icon
التغطية الحية

النقد العربي وعُقد الرجل الأبيض

2025.06.19 | 16:06 دمشق

آخر تحديث: 2025.06.19 | 16:09 دمشق

454466
نزار عبد الحميد
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تأثر النقد العربي منذ السبعينيات بالمناهج الغربية، مما أدى إلى تبعية رمزية ومواءمة النصوص مع الأطر الغربية بدلاً من مقاربتها من داخلها، مما يثير تساؤلات حول تأثير ذلك على فهم النص العربي.
- تمركز المرجعية الغربية في وعي الناقد العربي يعكس بُعدًا نفسيًا ثقافيًا، مما يؤدي إلى نسخ باهتة للخطابات الغربية وفقدان الحس المحلي، ويعزز من دونية النص المحلي.
- غياب النظريات النقدية المحلية يعكس عقدة نقص معرفية، مما يبرز الحاجة إلى نقد عربي متحرر من المركزية الغربية، قادر على الإبداع والإنتاج، ليعيد بناء الوعي الثقافي.

أصداء "الرجل الأبيض" تتردد في المشهد النقدي العربي، لا بوصفه الآخر التاريخي الذي استعمر الأرض، بل كسلطة معرفية استعمرت الذهن وتمكَّنت منه.

فمنذ سبعينيات القرن العشرين، تشكلت غالبية تلك المقولات في ظل افتتان واضح بالمناهج الغربية الحديثة، حتى بدا الناقد العربي، في كثير الأحيان، كمن يمارس القراءة لا ليبحث عن فهم النص، بل لإثبات كفاءته أمام سلطة نظرية غربية يعتبرها معيارًا أعلى للفكر.

وهذه الحالة النقدية لا تُفهم خارج ما يمكن تسميته بـ "عقد الرجل الأبيض"، وهي حالة من التبعية الرمزية للمرجعيات الغربية، تتجلى في مسارات التحليل، وانتقاء المفاهيم، لا بل حتى في طريقة صياغة الأسئلة التي تّعتبر لب العملية النقدية.

ولم تعد الغاية من النقد مقاربة النص العربي من داخله، بل في مواءمته مع إطار معرفي خارجي يُمنح سلطة الشرعية، وكأنّه لا معرفة إلا من خلال ما عبر بحر الشرق نحو شواطئ الغرب.

وفي هذا السياق، يتوجّب علينا طرح الأسئلة التالية:

  • هل يعاني النقد العربي فعلًا من عقدةِ نقص أمام النظريات الغربية؟
  • ما حدود تأثير هذه التبعية على فهم النص العربي؟
  • هل يمكن الحديث عن بدائل معرفية قادرة على التحرّر من أسر الرجل الأبيض دون الوقوع في فخ الانغلاق؟

سنحاول تفكيك هذا الإشكال عبر محاور رئيسة هي:

1. تبعية المناهج واغتراب المصطلح

2. تمركز المرجعية البيضاء في وعي الناقد العربي

3. أزمة التعامل مع النص المحلي

4. عقدة النقص وغياب النظريات المولّدة

5. نحو نقد عربي لا يستجدي الاعتراف

1- تبعية المناهج واغتراب المصطلح

لم يعد من المبالغة القول إنَّ النقد العربي الحديث نشأ، في أغلب توجهاته، بوصفه استجابةً لمناهج وافدة أكثر مما هو إفراز لحاجة قرائية داخلية. فمن البنيوية إلى التفكيكية، ومن السيمائيات إلى الدراسات الثقافية، ظلّ النقد العربي يتبنّى المناهج الغربية بلهفة، وينقل مصطلحاتها بعجلة، دون أن يمرّ بها عبر مصفاة الواقع المحلي أو حساسية اللغة العربية. لقد كان أشبه بمستورد أفكار، لا صانع رؤى.

