النسوية السورية جزء من الثورة.. هل تسقط نونها لتشمل الجميع؟

تاريخ النشر: 19.08.2021 | 11:45 دمشق

قضايا نسوية ليست وليدة السنوات العشر الأخيرة، لكنها وجدت مساحة للظهور والحركة مع امتلاك أدوات التواصل الاجتماعي والوصول إلى أماكن فيها حيز من الحرية يمكن استغلالها للمطالبة بالحقوق.

تظهر الحركة النسوية السورية كحراك حقوقي خاص بالنساء، لكن للاسم أهميته الدلالية، إذ ترى بعض النسويات ويرى بعض النسويين أن الحركة النسوية هي حركة حقوق إنسان، لابد أن تنشط وتعمل في الظروف التي تمر بها سوريا في كل مناطق السيطرة.

النسوية.. تقاطع الشخصي مع العام

خولة يوسف برغوث، ناشطة نسوية سورية تقول لموقع تلفزيون سوريا: إنه منذ بدء تشكل وعيها تجلت أهمية الفكر النسوي في مواجهة تحديات المجتمع الذكوري، وتضيف "الحياة في مجتمعاتنا المفرطة في الذكورية والفظة حتى درجة العنف بأنواعه تستدعي من النساء حين يبدأن أن يتساءلنَ لماذا يحدث كل ذلك ويحاولنَ التفكير بحلول لتحصيل الحقوق الأساسية حتى الأبسط منها وفرض الاحترام على المحيط المجحف بحق الإنسان عموماً والنساء بشكل خاص". 

وتتابع "كنت أراقب منذ طفولتي المجتمع المحيط كوني ابنة طبيبة جل تعاملها مع ما تعانيه النساء نتيجة الاضطهاد المجتمعي، كيف تنكفىء النساء لأسباب كثيرة ومختلفة ويرضَينَ مرغمات بأوضاع غير مقبولة إنسانيّاً مما استدعى عندي الرفض ومحاولة فهم أسباب هذا الظلم الذي تقعنَ تحته".

وتوضح أن ذلك كان صراعاً شخصياً بالنسبة لها حين اضطرها إلى الوقوف في وجه المفاهيم الذكورية التي يفرضها المجتمع كقوانين وأعراف وتقاليد للدفاع عن حق أولادها ضد مؤسسة ذكورية بحتة، كانت تدعى "القضاء الشرعي -وما زالت - أظن أن النسويّة منهج تفكير وصراع حقوقي يفرض نفسه على النساء بدرجات مختلفة".

ترى خولة يوسف أن النسويّة "ليست تمرداً سلبياً من أجل التمرد ولا تحدياً تقوم به النساء في مواجهة المجتمعات المُغرقة في ذكوريتها الثقافية والدينيّة وانحيازها التاريخي ضد الأضعف من أجل التحدي، كما أنه لا يمكن للنسويّة أن تكون ردة فعلهنَّ فقط ضد التمييز الجندري العنصري بمضمونه الأعمق"، النسوية بكل بساطة كما تقول هي ممارسة النساء لحريتهنَّ التي هي أول شروط تحقق إنسانيتهنَّ، المساوية تماماً للجنس الآخر الذي يقتسمنَ معه كل تفاصيل الحياة.

وتضيف "بالتأكيد الإنسان الحر يجب -وأشدد على ذلك - أن يعمل على أن يمتلك أدوات استقلاله في حياته ومفاصلها كلها والأهم في حرية خياره لمعتقده وحريته في جسده والنساء هنَّ الأولى أن تكنَّ كذلك" .

تعتقد الناشطة السورية أن الانسان الحر امرأة كان أم رجلا هو نسويّ بالضرورة لأن النسويّة برأيها آفاق معرفية واسعة ومساحة حرة تساهم ببناء مجتمع متوازن ينعم فيه كل الأفراد بالحقوق والاحترام المتساوي.

النسويات السوريات والنسوية العالمية

بدأت الحركة النسوية في الفكر الغربي في القرن التاسع عشر وصيغ مصطلح النسوية لأول مرة في العام 1895 ليعبر عن تيار ترفده اتجاهات عدة، ويتشعب إلى فروع عدة. وكان ظهورها بفضل جهود حركات المقاومة لتبعية النساء للرجال التي برزت في إنكلترا في القرن السابع عشر، ثم امتدت في كل من فرنسا والولايات المتحدة وحدث في هذه الفترة تغيرات اقتصادية وسياسية كبيرة أدت إلى تغيير العلاقات التقليدية التي حددت المجتمع ما قبل الصناعي.

