النظام ينقذ هيئة التفاوض المعارضة!

تاريخ النشر: 05.02.2021 | 00:04 دمشق

في اجتماع الهيئة السياسية للائتلاف الأخير يوم الإثنين الماضي، تركزت معظم النقاشات على نتائج الجولة الخامسة من مفاوضات اللجنة الدستورية، وتقييم أداء وفد المعارضة فيها وبحث الخيارات التي يمكن اللجوء إليها لمواجهة استمرار وفد النظام بتعطيل هذا المسار.

يتفق الجميع على أن نظام الأسد ليس معنياً لا من قريب أو من بعيد بصياغة دستور جديد للبلاد أو حتى إجراء تعديلات على الدستور الحالي، وأنه لم يكن ليسمي وفداً إلى مفاوضات اللجنة الدستورية لولا ضغط روسي مبني على أهداف خاصة بها كدولة راعية لمسار أستانا الذي نتجت عنه اللجنة، وأن هذين الطرفين يستغلان المسار في الوقت الحالي لتمرير الوقت إلى حين الانتهاء من الانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن يجريها النظام في حزيران القادم .. يتفق الجميع على ذلك لكنهم يختلفون على موقف المعارضة وما الذي يجب أن تفعله حيال ما تقدم.

يطرح كثيرون فكرة انسحاب وفد هيئة التفاوض المعارضة من اللجنة الدستورية، أو تعليق المشاركة فيها كرد فعل على العبث الذي يمارسه النظام في هذا المسار، الذي لا يحظى أصلاً بأي ثقة من الأوساط الشعبية والدولية، وهو طرح وضعه بعض أعضاء كتلة الائتلاف في الوفد المعارض على طاولة اجتماع الهيئة السياسية الأخير، بينما يرى آخرون أن أحد أهداف النظام من التلاعب بالمفاوضات هو دفع المعارضة إلى الانسحاب للتهرب من هذا الاستحقاق ومن مجمل العملية السياسية، وبالتالي فإن الأفضل هو الاستمرار لكن بشروط جديدة.

من حيث المبدأ يمكن للائتلاف أن يعلن انسحابه من مفاوضات اللجنة الدستورية، لكن هذا لن يعني انسحاب كامل وفد المعارضة الذي يتألف من مكونات هيئة التفاوض السبع، فهي تضم، بالإضافة إليه، منصتي موسكو والقاهرة والمستقلين والفصائل والمجلس الوطني الكردي، وهي كتل لا تتفق على موقف واحد وواضح حتى الآن، بل حتى إن اتفقت على الانسحاب، وهو ما لا يمكن أن يحدث (أي الاتفاق على هذا القرار) فإن القوى الإقليمية والدولية المتحالفة مع المعارضة لا تبدو أنها ستقبل هذه الفكرة، وهذا يشمل كل الدول التي لا تخفي أنها لن تكون قادرة وقتها على حماية مناطق سيطرة المعارضة من هجمات روسية جديدة تنهي وقف النار المطبق فيها.

لقد نحجت هيئة التفاوض في تجنيب وفد المعارضة إلى اللجنة الدستورية الخلافات التي عصفت بها حتى الآن، لكن لا يبدو أنها ستكون قادرة على الاستمرار في ذلك

لذلك يبدو أن خيار تفعيل استراتيجية جديدة هو ما يتوجب على المعارضة التفكير به جدياً، ومباشرة وضع الخطط والآليات المناسبة لتنفيذه، ولعل في مقدمة ذلك اشتراط وضع سقف زمني معقول لأعمال اللجنة الدستورية والبدء بالتفاوض حول البنود الأخرى المتضمنة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وعلى رأس هذه البنود إطلاق سراح المعتقلين وإنشاء هيئة حكم انتقالي، الأمر الذي سيظهر المعارضة أكثر جدية من ذي قبل في الانخراط بالعملية السياسية، وسيضع النظام وحليفه الروسي في موقف أكثر حرجاً، خاصة بعد الغضب الشديد الذي عبر عنه المبعوث الدولي إلى سوريا من أداء وفده في الجولة الخامسة.

لكن حتى هذا الخيار هل يمكن لهيئة التفاوض اللجوء إليه فعلاً ؟

سؤال لا تفرضه فقط الخلافات المستفحلة بين مكوناتها، بل وأيضاً تباين وجهات وتوجهات أعضائها واختلاف تحالفاتهم، إن لم نقل تبعياتهم للمحاور والدول المتدخلة في الصراع السوري. بل إن كتلة الائتلاف ذاتها داخل هيئة التفاوض ليست على موقف موحد تجاه العديد من القضايا، ومنها ملف اللجنة الدستورية، الأمر الذي يجعل من أي مقترحات يتعين على الهيئة مناقشتها لتغيير واقع العملية التفاوضية مع النظام، العبثية حتى الآن، اقتراحات ميتة قبل ولادتها طالما أن الموقف الداخلي لها على هذا النحو.

لقد نجحت هيئة التفاوض في تجنيب وفد المعارضة إلى اللجنة الدستورية الخلافات التي عصفت بها حتى الآن، لكن لا يبدو أنها ستكون قادرة على الاستمرار في ذلك، ليس فقط بسبب عدم التوصل إلى حل للخلافات بين كتلها، بل وأيضاً نتيجة تفجر خلافات داخل هذه الكتل ذاتها، ما يعني أن تجاوز الخلافات الأولى سيصبح أمراً أكثر تعقيداً بالتأكيد، بل الأخطر أن الواقع الحالي لن يجعل من استمرار الهيئة ممكناً، ولذلك فإن توقف مفاوضات اللجنة الدستورية هو في صالح الهيئة لعل وعسى أن تتمكن من إعادة ترتيب صفوفها وحل خلافات مكوناتها.

بل لعل من حسن حظ هيئة التفاوض أنها لم تدخل حتى الآن في مفاوضات متقدمة تتعلق بالتفاصيل، لأنها كانت ستواجه حتماً، والحال على ما هي فيه من الخلافات والتباينات، مواقف في غاية الخطورة والحرج، وقد لا يكون مبالغاً من قال إن غباء النظام هو من جعله يعطل المفاوضات بدل أن يعجل بها ليستغل واقع مفاوضيه من المعارضة غير المنسجمة والمتخاصمين حد العداء.