لم تتردد التجارب النقدية في أمريكا اللاتينية، أو أفريقيا، أو حتى في الهند، من إنتاج مدارس قراءة مستقلة، لا تعتمد فقط على استيعاب الغرب، بل على مقارعته وإعادة تفكيك منطلقاته وفق خصوصياتها الثقافية واللغوية. فما الذي يجعل الناقد العربي أقل جرأة أو أكثر حذرًا؟

رُجِمت المصطلحات دون اشتغال على حمولتها الفلسفية، ما أدى لنشوء " فصام مصطلحي " في الكتابة النقدية. فالمفاهيم الغربية، المولودة في بيئات لغوية وسوسيولوجية خاصة، عندما تمّ استنباتها في التربة العربية دون تكييف، بدت وكأنها أجساد غريبة: ثقيلة، مُنْبَتَّة، تتحدّث لغة لا يفهمها القارئ، ولا ينجو منها الكاتب. كما أشار عبد السلام المسدي في حديثه عن «الحداثة المغشوشة» إلى أنَّ " كثيرًا من النقاد العرب لا يمارسون الحداثة، بل يلهثون خلفها بوعي استعراضي".

ولقد وقعت المدرسة النقدية العربية، خصوصًا في الجامعات، في مأزق " تمجيد المنهج " بدل توظيفه والعمل على تطويره. بحيث أصبح المنهج غاية لا وسيلة، حتى أضحى بعض " النقاد " يفتتحون مقالاتهم بإعلان المدرسة التي ينتمون إليها قبل أن يتعاملوا مع النص ذاته ولا شيء غيره. بل بلغ الأمر أحيانًا إلى ليّ عنق النصوص لتناسب النظريات، بدل أن تَخْضَع النظرية لمرونة القراءة.

وقد حذّر د. عبد الله الغذامي من هذه الظاهرة مبكرًا، مشيرًا إلى أن كثيرًا من النقاد العرب " يستسهلون الجاهز النظري، ويستعملونه في غير بيئته، مما يجعل قراءاتهم لا تتجاوز تكرار اللغة النظرية ذاتها دون إنتاج قراءة جديدة "

إنَّ هذا الاغتراب المنهجي لم يكن مجرد اختيار ثقافي، بل هو تعبير عن موقع مركزي تحتله " العين البيضاء" في وعي الناقد العربي، كما سنبيّن في المحور التالي.

2- تمركز المرجعية البيضاء في وعي الناقد العربي

يُحيل تمركز المرجعية البيضاء في النقد العربي إلى بُعد نفسي ثقافي يتجاوز مجرّد التبعية المنهجية، ليكشف عن علاقة معقّدة بين الذات المستلبة والمركز المهيمن.

فالناقد العربي، في كثير من الحالات، لا يتعامل مع النظرية الغربية كأداة تحليل، بل كسلطة تُشَرْعِن وجوده الثقافي. وكأنَّما لا قيمةَ لجهده ما لم يُقِرّ به " الرجل الأبيض"، أو ما لم تُسوّغ مقولاته مرجعية مستوردة.

هذا التمركز، الذي يمكن مقارنته بما سمّاه إدوارد سعيد بـ " الاستشراق المعكوس"، ما يجعل من الناقد العربي وكيلًا محليًا لخطاب عالمي لا يعترف به إلا من خلال صوته هو، لا من خلال أصالة التجربة النصية. وهذا ما يجعل كثيرًا من القراءات النقدية تبدو كأنَّها نسخ باهتة لخطابات غربية، منزوعة السياق، فاقدة للحس المحلي، لا تنبع من الأرض، بل من مختبر لغوي في باريس أو جامعة بريطانية.

وقد شبّه الناقد خليل أحمد خليل هذه الحالة بـ " العمى النقدي"، بحيث لا يرى الناقد النص العربي إلا من خلال منظار الآخر، ويفقد بذلك حسّ المقاربة الذاتية، بل ويُجرّم أحيانًا كل محاولة للخروج من المدار الغربي، معتبرًا إياها رجعية أو نقصًا في الوعي النقدي.

وهكذا تغدو تلك العقدة بُنية معيارية مستقرة في ذهنية الناقد، تتحكم في آلية تقييمه وتذوقه، وترسم له حدود القبول والرفض. لذلك، فإن أخطر ما في هذه الحالة أنَّها غير مرئية في الغالب، لأنَّها تتلبّس ثوب العقلانية والحداثة والانفتاح، بينما تمارس نوعًا من الإقصاء لكل ما لا يتماهى مع المعيار الغربي.

بل إنَّ بعض النقاد حين يُطالبون بتأصيل النظريات أو تطوير أطر نقدية محلية، يسارعون إلى اتهام تلك الدعوات بالتقوقع أو التعصب، متناسين أن النقد الغربي نفسه لم يكن إلا نتاجًا لتجارب محلية، صراعية، تاريخية، لم تُفرض عليه من خارج.

