبر جرمانا

كان فادي يتقدم إلى البكالوريا للمرة الأولى، ويطمح إلى دراسة الرياضيات أو الهندسة الميكانيكية. ويقول لموقع تلفزيون سوريا إن الخوف من الطريق والوضع الأمني كان أول ما شغل عائلته، ثم جاءت مشكلة الإقامة.

أقام فادي لدى أقاربه في جرمانا طوال فترة الامتحانات، ويقول: "كان شعور الإحراج ثقيلاً جداً، رغم أنهم مضيافون، لكن ما كانت عندنا قدرة مالية نستأجر. لولاهم ما كنت قدرت انزل وقدّم".

لم يكن معدل 70 في المئة هو ما كان يطمح إليه، لكن القيمة الأكبر للنتيجة، بالنسبة إليه، أنها أنهت عاماً صار استكمال امتحاناته بحد ذاته إنجازاً. ويضيف: "الحمد لله نجحت. مو مثل ما بدي، بس المهم قدرت قدّم وأخلص من البكالوريا، لأنها كانت همّاً كبيراً. رفقاتي ما قدروا يقدموا".

ميرا.. عام انتهى قبل الامتحان

كانت نهاد (اسم وهمي) والدة الطالبة ميرا من السويداء تتابع ما جرى لطلاب دورة 2025، لكنها لم تتخيل أن تصل ابنتها إلى امتحانات العام التالي من دون حل يتيح لها التقدم داخل محافظتها.

تقول الأم لموقع تلفزيون سوريا: "درست بنتي وتعبت كتير. كل ما يقرب الموعد كانت تقلي: يا أمي خايفة هالتعب يكون عالفاضي، وكنت قلا: اتكلي على الله، أكيد رح يلاقوا حل، ما بصير".

عندما حان موعد الامتحانات، لم يكن لدى الأسرة أقارب في جرمانا سوى عائلة تقيم في منزل صغير مؤلف من غرفة وصالون، ولم ترَ الأم أن انتقالها مع ابنتها للإقامة هناك ممكن، كما رفضت إرسالها بمفردها لأنها "غير معتادة" على ذلك وتخشى عليها.

تقول: "قررنا ما تروح تقدم هالسنة. وما منقول غير لعلّه خير". وبخلاف أسر كانت تنتظر علامة منخفضة أو مرتفعة، لم يكن لدى هذه الأسرة رقم تبحث عنه في تطبيق النتائج؛ فقرار البقاء في السويداء حسم العام قبل أن يبدأ الامتحان.

عدي.. عامان بلا شهادة

بالنسبة إلى عدي، وهو طالب من قرية قريبة من شهبا، بدأت خسارة البكالوريا قبل عام. كان يطمح إلى دراسة التعويضات السنية، واستعد جيداً لامتحانات 2025، لكنه لم يتمكن من تقديم سوى مادة الفيزياء قبل أن تؤدي أحداث تموز إلى توقف الامتحانات وتضرر عدد من المراكز.

وفي تشرين الثاني، أجرت مديرية تربية السويداء امتحانات استثنائية من دون موافقة وزارة التربية وإشرافها. وتقدم إليها نحو ستة آلاف طالب، وفق تقارير صحفية تابعت الملف آنذاك، من بينها موقع "روزنة".

رفض عدي في البداية إعادة التجربة، بعدما شعر أن جهده الأول ضاع، ثم أقنعته عائلته بالعودة إلى الدراسة. تقدم إلى الامتحانات وحصل على 81 في المئة. ويقول إن عاملين في تربية السويداء ظلوا يمنحون الطلاب أملاً بأن النتائج سيُعترف بها، فانتظر مع زملائه، لكن الشهادة بقيت خارج الاعتراف الرسمي.

قرر في عام 2026 إعادة البكالوريا، وسُجل في مركز امتحاني بمدينة عربين في ريف دمشق، لكنه لم يتمكن من الوصول إليه. ومع صدور النتائج، وجد نفسه للعام الثاني من دون شهادة معترف بها، في حين بدأ أصدقاء له التخطيط للجامعة.

يقول عدي: "رفقاتي عم يكملوا وأنا لساتني واقف بمكاني. تعبت من الإعادة، وما بعرف إذا فيني أعيد مرة ثالثة، أو إذا عندي طاقة أرجع أدرس من الأول".

ولم تقتصر خسارته على الوقت، ففي محاولة لفتح مسار جامعي خلال انتظار الاعتراف بنتيجته، سجل في 6 نيسان 2026 لدى جهة محلية قدمت نفسها بوصفها ممثلة للجامعة الأميركية الدولية في سوريا، واختار بكالوريوس تكنولوجيا المعلومات عبر التعليم الإلكتروني.

وتظهر وثائق التسجيل التي زود بها عدي موقع تلفزيون سوريا أن مدة البرنامج أربع سنوات، وأن كلفته الإجمالية حددت بثمانية آلاف دولار، موزعة على ثماني دفعات قيمة كل منها ألف دولار، إضافة إلى رسوم تسجيل وفصلية.

