icon
التغطية الحية

النفط السوري أمام اختبار الشفافية.. 28 مليون دولار و9 مسؤولين إلى القضاء

2026.08.24 | 14:17 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.24 | 14:24 دمشق

فريق يرأسه رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في أحد حقول دير الزور النفطية - وكالة (سانا)
فريق يرأسه رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في أحد حقول دير الزور النفطية - وكالة (سانا)
تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- كشفت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عن أضرار مالية تتجاوز 28 مليون دولار في حقول النفط بدير الزور بسبب مخالفات في التعاقدات والصيانة والنقل والإدارة، مما أدى إلى كف يد تسعة مسؤولين وإحالتهم للقضاء.
- ناقش برنامج "سوريا اليوم" أبعاد القضية مع خبراء، مشيرين إلى أن العقود أُبرمت في ظروف استثنائية بعد عودة السيطرة الحكومية، مما ساهم في إعادة الإيرادات النفطية، مع التأكيد على ضرورة التحقق من التزام العقود بالقواعد القانونية.
- دعا الخبراء إلى تحسين الحوكمة والرقابة في قطاع النفط، بوضع دفاتر شروط واضحة، والإعلان عن المناقصات بشفافية، واعتماد معايير محددة لاختيار الشركات، مع وجود رقابة فعالة وتدقيق مستقل للعقود.

كشفت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عن أضرار أولية بالمال العام تتجاوز قيمتها 28 مليون دولار في عدد من حقول النفط بمحافظة دير الزور، في قضية طالت التعاقدات وأعمال الصيانة والنقل والإدارة، وانتهت حتى الآن بكف يد تسعة مسؤولين وإحالتهم إلى القضاء، إلى جانب إجراءات تتعلق بفسخ عقود وحجز احتياطي على أموال متورطين. ووفق المعطيات المعلنة، جاءت هذه النتائج بعد أعمال رصد وتحقيق استمرت ثلاثة أشهر وشارك فيها 22 مفتشاً. 

وتتوزع قيمة الأضرار، بحسب الهيئة، بين أكثر من 8 ملايين دولار مرتبطة بالتعاقدات وأعمال الصيانة وسوء الإدارة، ونحو 20 مليون دولار كفروق أسعار في عقود نقل النفط الخام، وهي أرقام أولية قابلة للتدقيق والتحقيق القضائي. 

وفي حلقة من برنامج "سوريا اليوم" على تلفزيون سوريا، ناقش الباحث في الاقتصاد عمار جلو، وخبير الحوكمة مظهر شربجي، ومهندس البترول والرئيس السابق لقسم في مصفاة بانياس محمد نديم بلال، أبعاد القضية، ومسؤولية الجهات الإدارية والرقابية، وطبيعة العقود التي أبرمت في قطاع النفط، إضافة إلى المقترحات اللازمة لمنع تكرار مثل هذه المخالفات.

28 مليون دولار.. ماذا كشفت الرقابة؟

لا تتعلق القضية بمخالفة واحدة أو عقد واحد، وإنما بسلسلة من الملفات التي شملت الإنتاج والنقل والمعايرة والصيانة والتعاقدات في عدد من حقول دير الزور. ووفق الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، أظهرت التحقيقات مؤشرات على أضرار تتجاوز 8 ملايين دولار في ملفات التعاقدات والصيانة وسوء الإدارة، في حين كشفت مراجعة عقود نقل النفط الخام عن فروقات أسعار تقدر بنحو 20 مليون دولار. 

وبناء على نتائج التحقيقات الأولية، قررت الهيئة كف يد تسعة مسؤولين وإحالتهم إلى القضاء لاستكمال التحقيقات والإجراءات القانونية، كما وجهت بفسخ عقود عدد من الشركات والمتعهدين، وأوصت بالحجز الاحتياطي على أموال

وتقول الهيئة إن المخالفات مرتبطة بأشخاص محددين، ولا تمثل بالضرورة أداء مؤسسات قطاع النفط أو عموم العاملين فيه، في وقت أكدت فيه استمرار التحقيق في ملفات أخرى كشفت عنها أعمال الرقابة. 

بدورها، أعلنت الشركة السورية للبترول دعمها الكامل لعمل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، مؤكدة تعاونها مع الجهات الرقابية والقضائية وتوفير البيانات والوثائق المطلوبة، إضافة إلى العمل على تعزيز الرقابة الداخلية ومراجعة إجراءات التعاقد والصيانة والنقل والمعايرة. 