وإنَّ هذا التمركز في الذهنية النقدية لا ينعكس فقط في طريقة التحليل، لا بل في الانتقاء النَّصي ذاته، كما سنرى في التالي، حين يصبح التعامل مع النَّص العربي محكومًا بشروط تصدير لا بشروط قراءة.

3- أزمة التعامل مع النص المحلي: مي زيادة وفرجينيا وولف أنموذجًا

من أبرز تجليات هذه العقدة في الممارسة النقدية العربية، ما يمكن أن نسمّيه تضاؤل الانتباه للنص المحلي حتى في الحالات التي تستحق بجدارة اعترافًا نقديًا موازياً لما تحظى به النصوص أجنبية. ولا يعود ذلك إلى ضعف المُنتَج أو نقص قيمته الجمالية، بل إلى تمركزٍ لا واعٍ يجعل النَّص الغربي أكثر جدارة تلقائيًا بالتحليل والتقدير.

ويبرز المثال الصارخ في هذا السياق عند المقارنة بين فرجينيا وولف ومي زيادة. كلاهما كاتبتان من بدايات القرن العشرين، خاضتا صراعًا مزدوجًا ضد البنى الذكورية والاجتماعية، وطرحتا أسئلة وجودية وفكرية معقَّدة حول العزلة، واللغة، والمصير الإنساني. وكلاهما خلَّفتا أثرًا فكريًا وأدبيًا بالغ التميز، كلٌّ في لغتها وبيئتها.

لكن نالت فرجينيا وولف موقعًا ثابتًا في الذخيرة النقدية الغربية والعربية معًا، ودُرِّسَتْ نصوصها في الجامعات وأُعيدت قراءتها من مختلف زوايا التحليل (النسوي، البنيوي، النفسي، وما بعد الحداثي) بينما بقيت مي زيادة غالبًا محصورة في سرديات سيرية أو تأريخية، وعوملت بوصفها " ظاهرة " أكثر منها " منتجة للمعنى ". حتى في الدراسات التي تناولت أدبها، كان التركيز على مأساتها الشخصية أو علاقاتها العاطفية، أكثر من تحليل خطابها الفكري المتقدّم.

وهنا تتجلّى ازدواجية نقدية خطيرة: إذ لو كانت مي زيادة قد كَتبت بالإنجليزية، أو نشأت في لندن بدل القاهرة وبيروت، لكان اسمها حاضرًا في لوائح الأدب العالمي دون مواربة.

وقد نبّهت الناقدة المغربية فاطمة الزهراء الأزمي إلى هذه المفارقة حين قالت: "ما يُكسب الكاتبة العربية شرعية نقدية في عيون البعض هو أن تتطابق مع صورة المرأة الغربية المثقفة، لا أن تعبِّر عن ذاتها من داخل بيئتها".

كما أنّ المقارنة بين فرجينيا وولف ومي زيادة تكشف عن مفارقة مؤلمة في سياق التلقي النقدي لأدب المرأة، لا سيما حين يتموضع هذا التلقي ضمن ثنائية المركز والمحيط. فقد تقاطعت التجربتان في عدد من المحاور الحاسمة: النشأة الأرستقراطية، الحساسية العالية تجاه قضايا المرأة، المعاناة النفسية، ومأساوية المصير. ومع ذلك، حظيت وولف باحتفاء نقدي واسع النطاق في الأدبيات الغربية والعالمية، بينما لم تلقَ مي زيادة، رغم تماثل القيمة الإبداعية، سوى تهميش نسبي في النقد العربي الحديث.

كما تشير د. سعاد العنزي في كتابها نساء في غرفة فرجينيا وولف إلى أن وولف وزيادة تنتميان إلى الزمن نفسه تقريبًا، وأن كلاهما "عاشتا قلق المثقفة التي تكتب في بيئة لا تتيح للمرأة صوتًا مستقلًا"، غير أنَّ "الآلة النقدية الغربية كانت أكثر وعيًا بتدوين سيرة المعاناة النسوية وقراءتها كجزء من تشكّل الذات المبدعة"، في حين بقيت ميّ زيادة محاصرة بسلطة الاستشراق المحلي، حيث فُسِّرت حياتها من منطلق أخلاقي واجتماعي أكثر من كونها مسارًا وجوديًا أدبيًا.