وقال عدي إنه دفع الدفعة الأولى، أملاً في ألا يخسر فرصة أخرى، لكن تحقيقاً نشرته منصة "تأكد" في تموز الماضي كشف أن الجامعة الأميركية في الولايات المتحدة نفت وجود فرع أو شريك أكاديمي معتمد لها في سوريا، في حين أقرت الجهة المحلية بأنها لم تحصل على ترخيص من وزارة التعليم العالي السورية.

وأوضحت الجامعة الأميركية أن اتفاقاً سابقاً كان يقتصر على ربط أكاديمي محدود، ولا يسمح بإنشاء فرع أو مركز تابع لها، وأنها أنهت الاتفاق لاحقاً.

جرمانا تحاول سد الفراغ

في جرمانا، حاولت مبادرة أهلية تقليل أثر الشروط التي سبقت دخول الامتحان. تقول وعد نصر، إحدى القائمات على المبادرة، لموقع تلفزيون سوريا إن العمل انطلق عبر "جمعية أصدقاء المدارس"، وهي جمعية تأسست قبل نحو عامين وحصلت على ترخيص، وبدأ نشاطها بترميم المدارس وإصلاح الأبواب والنوافذ والأثاث والحنفيات، بتمويل من أعضائها والمجتمع المحلي في جرمانا.

ومع بدء طلاب السويداء نقل ملفاتهم ومراكزهم الامتحانية إلى دمشق وريفها، فتحت الجمعية باب التسجيل، وتعاونت مع مجموعة العمل الأهلي ومجلس مدينة جرمانا وأفراد من المجتمع المحلي للبحث عن أماكن إقامة للطلاب الذين لا يستطيعون الاستئجار.

وأطلقت مجموعة عبر تطبيق "واتساب" لتزويد الطلاب بمواعيد الدورات وتغييرات المراكز وأماكن استلام البطاقات الامتحانية، وربط المحتاجين إلى سكن بعائلات مستضيفة. كما نسقت مع معاهد ومدرسين قدموا دروساً خاصة ودورات مكثفة مجاناً.

وبحسب نصر، تراوح عدد الطلاب الذين شملتهم شبكة التنسيق والمعلومات بين 1500 و1800 من طلاب الشهادتين. ولا يعني هذا الرقم أن الجمعية استضافتهم جميعاً؛ إذ تنوعت المساعدة بين المعلومات والدروس وربط الطلاب بالمضيفين، ولم تقدم المبادرة رقماً منفصلاً لعدد من حصلوا على سكن فعلي.

وترى نصر أن نجاح المبادرة في مساعدة من وصلوا لا يغير أصل المشكلة، وتقول: "حق الطالب يقدم بمحافظته، وبين أهله، وبالمدارس اللي تعود عليها. طالب التاسع عمره 14 أو 15 سنة، وبحاجة لما يطلع من الامتحان يكون أول وجه يشوفه أمه أو أبوه".

وتضيف أن بعض الطلاب وصلوا من دون هواتف، وكانوا يطلبون من المتطوعين الاتصال بعائلاتهم فور خروجهم من القاعة، في حين أقام آخرون لدى عمات أو أخوال بعيداً عن ذويهم. وتقول: "حاولنا قدر المستطاع نحسسهم إنهم بين أهلهم، ونقلهم: إنتو جيتوا على مكان مو غريب، جيتوا بين أهلكم".

وفرت المبادرة لبعض الطلاب طريقاً عملياً إلى الامتحان، لكنها كشفت أيضاً حدود الحل الأهلي؛ إذ عولج حق عام بأدوات تطوعية تعتمد على وجود غرفة إضافية، أو أسرة قادرة على الاستضافة، أو مدرس يستطيع تقديم وقته مجاناً.

النتائج صدرت.. ماذا عن الغائبين؟

في 17 حزيران، طلبت مديرية تربية السويداء من الوزارة إقامة دورة امتحانية خاصة لطلاب الشهادتين داخل المحافظة وتحت إشرافها، وأبدت استعدادها لاستقبال الكوادر والمشرفين الوزاريين وتأمين تنقلهم، لكن مصدر تحدث إلى منصة "تأكد" قال حينها إن المديرية لم تتلق رداً.

وتواصل موقع تلفزيون سوريا مع وزارة التربية والتعليم، ووجه إليها أسئلة عن مصير الطلاب الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى مراكزهم، وإمكان تنظيم دورة خاصة لهم، ومصير نتائج امتحانات 2025، لكنها لم تستجب حتى إعداد هذا التقرير.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه الوزارة بدء استقبال الاعتراضات على نتائج الثانوية بين 5 و8 آب لم يكن لدى عدي ومعظم زملائه الغائبين عن الامتحانات نتيجة يعترضون عليها.

يقول عدي إن خطته الجامعية، وحتى فكرة سفره، متوقفتان على شهادة لا يملكها، ويضيف: "بدي جواب واضح من وزارة التربية: شو مصير الطلاب اللي ضاعت عليهم سنتين، وشو الفرصة اللي رح يعطونا ياها حتى نقدر نكمل حياتنا؟".