icon
التغطية الحية

الموقف الأميركي من الجولان.. تناقض في التصريحات أم تغير في السياسة؟

2026.08.23 | 10:27 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.23 | 11:03 دمشق

توم باراك - رويترز
توم باراك - رويترز
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تصريحات توم باراك حول الجولان المحتل تتعارض مع موقف إدارة ترمب، مما يثير تساؤلات حول مراجعة محتملة للموقف الأميركي أو ضغوط على إسرائيل، في ظل تحركات عسكرية إسرائيلية في سوريا.

- الخلافات الأميركية الإسرائيلية تتزامن مع انتقادات أميركية للغارات الإسرائيلية في سوريا، مما يشير إلى محاولة واشنطن لاحتواء التصعيد الإسرائيلي دون مواجهة مباشرة مع حكومة نتنياهو.

- خيارات دمشق محدودة أمام التفوق العسكري الإسرائيلي، مما يدفعها للتركيز على المسار السياسي والدبلوماسي وبناء تحالفات إقليمية لتحقيق مكاسب تدريجية.

أعاد المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، ملف الجولان المحتل إلى واجهة المشهد السياسي، بعدما وصف الجولان بأنه أرض سورية ما تزال إسرائيل تحتلها، في تصريحات تتعارض ظاهريا مع الموقف الأميركي الرسمي الذي اتخذته إدارة الرئيس دونالد ترمب عام 2019، حين اعترفت بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان.

تصريحات باراك جاءت في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وتصاعد الحديث عن اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب، بالتوازي مع مساع أميركية لاحتواء التوتر ومنع انتقاله إلى مواجهة أوسع في المنطقة.

فهل نحن أمام مراجعة أميركية للموقف من الجولان؟ أم أن تصريحات باراك لا تتجاوز حدود التوصيف القانوني، وتندرج ضمن محاولة واشنطن الضغط على إسرائيل وضبط تحركاتها في سوريا؟

هذه الأسئلة ناقشها برنامج «سوريا اليوم» على شاشة تلفزيون سوريا مع الدكتور كمال عبدو، الأكاديمي والمحلل السياسي من إدلب، والدكتور طارق أبو غزالة، الناشط السياسي من واشنطن، والدكتور سليم بريك، المحاضر في العلوم السياسية من حيفا.

تصريحات باراك.. تناقض أم بداية تحول؟

للمرة الأولى منذ سنوات، يعود الحديث الأميركي عن الجولان بوصفه أرضا سورية محتلة إلى الواجهة، ولكن هذه المرة على لسان مبعوث أميركي مقرب من الرئيس دونالد ترمب.

وتكتسب تصريحات توم باراك أهميتها من كونها تأتي بعد سنوات من قرار ترمب الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان. ففي عام 2019، قال ترمب إن اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على المرتفعات يأتي في إطار تعزيز قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها، ووقع إعلانا رئاسيا بهذا الخصوص.

لكن باراك تحدث بلغة مختلفة، مؤكدا أن الجولان أرض سورية وأن إسرائيل تواصل احتلالها خلافا لقرارات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

التناقض الظاهر بين الموقفين فتح الباب أمام قراءات متعددة داخل برنامج «سوريا اليوم».

من جانبه رأى الأكاديمي والسياسي كمال عبدو أن الخلاف الأميركي الإسرائيلي الحالي لا يعني بالضرورة تغيرا في الاستراتيجية الأميركية تجاه إسرائيل، معتبرا أن واشنطن وتل أبيب قد تختلفان في أدوات إدارة ملفات المنطقة، لكن ذلك لا يعني تغييرا في جوهر العلاقة بينهما.

وبحسب عبدو، فإن إدارة ترمب تحاول استخدام علاقاتها مع تركيا ودول الخليج وسوريا لدفع دمشق نحو مسار سياسي مع إسرائيل، بدلا من ترك تل أبيب تدير الملف اعتمادا على القوة العسكرية.

في المقابل، رأى الدكتور طارق أبو غزالة أن قرب توم باراك من ترمب يجعل تصريحاته ذات دلالة سياسية، مشيرا إلى أن باراك ليس شخصية بعيدة عن دوائر القرار الأميركية، وأن حديثه العلني عن الجولان في هذا التوقيت قد يعكس وجود نقاش داخل الإدارة الأميركية حول طريقة التعامل مع إسرائيل.

وبحسب أبو غزالة، فإن باراك لا يستطيع التحرك بخط سياسي منفصل تماما عن توجهات ترمب، وبالتالي فإن تصريحاته قد تكون مؤشرا إلى وجود شيء يتغير داخل الإدارة الأميركية، وإن كان من المبكر تحديد طبيعة هذا التغيير أو مداه.