وتُظهر العنزي أن محنة مي لم تُقرأ في ضوء " أدب المرأة بوصفه تعبيرًا عن وعي متجاوز "، بل وُظّفت غالبًا لتعزيز صور نمطية عن " الهشاشة الأنثوية "، مما جعل تلقي نتاجها الأدبي أقل حيوية وأضيق أفقًا من تلقي تجربة وولف. وهكذا، فإنَّ مي زيادة - بوصفها صوتًا نسويًا مبكرًا في الثقافة العربية – لم تعاني مع المجتمع فقط، بل من النقد الذي أخضع نصها لـ "عقد الرجل الأبيض" كما تُشير إليه الخطابات ما بعد الكولونيالية، حيث يتم تقدير ما يُكتب في المركز وتهميش ما يُنتَج في الهوامش.

إنَّ هذه الانتقائية النقدية تكرّس دونية النَّص المحلي حتى في أعين أبنائه، وتعيد إنتاج موقع التابع داخل الثقافة ذاتها. وهو ما يجرّنا إلى التساؤل الأعمق:

لماذا لا يولّد النقد العربي نظرياته الخاصة، بدل أن يبقى في حالة استيراد وانتظار؟

4- عقدة النقص وغياب النظريات المولِّدة

شكَّل غياب النظريات النقدية المولَّدة من داخل البيئة الثقافية العربية أحد أبرز أعراض عقدة الرجل الأبيض في الخطاب النقدي. إذ لم تستطع الساحة النقدية العربية، رغم تنوع التجارب وتراكم المقاربات، أن تنتج منظومة تحليلية أصيلة ذات نسق نظري متماسك تنبع من النص المحلي وتعود إليه، بل ظلّت النظريات الوافدة تُستعار وتُترجم ويُعاد تكييفها بجهد غالبًا ما يظل خاضعًا لأفق المركز الغربي.

هذه المفارقة تكشف عن عقدة نقص معرفيّة متجذّرة، إذ يتردّد الناقد العربي في منح ذاته شرعية التنظير، وكأنما هذا الفعل حكر على الأكاديميات الغربية أو الكُتّاب " المؤسسين" في باريس ونيويورك. وهذا ما يجعل من معظم المحاولات التنظيرية العربية — حين تُطرح — إما تجميعية موسوعية بلا روح إبداعية، أو دفاعية تبريرية تُحاكي النموذج دون أن تخرقه.

وقد أشار الناقد المغربي محمد مفتاح، الذي يُعدّ من القلائل الذين حاولوا بناء "نظام تأويلي" خاص، وفي هذه المعضلة حين قال: "العقل العربي يهاب التفكيك الجذري للموروث، ويُغلب التابع على المُبتكر، لذا يصعب أن تنشأ نظرية من الداخل".

في مقابل ذلك، لم تتردد التجارب النقدية في أمريكا اللاتينية، أو أفريقيا، أو حتى في الهند، من إنتاج مدارس قراءة مستقلة، لا تعتمد فقط على استيعاب الغرب، بل على مقارعته وإعادة تفكيك منطلقاته وفق خصوصياتها الثقافية واللغوية. فما الذي يجعل الناقد العربي أقل جرأة أو أكثر حذرًا؟ أهو الخوف من الاتهام بـ " الشعبوية "؟ أم سطوة المؤسسات الأكاديمية التي تُكافئ التماهي وتُقصي المغامرة؟

لا شك أنَّ جزءًا من المشكلة يعود إلى ضعف الحلقات الوسيطة في الثقافة العربية: كالنشر النقدي الجاد، والمنصات المستقلة، والمدارس البحثية الحقيقية. لكن الأخطر هو ما أشرنا إليه في فقرات سابقة: تمركز الوعي حول الخارج بوصفه معيارًا نهائيًا.

وما لم يُكسر هذا الطوق من الداخل، فإنَّ النقد العربي سيظل يدور في حلقة مفرغة: وينتج دراسات جيدة في ظاهرها، لكنها تظل بلا أثر تحويلي، لأنها لا تولّد خطابًا، بل تعيد تدوير ما صيغ في أمكنة أخرى.