سعت النسوية إلى الفوز بحق المرأة في الانتخاب، وحقوق تعليم الإناث، وتحقيق ظروف عمل أفضل، وإلغاء المعايير المزدوجة للمساواة بين الجنسين، ومقاومة التفاوت الاجتماعي والثقافي، فهل يمكن القول إن الحراك النسوي كتلة واحدة أم تختلف باختلاف المجتمعات ودرجة تطورها التاريخي؟

تقول خولة يوسف إن "للمجتمعات خصوصيتها في التفاصيل وفي مدى تقدمها على مستوى الحقوق الفرديّة والواجبات العامة، وهذا تراكم معرفي وثقافي بالإضافة إلى أنه صراع حقوقي ينضج مع الوقت والتجارب، ولكن ما تزال النساء الأميركيات يناضلنَ من أجل المساواة بالأجر مع زملائهنَّ في العمل، وأيضاً يناضلنَ من أجل المساواة في فرص العمل المتكافئة مع الرجال، وفي الحقوق الخاصة بالمرأة كـ حق الأم بإجازة الأمومة لرعاية الرضيع لفترة طويلة مدفوعة الأجر" .

"إن النقاش الحقوقي لا يتوقف في أميركا ودائما يوجد جديد للعمل عليه كما نذكر في -حركة حياة السود مهمة- التي انتشرت في كل أنحاء العالم ".

وتوضح أن التشابه بين النسوية السورية والنسوية العالمية يكمن في السعي الذي تبذله النساء في كلا المجتمعين للحصول على أفضل ما يمكن والمضي به إلى الإمام قُدماً في دفع للحدود بما يتعلق بالحقوق الخاصة بهنَّ .

هنادى الحريري ناشطة نسوية سورية ترى في حديثها لموقع تلفزيون سوريا "أن النسوية ليست مظلة واحدة هي مظلة واسعة تتسع للجميع إذ تختلف رؤية كل شخص للنسوية أنا أميل للنسوية التقاطعية التي لا تنظر فقط للنوع الاجتماعي لكن تقاطعه مع أمور أخرى مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي أيضا".

وتضيف "المشاكل الاجتماعية التي تواجهني كامرأة سورية تختلف عن المشاكل التي تواجه امرأة سورية من ذوات الاحتياجات الخاصة.. أركز على تقاطعات الفئات الاجتماعية مثل العمر والعرق والوضع المادي والاجتماعي، لأن التقاطع ينتج نوعا من التحديات الجديدة، لا أؤمن بوجود نسوية سورية وأخرى فرنسية هناك نقاط تقاطعية في القضايا المشتركة.. مثلا النساء ذوات البشرة الملونة تختلف قضاياهن عن النساء البيض".

نسويات الداخل السوري ونسويات الخارج

تعيش النساء السوريات في الداخل السوري وضعا مختلفا عن النساء السوريات في دول الجوار أو في أوروبا، يرتبط ذلك بالوضع الذي أنتجته الحرب، وتوزع خرائط قوى السيطرة بمختلف أيديولوجياتها.

ترى "يوسف" أن ممارسة الحقوق ستزداد مساحتها عندما تكون هناك قوانين ناظمة لحياة الأفراد تبنى على قيم حقوق الإنسان دون أي تمييز، و"من هذه النقطة سنجد أن أولويات النساء ستتفاوت بين البيئات التي يوجدن فيها، و تتأثر طبعاً بنمط الحياة ونوعية السلطة الموجودة في كل منطقة وما الذي تتبناه هذه السلطة من قيم أو قوانين مُجبرة وقد تكون استبدادية لخصوصية الوضع أو لأن طبيعة السلطة هي كذلك، ولا ننسى خصوصية حالة الحرب وعدم الاستقرار التي تحياها النساء في سوريا عموماً، ولكن كما أعرف أن لنساء شمال سوريا طموحات واسعة وعمل جاد وأنهنَّ أثبتنَ شراكتهنَّ وفعاليتهنَّ بقدر الممكن فردياً واجتماعيّاً، ولأكون أكثر دقة في طرحي أنا لا أريد ولا أطالب النساء في الشمال السوري أن تواجهنَ الآلة الذكورية العنيفة المتطرفة دينيّاً من أجل التحدي فقط لأنهنَّ سيكنَّ في هذه الحال ضحايا لا مبرر لها، طالما هناك وسائل أخرى يستطعن من خلالها الحصول على حقوقهنَّ الأساسية في الحياة الشخصية وأنهنَّ يستطعنَ إثبات حضورهنَّ وجدارتهنَّ بأساليب لا تستدعي عليهنَّ عنفاً إضافيّاً ".

وأمّا النساء السوريات في خارج مناطق الصراع وخارج سوريا فهنَّ يملكنَ كل الحق بأن يعبّرنَ بالطريقة التي يجدنَها أنسب عما يطمحنَ للوصول إليه من حقوق وحضور ومشاركة في المجالات التي يخترنها.

عالمية حقوق الإنسان أو حقوق المرأة باعتبارها جزءا منها، لا تلغي وجود أفكار ومواقف مختلفة لدى النسويات السوريات، وتقول "يوسف"، "أما عن شطر الليبرالية أو العلمانية أو التمسك الديني فأعتقد أنها مساحة واسعة للعمل عليها وبناء وعي مشترك بين النساء يكون أساسه الحرية التي يجب أن تتوفر لهنَّ ليكون حقهنَّ بالاختيار لأنفسهنَّ بما يردنَهُ مصاناً ومحميّاً، مهما كان هذا الحق إشكاليّاً بالنسبة للثقافة المتوارثة والأعراف السائدة والدين" .

