icon
التغطية الحية

الواشنطن بوست: المقابر الجماعية تسلط الضوء على آلة القتل التي شرعنها الأسد

2024.12.26 | 14:20 دمشق

آخر تحديث: 2024.12.26 | 15:21 دمشق

أهال يبكون أحبائهم عند حائط مشفى المجتهد الذي نشرت عليه صور بعض الضحايا الذين نقلوا إلى مشرحة المشفى
أهال يبكون أحبائهم عند حائط مشفى المجتهد الذي نشرت عليه صور بعض الضحايا الذين نقلوا إلى مشرحة المشفى
The Washington Post- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- فياض الحسن، عامل نظافة من القطيفة، كان ينقل الجثث إلى مقابر جماعية خارج دمشق، حيث تُستخدم لإخفاء جثث المعارضين المقتولين خلال الحرب السورية، ويُقدر عددها بحوالي 66 مقبرة جماعية.

- نظام الأسد وثّق عمليات القتل بدقة، وأظهرت الأدلة، مثل صور قيصر، الفظائع المرتكبة في السجون والمستشفيات العسكرية، حيث تُدفن الجثث في مقابر جماعية.

- مع وصول الثوار إلى دمشق، بدأ الأهالي في البحث عن أحبائهم المفقودين، مما دفع منظمات حقوقية للمطالبة بحماية مواقع الدفن، حيث أظهرت بعض الجثث آثار التعذيب وسوء التغذية.

كانت شاحنات تبريد تأتي كل يوم تقريباً لترمي الجثث في هذه الأرض الجرداء التي تقع خارج العاصمة السورية، بحسب ما ذكره شهود.

كانت تلك مهمة فياض الحسن، 55 عاماً، وهو عامل نظافة في القطيفة التي تبعد مسافة 37 كيلومتراً عن دمشق، إذ كان يحمل جثث القتلى في شاحنته ثم يرمي بها في خنادق عميقة حفرت في الأرض.

في يومه الأول مع هذا العمل، يخبرنا فياض بأنه بكى بحرقة، وأضاف: "لم أستطع أن أنام الليل من دون أن يتجلى المشهد أمامي من جديد".

يعتبر الموقع الذي اشتغل فيه فياض لثلاث سنوات بدأت منذ عام 2014 أحد المقابر الجماعية التي يبلغ عددها عشرة والتي اكتشفها العاملون في الدفاع المدني والمنظمات الحقوقية في منطقة دمشق لوحدها منذ سقوط بشار الأسد، وهم يعرفون بأن هنالك كثيراً من المقابر غيرها.

"دولة الرعب"

تقدر اللجنة الدولية للمفقودين بأن هنالك ما يقارب من 66 مقبرة جماعية في مختلف أنحاء سوريا، وقد حرص نظام الأسد من خلالها على إخفاء من قتلهم بشكل جماعي من معارضيه طوال سنوات الحرب التي امتدت لـ14 عاماً، وعند فتح تلك المقابر، يمكن اكتشاف مصير أكثر من 150 ألف مختف قسرياً ممن لم يعد لهم أثر طوال فترة النزاع.

كانت تلك المقابر جزءاً من منظومة "دولة الرعب" التي ستقدم أدلة لمحاكمات مجرمي الحرب مستقبلاً، وذلك بحسب ما ذكره المدعي العام الدولي ستيفن راب الذي زار عدة مقابر جماعية في سوريا خلال الأسبوع الماضي، ومن بينها تلك المقبرة الموجودة في القطيفة، وقد عمل راب الذي شغل منصب سفير أميركا سابقاً المعني بجرائم الحرب، على التحقيق بأمر المواقع مع لجنة مستقلة وغير ربحية هي لجنة العدالة والمساءلة الدولية ومع فرقة الطوارئ السورية الموجود مقرها في واشنطن والتي تناصر المعارضة السورية.

يعلق راب على ذلك بقوله: "لم نر لهذا النوع من آلة القتل مثيلاً منذ أيام النازيين".