5- نحو نقد عربي متحرّر من المركزية البيضاء

لا يمكن تجاوز عقدة "الرجل الأبيض" في النقد العربي دون وعي صريح بمكر المركزية المعرفية التي تُعيد إنتاج التبعية داخل اللغة والمنهج والتقييم الجمالي. على أن هذا التحرر لا يعني القطيعة مع الفكر الغربي أو رفض التفاعل مع مناهجه، بل يتجلى في القدرة على الحوار معه من موقع الندّية، لا من موقع التابع المندهش أو المقلّد المنضبط.

ونحن بحاجة إلى نقد يعيد النظر في سلطته المعرفية أولًا، وينطلق من النص المحلي لا بوصفه مادة ثانوية تُثبت بها أطروحات خارجية، بل كمنجم حيّ يمكن أن يفرز أسئلته ونظرياته الخاصة، المستندة إلى التكوين الاجتماعي واللغوي والتاريخي الذي أنتجته الثقافة العربية في تنوعها، لا في مركزيتها القومية أو المذهبية.

وليس من الضروري أن تكون هذه النظريات "شاملة" بالمعنى الغربي أو "مغلقة" بالمعنى البنيوي، بل يكفي أن تكون مرنة، حيوية، قابلة للتعديل، ومبنية على قراءة دقيقة للتحولات السردية والشعرية والمجازية في النصوص العربية.

ويمكننا القول بأنَّه قد آن الأوان للناقد العربي أن يتخلّى عن خوذته الغربية بوصفها شرطًا للشرعية، وأن يُخضع تلك المناهج لميزان السؤال المحلّي:

هل تصلح لفهم تجربتنا؟ هل تُنير النص، أم تطمسه تحت سطوة مصطلحات دخيلة؟ هل توسّع أفق القراءة، أم تعيد إنتاج الهيمنة بتواطؤ لغوي ناعم؟

وحتى حين تُعاد قراءة التراث النقدي العربي، فلا يجب أن يتم ذلك من باب الحنين أو رد الفعل، بل ضمن مشروع نقدي حيوي يُعيد تشغيل المفاهيم ويؤسس جسورًا معرفية جديدة.

في هذا السياق، فإنَّ استعادة نماذج مثل مي زيادة، أو ليلى أبو زيد، أو حتى خطاب النقّاد المهمّشين خارج عواصم المركز، يجب أن تتحوّل من مجرّد فعل، بل إلى إنصاف وتحرير للذاكرة النقدية ذاتها من أسر التبعية والمركزية البيضاء.

وحين يتحقق هذا الانقلاب المعرفي، يمكن أن نَطْمَئن إلى أنَّ النقد العربي بدأ يتحرر فعليًا من عقدة " الرجل الأبيض "، لا عبر شعارات الهوية، بل عبر الفعل النقدي نفسه.

خاتمة:

في خضم هذا المشهد النقدي المعقّد، يظلُّ نقدنا العربي في مفترق طرق ما بين التبعية والتمرد، وما بين الانصياع لمقاييس الآخر والبحث عن صوت نقدي أصيل ينبع من ذاتنا الثقافية. وإنّ عقدة الرجل الأبيض لم تعد مجرد ظاهرة ثقافية أو اجتماعية فحسب، بل هي معضلة معرفية ونفسية تتطلب شجاعة نقدية لإزالتها.

لذلك، لا يكفي أن ننتقد الآخر من الخارج، بل لا بدَّ أن نقدّم نقدًا للذات العربية النقدية، بحيث نُعيد فيها صياغة علاقتنا بالتراث والمنهج واللغة، ونتحوَّل من التبعية إلى الإبداع، ومن الاستيراد إلى الإنتاج، ومن التقليد إلى انتاج خطابٍ حر.

وحينما يتحقق هذا، سينطلق النقد العربي نحو آفاقٍ جديدة، ينفتح فيها النص على قراءات متعددة تتخطى المركزية الواحدة، ويصبح النقد فعلًا تحرريًا يُعيد بناء الوعي الثقافي والمعرفي.

وفي مجمل هذا الحديث، أرى بأن مهمتنا الرئيسة ألَّا نصبح تابعين للآخر، بل أن نكون شركاء حقيقيين في صناعة المعرفة والوعي، فكل خطاب نقدي يُبتكر من ذاتنا المحلية، هو خطوة نحو تحرير العقل والذات من عقدة الرجل الأبيض.