أما وزير الطاقة محمد البشير، فأكد استمرار أعمال الرقابة والتحقيق في مواقع وحقول الشركة بمحافظة دير الزور، مشيراً إلى وجود ملفات أخرى قيد المتابعة، وإلى أن البيانات والوثائق المطلوبة ستوضع أمام الجهات الرقابية والقضائية، مع محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. 

عقود أُبرمت في ظروف استثنائية

وخلال مشاركته في البرنامج حاول الباحث الاقتصادي عمار جلو وضع عقود نقل النفط في سياق الظروف التي شهدها شمال شرقي سوريا، ولا سيما بعد عودة السيطرة الحكومية على عدد من المناطق والحقول النفطية.

ويرى جلو أن الشركة السورية للبترول وجدت نفسها أمام مرحلة استثنائية، مع الحاجة إلى إعادة تشغيل وإدارة حقول نفطية في منطقة كانت تشهد تحديات أمنية ولوجستية، وفي ظل عدم توافر عدد كافٍ من شركات نقل النفط. وبحسب تفسيره، فإن التعاقد السريع في تلك المرحلة يمكن أن يكون مرتبطاً بالمخاطر التي كانت تواجه عمليات النقل، بما فيها الطرق والحواجز والظروف الأمنية.

وأشار إلى أن العقد الأول الذي أبرم في تلك الظروف أصبح لاحقاً مرجعاً للعقود التالية، معتبراً أن تقييم الأسعار يجب ألا يتم بمعزل عن الظروف التي أحيطت بها عملية النقل في ذلك الوقت.

ويذهب جلو إلى أن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على اعتبار الفارق في السعر هدراً للمال العام، بل يجب النظر أيضاً إلى البديل الذي كان متاحاً أمام الإدارة في تلك المرحلة، وما إذا كانت السرعة في اتخاذ القرار قد أسهمت في إعادة إدخال الإيرادات النفطية إلى خزينة الدولة في وقت كانت فيه بعض الآبار معرضة للسرقة.

لكن هذا التفسير لا يلغي الحاجة إلى التحقق من مدى التزام العقود بالقواعد القانونية والإجراءات الناظمة للمشتريات العامة، وهو ما بات جزءاً من التحقيقات التي تجريها الجهات الرقابية والقضائية.

كما رأى جلو أن القرارات السريعة لا تعني بالضرورة سوء إدارة، مشيراً إلى أن المسؤول الإداري قد يجد نفسه في ظروف تتطلب اتخاذ قرارات عاجلة وتحمل مسؤوليتها، وأن الخوف من المحاسبة قد يؤدي أحياناً إلى تعطيل القرار الإداري.

هل المشكلة في العقود أم في منظومة الحوكمة؟

النقاش في البرنامج لم يتوقف عند قيمة الأضرار، بل انتقل إلى سؤال أكثر اتساعاً: كيف تمكنت عقود بهذا الحجم من المرور من دون اكتشاف فروقات الأسعار أو أوجه الخلل في وقت مبكر؟

ويرى خبير الحوكمة مظهر شربجي أن القضية تكشف عن خلل في منظومة الحوكمة والرقابة، مشيراً إلى أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل تتوزع بين الوزارة والإدارة والجهات الرقابية، مع ضرورة الفصل الواضح بين أدوار التخطيط والتنفيذ والرقابة.

وبحسب شربجي، فإن العقود غير الواضحة أو غير الشفافة، إلى جانب سوء الإدارة واتخاذ القرارات الخاطئة، يمكن أن تفتح المجال أمام خسارة المال العام. لذلك، فإن حماية المال العام لا ينبغي أن تبدأ بعد اكتشاف المخالفة، وإنما منذ لحظة إعداد العقد ووضع شروط المناقصة واختيار الشركة المنفذة.

وشدد على أهمية الإعلان الواضح عن المناقصات والعقود، بما يسمح بوجود رقابة حكومية وإعلامية ومجتمعية، معتبراً أن حجب المعلومات أو ضعف نشرها يحد من قدرة الجهات المختلفة على اكتشاف الخلل في مراحله المبكرة.

ويرى شربجي أن الرقابة الداخلية داخل المؤسسة لا تكفي وحدها، كما أن الرقابة الخارجية لا ينبغي أن تأتي بعد وقوع الضرر، بل يجب أن تعمل المنظومتان بالتوازي.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة توزيع الصلاحيات بين وزارة الطاقة والشركة السورية للبترول. فالوزارة، وفق الطرح الذي قدمه شربجي في البرنامج، تضع الخطط والسياسات، في حين تتولى الشركة التنفيذ، مع ضرورة وجود رقابة واضحة على التنفيذ والعقود.