أرشد فياض الصحفيين إلى موقع آخر قريب، وهو عبارة عن قطعة أرض لا يميزها أي شيء وسط مقبرة عادية، وذكر لهم كيف أنزل الجثث هنا مرة واحدة فقط، ثم طُلب من العاملين هناك قتل الكلاب أو تسميمها لئلا تنبش الجثث.

وقال فياض إنه لم يخبر أحداً بما كان يفعله، ولا حتى أسرته، وأخذ يتذكر ما قاله له أحد الضباط وهو: "ادفنهم أحسن ما ندفنك معهم"، كما كان العساكر من جيش النظام يطوقون موقع الدفن وقد لقموا بنادقهم ووجهوها نحوه طوال فترة إنزاله للجثث حسبما ذكر.

"كل الناس يعرفون"

يعلق على ذلك بدارين عمر، 44 عاماً، وهو أحد ثوار هيئة تحرير الشام التي تحكم سوريا الآن، والمسؤول عن أمن هذا الموقع حالياً: "كان الناس يعرفون ذلك، لكن أحداً منهم لم يجرؤ على التفوه بأي كلمة عن الأمر".

شيء شبيه ببقع الدم على ما يبدو كان قد لطخ جدران مكتب عمر الذي يقع ضمن مقر المخابرات العسكرية القريب من الموقع، ومن خطاف علق في السقف تدلت قطرات ذات لون بني داكن.

يقول القائد العسكري الضخم الذي عاد إلى مسقط رأسه في القطيفة لأول مرة منذ 13 عاماً: "إنها زنزانة الموت"، ويخبرنا بأن هذه الأماكن وأمثالها كانت المحطة الأولى للناس عند اعتقالهم على يد النظام، ويضيف: "في هذا المكان كانوا يعتقلون الناس ويحققون معهم قبل إرسالهم إلى السجون".

بيروقراطية التوثيق الدقيق للجثث

مرات كثيرة، أنكر نظام الأسد تعذيبه للمعارضين وقتلهم في معتقلاته، بيد أن الأدلة التي استخرجتها منظمات حقوقية والتي فضحها من أبلغ عن النظام طوال السنين الماضية كانت كثيرة للغاية، إذ في عام 2013، هرّب منشق أرشيفاً يحتوي على 53 ألف صورة للجثث ضمن ما يعرف بصور قيصر، وتلك الصور التقطت في السجون وفي المشافي العسكرية بسوريا.

وثق النظام عمليات القتل بشكل دقيق جداً، إذ في سجن صيدنايا، الذي يعتبر السجن الأسوأ سمعة بين سجون الأسد، تتناثر اليوم السجلات على أرضيته مما يعبر عن حجم القتل الذي مورس بين تلك الجدران.

ويظهر أحد السجلات أسماء 25 سجيناً جرى إرسالهم إلى أحد المشافي العسكرية في يوم واحد، وقد كتبت كلمة "جثة" مع كل اسم من تلك الأسماء، وفي اليوم التالي، أدرجت أسماء 18 آخرين حتى يتم نقلها، أربعة منها ضمن قائمة المصابين، أما البقية فكانوا جميعاً جثثاً.

يقول شادي هارون مدير برنامج توثيق الأدلة وجمعها لدى رابطة معتقلي ومختفي سجن صيدنايا: "كان ذلك من بيروقراطية هذا النظام، صحيح أننا نتعامل مع فظائع واعتقال عشوائي، إلا أن كل ذلك يخضع لعملية بيروقراطية".

ويخبرنا أن معظم الجثث تدفن بعد وصولها من السجون العسكرية في مقابر جماعية كتلك الموجودة في القطيفة ويعتقد بأنه كان فيها آلاف الجثث قبل أن ينقل بعضها ابتداء من عام 2019، من دون أن تُعرف الوجهة التي نُقلت إليها، كما أن السياج المحيط بالموقع قد شيد ليخفي أعمال الدفن على حد اعتقاد هارون، أو لإخفاء الأرض التي فتحت مرات عدة عن أعين الباحثين الذين درسوا صور الأقمار الصناعية بحثاً عن أدلة.

