الوجود الروسي في سوريا خدمة لإسرائيل

تاريخ النشر: 10.02.2021 | 00:01 دمشق

تداول الإسرائيليون في الأيام الماضية أنباء مفادها أن القوات الروسية في سوريا، نبشت مقبرة في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين للبحث عن رفات جندي إسرائيلي، وأطلقت قبل أيام عمليات نبش وتنقيب، بهدف جمع عينات من الحمض النووي لعدد من الجثث قبل إعادتها إلى مكانها، فيما فرضت طوقا أمنيا في محيط المقبرة.

هذا الخبر اللافت يعيد إلى الأذهان ما شهده شهر نيسان/ أبريل من عام 2019، حين نشرت وزارة الدفاع الروسية تسجيلا لمراسم تسليم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفات جندي إسرائيلي، قتل في معارك في لبنان في العام 1982، حيث سلمت روسيا لإسرائيل رفات الجندي من كتيبة الدبابات الإسرائيلية، زخاريا باومل، الذي فقد منذ أكثر من 39 عاما.

مع العلم أن إسرائيل دفعت ثمناً متواضعاً لسوريا مقابل استعادة جنديها من خلال إفراجها عن تاجر مخدرات كان سيخرج بعد ثلاثة أشهر، والثاني أحد عناصر حركة فتح كان سينهي محكوميته بعد أربع سنوات!

كما يقول المثل العربي، يجب "مناداة الصبي باسمه"، فنحن أمام صفقة ثلاثية بين إسرائيل وسوريا وروسيا، رغم محاولة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والجيش إخفاءها، لكن فلاديمير بوتين لا يقدم وجبات مجانية، ولابد لمن يستلم البضاعة الإسرائيلية أن يدفع ثمنها.

وفي حين نفى الجيش الإسرائيلي وجود صفقة، بزعم أن المسألة لا تتعدى مبادرة إنسانية تجاه بوتين، لكن المتحدثين الروس أعلنوا أن موسكو كان لها دور في البحث عن جثمان باومل، مما دفع الإسرائيليين للاعتقاد بأن ما حصل مع السوريين، قد يعتبر مقدمة لصفقات تبادل أسرى أخرى في الطريق.

يوصف نتنياهو بأنه الضيف الأكثر حضورا في الكرملين لدى بوتين، وتتركز معظم نقاشاتهما حول تعزيز المصالح الإسرائيلية في سوريا

هذه الجهود الروسية على الأراضي السورية لصالح إسرائيل تأتي استكمالا للمباحثات التي دأب على إجرائها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع مضيفه الروسي فلاديمير بوتين، وتركز حديثهما حول التواجد الإيراني في سوريا.

يوصف نتنياهو بأنه الضيف الأكثر حضورا في الكرملين لدى بوتين، وتتركز معظم نقاشاتهما حول تعزيز المصالح الإسرائيلية في سوريا، وعدم القبول الإسرائيلي بأي وجود لإيران أو حلفائها في أي جزء من الأراضي السورية، وليس فقط قرب الحدود مع الجولان السوري المحتل.

دأب نتنياهو على إبلاغ بوتين بأن تل أبيب لن تحتمل أي وجود لإيران أو حلفائها في أي جزء من سوريا، وأنه يجب الحفاظ على اتفاق فصل القوات لعام 1974، ولعل وجود نتنياهو بجانب بوتين يعدّ رسالة لعدة أطراف، أولها الإيرانيون، ليس فقط رسالة، وإنما كمن يضع إصبعه في عيونهم، كما أن الأوروبيين لا يحبون رؤية هذا المشهد الذي يجمعهما، حتى إن مثل هذه اللقاءات اعتبرت في حينه رسالة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وكأن الكرملين أراد إبلاغ جميع الأطراف أن نتنياهو موجود بطريقة أو بأخرى في دائرة داعميه.

لقاءات نتنياهو- بوتين المتكررة التي تناقش الملف الإيراني في سوريا، تؤكد أن الموضوع الإيراني مغلق بينهما، ومتفق عليه منذ زمن بعيد، والدليل أن إسرائيل تهاجم قواعد إيرانية في سوريا، بما يقابله صمت روسي مطبق، وكأن ما تقوم به تل أبيب يحقق مصالح لموسكو أيضا.

لم يعد سراً أن روسيا لا تريد للإيرانيين أن يبقوا في سوريا، كما أن الأسد لا يريدهم، وإسرائيل كذلك، وتستطيع روسيا لو أرادت أن تقطع قدرة الإيرانيين على التأثير في الأسد، لكن من يقوم بدفع الإيرانيين خارج سوريا فعليا هم الإسرائيليون، وكأن روسيا تشغل إسرائيل في هذا الموضوع، أو على الأقل تساعدها، بمعنى أن كل ما تقوم به إسرائيل في سوريا منسق مع الروس.

رغم المصالح المتبادلة والرغبات المشتركة، فإن قدرة الروس محدودة تجاه الأنشطة العسكرية للقوات الإيرانية في سوريا، وليس لديهم القوة القادرة على إخراج إيران من هناك، رغم أن هناك اتفاقا بين الزعيمين وصل إلى المستويات العملياتية لدى الجيش في موسكو وتل أبيب، مفاده أن الإيرانيين قاموا بالمطلوب منهم في سوريا، وقد آن أوان رحيلهم منها.