النسوية السورية وموجة "Mee Too"

تنشط بعض النسويات السوريات على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل ملحوظ في قضايا ترتبط بالتحرش والجنسانية خاصة بعد حملة "Mee Too" لتتراجع إعلاميا قضايا المرأة الأخرى المرتبطة أيضا "بالفجوة النوعية" مع الذكر مثل حقوق العمل والتعليم والزواج المبكر والتمثيل السياسي.

وتقول الناشطة النسوية هنادى الحريري "بعض النسويات تنشط في هذه القضايا لأن الضوء يسلط عليها أكثر من غيرها النسويات ينشطن في جميع القضايا.. لذلك الكلام غير دقيق، بعضهن غير مقتنع بهذه القضايا كل نسوية لديها فكرها الخاص، ولكن نحن نؤمن بحق التعبير والتحرش من القضايا التي تحتاج إلى شجاعة للحديث عنها كي لا تبقى مكبوتة".

وتتابع"أنا تعرضت للتحرش وأخذت وقتا طويلا حتى تحدثت عن الموضوع مع المقربين لي، لذلك العلنية موضوع صعب جدا في هذه القضية.. الكثير من النساء عانين من هذه المظلومية ورغم التغطية الإعلامية لا يوجد تغيير نوعي في القوانين ونفس الشيء ينطبق على القضايا الأخرى.. أسقطت نون النسوة في الحديث لأني أؤمن بأن النسوية هي قضية يجب أن تكون للجميع".

لا تعتبر الحريري النسوية السورية "موضة" وترى أنه بإمكان الجميع أن ينتقدوا  "كل شيء له موضته عندما يراجع معارضو النسوية تاريخ النسوية سيكتشفون أنها حراك قديم.. هي موضة لمن بدأ يراها حديثا لا ألومهم لأن من لا يعرف الشيء يجهله يجب التطبيع مع النسوية لأنها ليست شيئا غريبا مطالبه خيالية هي حركة متنوعة وبإمكان الجميع أن يعيش النسوية بطريقته.. وحتى تحقق مطالبها يجب إزالة النظام القائم من خلال قانون تشارك النساء بكتابته وذلك لا يلغي أهمية نشر الوعي النسوي".

النسوية والثورة السورية

تٌجمع "يوسف" والحريري" على أن الحراك النسوي جزء لا يتجزأ من الثورة السورية، وتضيف الحريري "العلاقة ليست طردية ولكن من وجهة نظري الشخصية إذا كنت مؤمنا بالحراك الثوري يجب أن تؤمن بالنسوية".

لا تفضل الحريري استخدام نون النسوة لأن النسوية ليست حكرا على النساء كما تقول فهنالك الكثير من النسويين الذكور، كما أن "جميع التوجهات النسوية موجودة توجهات يسارية وإسلامية.. الجميع موجود".

وتشدد الحريري على دور القانون لحماية حقوق المرأة فهو أساس جيد للتغيير، وبرأيها فإن الجانب الإيجابي من وجود السوريات في دول وأماكن مختلفة هو تعلم أشياء جديدة وتنوع الخيارات.

نسويون ذكور

راجي الجندي ناشط نسوي سوري يرى أن أولويات النسويات مختلفة بحسب مساحة الحركة المرتبطة بالحريات والحقوق الوضع الاقتصادي وتحقيق الاستقلالية الاقتصادية.

ويشجع الجندي على تمثيل المرأة السورية في المجالس المحلية والتجمعات الثورية وتحسين وضعها في المخيمات ومواجهة زواج القاصرات والأمية، إذ إن هذه القضايا متقدمة على الحرية السياسية بالنسبة لنسويات الداخل على حد قوله.

ويشير إلى أن نسويات الخارج ينلن ميزات البلدان التي يقمن فيها، وبالتالي ينشطن في القضايا النسوية في تلك البلدان أيضا.

وبحسب الجندي فإن تصنيف النسويات بحسب التوجه السياسي والفكري "إسلامي وليبرالي" لا يلامس معتقدات الأفراد الدينية أو السياسية رغم وجود بعض الخلافات.

 ويشدد على أن للنسويين الذكور دورا مهما لأن الظلم ذكوري وعلى الذكور فهم النسويات ومطالبهن وتوضيح كيف يفكر الذكور ولماذا يقفون ضد النسوية.

ويضيف أن ذلك "يرتبط بشعور التفوق الذكوري" مشددا على أن "ليس كل الذكور ذكوريين هناك من يدعم النسوية وهو دور مهم كي لا تتحول النسوية لصدام بين جنسين".

"ورغم ذلك فإن عدد النسويين قليل في الحركة النسوية وفي مجتمعاتنا لأن الموضوع خارج العادات والتقاليد والأولويات، في ظل الحرب والثورة والتهجير، ما يدفع البعض لاعتبارها قضايا فئوية".

ويلفت الجندي إلى أن القضايا الجنسانية قد تعتبر ترفا ثقافيا في الظرف السوري إذا كانت على حساب إهمال القضايا الملحة وقضايا تمثل نسبة قليلة من الناس.