ويتابع هارون بالقول: "لا أحد يعلم علم اليقين" إلى أين نقلت تلك الجثث.

يقول الخبراء بأن أعمال حفر المقابر والتعرف على الموتى قد تستغرق سنوات إن لم تستغرق عقوداً، إذ بعد مرور 30 عاماً تقريباً على مجزرة سيربرينتشا التي وقعت في أثناء حرب البوسنة، مايزال الناس يتعرفون على الضحايا ليصار إلى دفنهم بطريقة لائقة بحسب ما ذكره راب.

تشير الأدلة التي عثر عليها في مقبرة يعتقد أنها جماعية موجودة في نجها جنوبي دمشق إلى أن هذه المقبرة استخدمت منذ فترة قريبة، إذ هنالك حفرة عميقة حفرت في الأرض، وردم التراب بصورة جزئية عند أحد جوانبها، كما ظهرت مزق من ملابس خرجت من بين الأرض الصخرية.

يعلق على ذلك مصطفى خالد، 51 عاماً، والذي أخبرنا بأنه عمل في موقع بناء قريب فكان يرى شاحنات التبريد عند وصولها، فيقول: "إنها حديثة، ولذلك فإنها تصدر روائح، وقبل أربعة أيام من سقوط النظام كانوا هنا"، ويقصد بذلك الشاحنات، ومثله مثل معظم السوريين، كان شبح اختفاء أحد أفراد أسرته يطارده، إذ جرى توقيف شقيقه عند أحد الحواجز في عام 2011 ولم يسمعوا عنه أي خبر منذ ذلك الحين.

"أين الجثث؟"

منذ أن وصل الثوار إلى دمشق قبل أسبوعين، تهافت أهالي الضحايا اليائيسين على السجون والمشارح على أمل العثور على بقايا من فقدوهم من أحبائهم، وفي حالة يأس مطبق، اقتحم بعضهم المقابر، ولهذا طالبت منظمات حقوقية هيئة تحرير الشام بحراسة مواقع الدفن وتأمينها.

إلا أن العاملين في الدفاع المدني إمكانياتهم محدودة برأي عمر، ولهذا لابد من توفر مساعدة دولية أكبر في هذا المضمار.

سبق للعاملين في الدفاع المدني أن استخرجوا مئات الجثث من المشافي العسكرية ومن مواقع أخرى في دمشق، وتلك الجثث ماتزال تنتظر من يدفنها. وقد سلمت 35 جثة إلى المشرحة في مشفى المجتهد بالعاصمة خلال الأسبوع الماضي، ومن هناك تعرف الأهالي على وجوه الضحايا المشوهة الهزيلة.

في أثناء تلك المعاينة، تقيأت إحدى النساء، في حين أخذ آخرون يصرخون أو يبكون بصمت.

بدت على بعض الجثث التي جرى اسخراجها آثار التعذيب، بحسب ما ذكر محمد جفران، مدير قسم الطب الشرعي، وذكر بأن تلك الجثث اشتملت على "آثار حالة جفاف وسوء تغذية".

كانت خديجة علي محمد، 44 عاماً، تبحث عن ابنها الذي اعتقل في عام 2014 عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، إذ كان قد التقط صوراً لبيت أهله المدمر في منطقة المعضمية وهي إحدى ضواحي دمشق التي تعرضت لحصار وقصف طوال الحرب، غير أن أحد جيرانهم السابقين بلغ عنه حسبما ذكرت خديجة.

تفحص محمد الجثث مجهولة الهوية المتبقية والتي يبلغ عددها 15 وذلك حتى تتعرف خديجة على ابنها الذي أصبح عمره الآن 28 عاماً، لكنها لم تجده، ولهذا بكت وأخذت تقول: "أين الجثث؟"

 

المصدر: The Washington Post