ومع ذلك، فإن محدودية القدرة الروسية تجاه الإيرانيين جعلتهم يتفقون معهم على عدم اقترابهم من الحدود الإسرائيلية، سواء كانت قوات إيرانية مباشرة أو ميليشيات تابعة لها، هذا ما تم الاتفاق عليه سابقا بين روسيا وإسرائيل، وربما ذهب نتنياهو لموسكو للتأكد من سريان الاتفاق، أو الاستعداد لسيناريو آخر جديد.

لم يتوقف الأمر عند الساسة الروس والإسرائيليين في الإشادة بتنسيقهما لما يتعلق بالتطورات السورية، بل إن بيرل لازار الحاخام اليهودي الأكبر في روسيا زعم أن إسرائيل لديها "صديق حميم" في الكرملين، وإن كل ما يقوم به في سوريا هو لمصلحتها، مع أن هذا الحاخام يعتبر أحد الشخصيات الدينية الأكثر قربا من بوتين، مشيرا أن رؤساء حكومات إسرائيلية سابقين مثل أريئيل شارون وشمعون بيريس وإيهود أولمرت والعديد من الزعماء الإسرائيليين كانت آراؤهم في بوتين كذلك.

كما أن الشارع الروسي يشهد تأييدا متزايدا تجاه إسرائيل، وقد التقى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع بوتين أربع مرات في السنة الماضية فقط.

فقط من أجل تنشيط الذاكرة، فقد سبق لموسكو أن لوحت بإرسال منظومات صاروخية مضادة للطيران في سوريا، وحين هدد وزير الحرب الاسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان باستهدافها وضربها، أكد الروس أن هذه المنظومات الدفاعية ليست موجهة ضد إسرائيل، بل للرد على الهجمات الأميركية والغربية ضد سوريا، كما حصل مؤخرا، مما يجعل موسكو ترى في الضربات الإسرائيلية باتجاه أهداف في قلب سوريا على أنها تحدث عقب تفاهمات بينهما، وبشرط ألا تخل بالتوازن القائم في المنطقة.

يذكرنا ذلك بأزمة عابرة نشبت بين روسيا وإسرائيل على خلفية إسقاط الطائرة الروسية في سوريا في 2018، واعتبرت الأزمة الأخطر منذ سنوات، وأوشكت أن تهدد المنظومة التنسيقية القائمة بينهما للعمل في سوريا منذ ثلاث سنوات، بل قد تضر بحرية الحركة الإسرائيلية لسلاحها الجوي في الأجواء السورية، مما جعل الجانبين يقفان أمام لحظة اختبار جدية لمدى قوة هذه العلاقات الروسية الإسرائيلية، وقدرتها على تجاوز هذه الأزمة، في ظل التفاهمات التي أنجزها نتنياهو مع بوتين.

دأبت إسرائيل على التوضيح بأن التنديد الروسي ببعض العمليات الإسرائيلية في سوريا تأتي بغرض البروتوكول الدبلوماسي ليس أكثر

لعل إلقاء نظرة فاحصة على تنامي العلاقات الروسية الإسرائيلية على الأراضي السورية، يحتم إجراء مقارنة عما شهدته العلاقات في سنوات سابقة مع بداية التدخل الروسي في سوريا أواخر 2015، حيث شهدت آنذاك وقوع حوادث عديدة نتيجة لاختلاف المواقف بين إسرائيل وروسيا، إلى الدرجة التي كانت تضطر فيها موسكو لإصدار بيانات قاسية ضد تل أبيب، لا سيما للتنديد بالعمليات الإسرائيلية في سوريا، وفي بعض الحالات يتم استدعاء السفير الإسرائيلي هناك لجلسة استيضاح محرجة من قبل وزارة الخارجية الروسية.

ورغم ذلك، فقد دأبت إسرائيل على التوضيح بأن التنديد الروسي ببعض العمليات الإسرائيلية في سوريا تأتي بغرض البروتوكول الدبلوماسي ليس أكثر، في حين أن المباحثات الثنائية في القنوات الخلفية تحافظ على حرية حركة الجيش الإسرائيلي في سوريا، دون أن تمس بأذى.

يستدل الإسرائيليون على ذلك، بأنه رغم مئات الهجمات التي نفذها الجيش الإسرائيلي في سوريا خلال السنوات الخمسة الأخيرة، فقد بقي نتنياهو الضيف الأكثر حضورا لدى بوتين في الكرملين، كما أن مسؤولين روسا يأتون إلى تل أبيب مرة واحدة شهريا، وكذلك يقوم مسؤولون إسرائيليون بزيارة موسكو بالوتيرة ذاتها، حتى إن قناة الاتصال بين سلاحي الجو الإسرائيلي والروسي تعمل بطريقة حرفية متقنة؛ لمنع وقوع عدة أحداث كانت ستؤثر على علاقات الجانبين.

كل ذلك يؤكد أن ما تقوم به إسرائيل في سوريا ليس بعيدا عن التنسيق مع روسيا، ولذلك فإن مستوى الإدانة الروسية للهجمات الإسرائيلية ليست قوية إلى حد بعيد، مما يؤكد أن هناك تنسيقا بين موسكو وتل أبيب بشأنها، وفي الوقت ذاته فإن موسكو باستطاعتها كبح جماح إيران في سوريا، لكن ليس لديها تحكم وسيطرة عليها بنسبة مئة بالمئة.