العقد بالتراضي والخبرات المحلية

بدوره ركز مهندس البترول محمد نديم بلال، على الجانب الفني وآليات إبرام العقود، معتبراً أن سرعة التوقيع وعدم التدقيق الكافي يمكن أن يسهما في ظهور فروقات كبيرة خلال فترة قصيرة.

ودعا بلال إلى الحد من اللجوء إلى العقود بالتراضي، وفتح المجال أمام الشركات للتنافس من خلال مناقصات واضحة، ثم اختيار العرض الأفضل بناء على معايير فنية ومالية محددة.

وبحسب بلال، فإن وجود جهة رقابية في أثناء عملية التعاقد والتنفيذ يمكن أن يقلل من احتمال الوصول إلى تجاوزات بهذا الحجم، خصوصاً أن العقود النفطية والنقل والصيانة ترتبط بمبالغ كبيرة وتحتاج إلى خبرات فنية متخصصة.

كما دعا إلى الاستفادة من الكوادر والخبرات السورية الموجودة أصلاً داخل قطاع النفط، مشيراً إلى أن هذه الخبرات قادرة على تنفيذ أعمال الإصلاح وإعادة التأهيل في العديد من الحالات، بدلاً من اللجوء تلقائياً إلى عقود جديدة مع شركات أخرى.

ويطرح هذا الجانب سؤالاً حول مدى الاستفادة من الكفاءات الموجودة داخل المؤسسات العامة، وحول المعايير التي يتم على أساسها تحديد ما إذا كانت الأعمال ستنفذ داخلياً أم من خلال متعهدين وشركات خارجية.

وفي النقاش نفسه، أشار المشاركون إلى أن قانون العقود يحدد الأطر القانونية لإبرام العقود والمناقصات، وأن المسؤولية القانونية تقع على من يثبت مخالفته لنصوص القانون، سواء في الإعلان عن المناقصة أو في إجراءات التعاقد أو في شروط العقد أو آليات الاختيار.

كما حذر المشاركون من أن الاعتماد على العلاقات والمحسوبيات بدلاً من الخبرة والكفاءة يمكن أن يضعف الإدارة ويزيد مخاطر الفساد، داعين إلى إشراك اللجان الفنية والمالية وأصحاب الاختصاص في عمليات اتخاذ القرار.

من المحاسبة إلى إصلاح المنظومة

لا تقتصر أهمية القضية على تحديد المسؤولين عن الأضرار التي كشفتها الهيئة، بل تتجاوز ذلك إلى اختبار قدرة قطاع النفط على بناء منظومة تمنع تكرار المخالفات.

وفي هذا الإطار، دعا مظهر شربجي، إلى إعادة النظر في حوكمة إدارات ومؤسسات قطاع النفط، وإلى منح الشركة السورية للبترول مساحة واضحة من الاستقلالية الإدارية، مقابل رقابة فعالة من الوزارة والجهات المختصة.

كما دعا إلى تدقيق العقود من جهة مستقلة أو طرف ثالث، ووجود أجهزة رقابة داخل المؤسسات، إلى جانب الرقابة الوزارية والخارجية.

ومن أبرز المقترحات التي طُرحت أيضاً وضع دفاتر شروط واضحة للعقود، والإعلان عن المناقصات بصورة شفافة، واعتماد معايير محددة لاختيار الشركات، بحيث تصبح عملية التعاقد قابلة للمراجعة والمساءلة منذ بدايتها.

أما محمد نديم بلال، فشدد على ضرورة عدم الاكتفاء بالتقارير التي تقدمها إدارات الشركات، داعياً المسؤولين إلى القيام بجولات ميدانية خلال تنفيذ العقود للتأكد من أن الأعمال المنفذة تتطابق فعلياً مع الشروط المتفق عليها.

ويرى بلال أن تدقيق العقد يجب ألا ينتهي عند توقيعه، بل ينبغي أن يستمر خلال التنفيذ، مع الاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة لتبادل العقود والملاحظات بين الشركة والوزارة والجهات الرقابية بصورة سريعة.

وتتقاطع هذه الطروحات مع ما أعلنته الشركة السورية للبترول من توجه إلى تعزيز الرقابة الداخلية ومراجعة إجراءات التعاقد والصيانة والنقل والمعايرة، بهدف معالجة الثغرات التي يمكن أن تسمح بحدوث تجاوزات مستقبلية.