لكن الدكتور سليم بريك اتخذ موقفا أكثر حذرا، معتبرا أن التجربة الطويلة للعلاقة الأميركية الإسرائيلية تجعل من الصعب الحديث عن تحول استراتيجي لمجرد تصريحات مسؤول أميركي.

وبين هذه القراءات، يبقى السؤال الأبرز: هل يستخدم ترمب ملف الجولان للضغط على نتنياهو، أم أن واشنطن بدأت فعلا إعادة النظر في طريقة تعاملها مع الملف السوري؟

أبو الظهور.. نقطة الخلاف بين واشنطن وتل أبيب

لم تأت تصريحات باراك بمعزل عن التطورات الميدانية، فقد سبقتها وتزامنت معها انتقادات أميركية للتحركات الإسرائيلية في سوريا، ولا سيما الغارات التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية بريف إدلب.

باراك وصف الغارات، بحسب ما ورد في النقاش، بأنها تصعيد غير ضروري، وأبدى قلقا إزاءها، في وقت تحدث فيه عن موقف سوري جديد لا يسعى إلى العداء مع إسرائيل ويبدي استعدادا للمحادثات.

وهنا بدأت تظهر فرضية أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب قد يكون مرتبطا بأسلوب إدارة المرحلة السورية الجديدة.

الدكتور كمال عبدو تحدث عن معلومات قال إن الجانب الأميركي اكتشف لاحقا أنها لم تكن دقيقة بشأن الوضع في مطار أبو الظهور، سواء فيما يتعلق بالقوات التركية أو بالرادار العسكري الذي كان من المفترض نشره هناك.

وبحسب عبدو، فإن هذه التطورات قد تكون أحد أسباب الامتعاض الأميركي من السلوك الإسرائيلي، خصوصا إذا كانت واشنطن ترى أن العمليات الإسرائيلية قد تضر بتفاهماتها مع تركيا أو تهدد المسار الذي تحاول بناءه مع دمشق.

أما أبو غزالة، فربط تصريحات باراك مباشرة بعلاقته القديمة بترمب، معتبرا أن الحديث عن الجولان بعد ضربة أبو الظهور ليس أمرا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع.

وفي المقابل، يرى بريك أن جزءا من التحرك الإسرائيلي يرتبط أيضا بالحسابات الداخلية في إسرائيل، حيث يمكن لحكومة نتنياهو استخدام التهديدات الأمنية والتصعيد العسكري لتقديم نفسها بوصفها الجهة القادرة على حماية إسرائيل.

وهنا تبرز مشكلة أساسية أمام واشنطن: كيف يمكنها احتواء التصعيد الإسرائيلي من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع حكومة نتنياهو؟

فإدارة ترمب قد تكون معنية بمنع إسرائيل من الذهاب بعيدا في سوريا، خصوصا إذا أدى ذلك إلى احتكاك مباشر مع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، أو إلى توسيع دائرة الصراع في المنطقة.

الاتفاق الأمني.. هل تملك واشنطن أدوات الضغط؟

في موازاة الجدل حول الجولان، تتحدث التصريحات عن مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين سوريا وإسرائيل، وعن خلية أمنية مشتركة في العاصمة الأردنية عمّان.

الهدف المعلن من مثل هذه القنوات هو منع الاحتكاك العسكري ووضع قواعد واضحة للتعامل بين الطرفين، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع هذه الآلية فعلا الحد من العمليات الإسرائيلية داخل سوريا؟

بحسب ما ورد في نقاش «سوريا اليوم»، فإن هناك اتصالات أمنية قائمة، لكن إسرائيل لا تبدو مستعدة، وفق ضيوف البرنامج، لتقديم تنازلات كبيرة في الوقت الحالي.

الدكتور كمال عبدو قال إن دمشق سبق أن قدمت، وفق روايته، تنازلات في إطار مفاوضات أمنية، بينها القبول بانسحاب إسرائيلي إلى خطوط عام 1974، لكن إسرائيل لم توافق على ذلك.

ويرى عبدو أن المشكلة الأساسية تكمن في شعور إسرائيل حاليا بامتلاك قدر كبير من القوة والقدرة على فرض شروطها، في حين أن سوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب لا تمتلك الأدوات العسكرية التي تمكنها من فرض توازن ميداني.

ويبرز هنا ملف المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل داخل الأراضي السورية، وفي مقدمتها المناطق القريبة من جبل الشيخ.

ويعتبر عبدو أن قمة جبل الشيخ تمثل نقطة استراتيجية شديدة الأهمية بالنسبة إلى إسرائيل، بسبب موقعها الجغرافي وقدرتها على منح إسرائيل إمكانات واسعة للمراقبة.

