في شارع ضيق ومزدحم بجرمانا، تقف حاوية قمامة ضخمة ممتلئة حتى أطرافها، تتدلى منها أكوام من النفايات الممزوجة بروائح عفنة وذباب يطير فوق "وليمته الدسمة". على رصيف الشارع مقابل الحاوية تماماً، فتاة صغيرة لا يتجاوز سنها العشر سنوات تقف ممسكة بيديها وجهها، عيناها مغلقتان وكأنها تحاول حجب المنظر والرائحة معاً، في حين يرافقها أخ أصغر ممسكاً بكنزتها، يبدو غير آبه بالقمامة كأنه جزء من هوية الشارع حيث ينظر حوله بعينين مليئتين بالفضول.
قط نحيف يتسلل بين أكوام القمامة، يلتقط بقايا طعام ويتحرك بسرعة، غير مكترث بالروائح أو بالناس الذين يمرون بالقرب منه. من الجهة الأخرى للشارع، رجل يقف على بسطة لبيع الصبار، في حين سيدة تحمل كيساً بلاستيكياً، تحاول تجاوز الحاوية من دون أن يلمسها شيء من الأوساخ المتساقطة على الأرض.
على بعد أمتار قليلة، يقف بائع صغير عند كشكه، يتنهد مستسلماً، يشير إلى الحاويات المكدسة قائلاً: "البلدية تمر، تفضي الحاويات أحياناً، بس بعدها كل شيء يعود لنفس الفوضى. كل يوم نفس المشهد."
المشهد كله، الأطفال، القط، البائع، الرائحة القوية يجمع بين البراءة والفساد، بين الحياة والخراب، ليخلق صورة حيّة للمدينة التي تغرق في النفايات، وتجعل كل من يمر هناك يشعر وكأنه جزء من هذه الأزمة اليومية، غير قادر على تجاهل الصراع المستمر بين السكان والقمامة التي تلتهم شوارعهم.
أصوات من الشارع
بين أكوام القمامة المكدسة، تتحدث وجوه المدينة بصوتها الصامت أحياناً، وصوتها المشتكي أحياناً أخرى. تتوقف أمام إحدى الحاويات الممتلئة امرأة أربعينية تحمل كيساً صغيراً، تشير بإصبعها نحو الزبالة الطافحة على الأرض، وتقول بنبرة يمزجها الاستياء والإحباط:
"كل يوم نفس المنظر، الحاويات مليانة، وما في حدا بيشيل… والشوارع صارت ما تُطاق."
على بعد خطوات، يقف شاب يبدو في العشرينيات، يبتسم ابتسامة متعبة قبل أن يبدأ سرد قصته. هو من جمّيعي المواد القابلة للتدوير، يشرح بصوت منخفض كيف أن الناس غالباً تلقي اللوم على من يشق طريقه بين القمامة: "دائماً بيتهمونا إننا السبب في الفوضى. بس أنا بعيش من هالشغلة. بجمع البلاستيك والزجاج وببيعهم. تراكم الزبالة مو ذنبنا، إحنا بس نحاول نعيش."
تمر بجانبي رائحة قوية، وأحد أصحاب الأكشاك يرتب كشكه الصغير ويشير نحو حاوية طافحة مقابله تماماً: "بيجوا يفضوا الحاويات، بس بيتركوا كل شي حواليها. كأنو ما شايفيننا ولا شايفين الشارع. كل يوم نفس المشكلة، وكل يوم نفس الشكوى بدون حل."
وفي أثناء تجوالي في الشارع، لفتني مشهد بدا متناقضاً: حاوية قمامة فارغة تماماً لا تبعد سوى أقل من خمسين متراً عن حاوية أخرى طافحة بالنفايات. مما دفعني إلى السؤال، فتحدثت مع أحد أصحاب المحلات القريبة من الحاوية الفارغة، الذي كشف جانباً خفياً من القصة قائلاً: "البلدية بتاخد من كل محل هون حوالي 25 ألف ليرة سورية بالشهر وبتعطينا وصول رسمية بهالشي، مقابل إنها تفضي الحاوية بشكل دوري. لذلك بتشوفيها فاضية، في حين باقي الحاويات حواليها بتظل مليانة."
هذا التباين لا يعكس فقط سوء توزيع للخدمة، بل يفتح باباً لأسئلة أكبر حول العدالة في إدارة ملف النظافة في المدينة، حيث بعض الشوارع تنال معاملة خاصة، في حين تبقى أحياء أخرى غارقة في الفوضى اليومية.
مخاطر صحية متزايدة
الصيدلانية في المنطقة حذّرت من الآثار المباشرة لهذه الفوضى على الصحة العامة، قائلة: "تراكم النفايات بهالشكل خطر كتير. لازم نلبس كمامات لما نمشي جنب الحاويات، والأفضل ما نفتح شبابيك البيوت القريبة منها بسبب انتشار الروائح والحشرات."
لكن الخطر لا يتوقف عند الروائح والحشرات. فالنفايات المتعفنة تتحول مع الوقت إلى بؤر خصبة لتكاثر الجرذان والبعوض والذباب، ما يزيد من احتمالية انتقال أمراض معوية وتنفسية، خاصة بين الأطفال الذين يمرون يومياً بجانب هذه الحاويات في طريقهم إلى المدارس، في حين يخشى آخرون أن يؤدي استمرار الوضع إلى انتشار أوبئة محلية صغيرة يصعب السيطرة عليها في مدينة مكتظة كجرمانا.
"خايفين من الشتوية، فوق الزبالة بكرا بتطوف المجاري وإذا مطرت منغرق بالوحل.. والله هي مو عيشة والله" تقول سيدة أربعينية تعيش في حي مهمل في جرمانا.
أزمة بين الإمكانات والواقع
البلدية بدورها وحسب روايات السكان المحليين تُرجع المشكلة إلى المحروقات مرة وعطل الآليات مرة، وعلى رأسها المحروقات لتشغيل سيارات نقل القمامة. لكن الأهالي يرون أن سوء التنظيم وغياب الرقابة يضاعفان الأزمة، ويجعلان المدينة رهينة لمشهد يومي من النفايات المتراكمة، يهدد بيئتها وصحة سكانها.
هذا المدينة المكتظة، بكل تفاصيله اليومية، يبدو كأنه مرآة لواقع أكبر، حيث الفوضى والإهمال تتشابك مع محاولات الأهالي للتكيّف، وحيث كل صوت من الشارع يحكي قصة مختلفة عن نفس الأزمة: النفايات التي لا تنتهي، والأزمات التي تتكرر كل يوم، والناس الذين يعيشون بين الشكوى والواقع الصعب.