كما حذر من أن استمرار إنشاء الطرق والنقاط العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري قد يعني محاولة فرض واقع جديد يتجاوز المناطق التي دخلتها إسرائيل في البداية.

ويرى الضيف أن المسألة لم تعد مرتبطة بالقنيطرة وحدها، وإنما باتت تمتد إلى مناطق في درعا وريف دمشق ومحيط حوض اليرموك، ما يجعل أي اتفاق أمني مستقبلي أمام اختبار صعب.

هل تغيرت علاقة ترمب بنتنياهو؟

الخلافات بين ترمب ونتنياهو ليست جديدة، لكن التطورات الأخيرة أعادت طرح سؤال أكبر: هل وصلت العلاقة بين الرجلين إلى مرحلة بدأت فيها واشنطن تضع حدودا أكثر وضوحا أمام الحكومة الإسرائيلية؟

الدكتور طارق أبو غزالة ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن إسرائيل لم تعد تتمتع بالموقع نفسه الذي كانت تتمتع به في الولايات المتحدة قبل سنوات.

وأشار إلى أن الحرب الإسرائيلية على إيران، بحسب روايته، قدمت لإدارة ترامب معلومات وتقديرات لم تثبت صحتها، وأن ذلك انعكس على طريقة تعامل واشنطن مع الحكومة الإسرائيلية.

كما تحدث عن تغيرات داخل الحزب الديمقراطي وتزايد الأصوات المنتقدة لسياسات الحكومة الإسرائيلية، معتبرا أن البيئة السياسية الأميركية نفسها تشهد تحولات قد يكون لها تأثير مستقبلي على طبيعة العلاقة مع إسرائيل.

لكن الدكتور سليم بريك حذر من قراءة هذه التطورات باعتبارها تحولا جذريا، فبرأيه، إسرائيل ما تزال الدولة الحليفة الأقوى للولايات المتحدة في المنطقة، وما زال نفوذها داخل السياسة الأميركية كبيرا، ولذلك فإن أي خلاف مع حكومة نتنياهو لا يعني أن واشنطن مستعدة للتخلي عن تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل.

ويرى بريك أن تصريحات ترمب يجب أن تقرأ بحذر، خصوصا أن الرئيس الأميركي قد يوجه انتقادات إلى إسرائيل في ملف، بينما يستمر الدعم الأميركي لها في ملف آخر.

سوريا أمام معادلة صعبة.. المواجهة أم القوة الناعمة؟

في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، تبدو خيارات دمشق محدودة، وهو ما دفع ضيوف البرنامج إلى التركيز على المسار السياسي والدبلوماسي بدلا من المواجهة العسكرية.

الدكتور كمال عبدو رأى أن سوريا تحتاج إلى تجنب المواجهة المباشرة في الوقت الراهن، والعمل على بناء قوتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، مستفيدة من علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية وتركيا.

ويرى عبدو أن كسب الوقت وبناء شبكة من العلاقات قد يسمحان لدمشق بتحقيق مكاسب تدريجية، خصوصا أن المصالح الأميركية في سوريا، بما فيها الملفات الاقتصادية والطاقة، يمكن أن تشكل أوراق ضغط سياسية.

في المقابل، دعا أبو غزالة إلى عدم الاكتفاء بسياسة "الانحناء للعاصفة"، معتبرا أن سوريا بحاجة إلى التحرك دبلوماسيا على نطاق أوسع، وإرسال مبعوثين وسفراء إلى الدول التي تعترف بأن الجولان أرض سورية ولا تقبل بالقرار الأميركي لعام 2019.

كما يرى أن موقع سوريا الجيوسياسي يمنحها أوراقا يمكن استثمارها، خصوصا مع وجود تركيا والعراق ودول الخليج والقوى الإقليمية الأخرى التي قد تتأثر بأي توسع إسرائيلي داخل الأراضي السورية.

أما بريك، فشدد على أن مواجهة إسرائيل تحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد، ولا يمكن اختزالها في موقف عسكري مباشر.

ويرى أن أي محاولة لبناء توازن جديد يجب أن تعتمد على العلاقات بين الدول، وعلى تحالفات إقليمية يمكن أن تشكل عامل ردع، مشيرا إلى أهمية العلاقات بين تركيا والسعودية وباكستان، إضافة إلى الدور المحتمل لمصر ودول الخليج.

وفي المقابل، يحذر من أن إسرائيل تستفيد من الانقسامات الإقليمية، ومن استمرار اعتبار إيران تهديدا رئيسيا لدى عدد من الدول العربية، وهو ما قد يضعف القدرة على تشكيل موقف موحد تجاه التحركات الإسرائيلية في سوريا.