الموسيقى باب من أبواب الجنة: حضرة عنايت خان

الموسيقى باب من أبواب الجنة: حضرة عنايت خان

الصورة
11 تموز 2019

محمد أمير ناشر النعم

باحث سوري مقيم في ألمانيا.

كما أنّ الفيثاغورثية أقامت بنيانها كله وفلسفتها بأجمعها على (الأعداد) كذلك بنى المتصوف المسلم حضرة عنايت خان (1882 ــ 1927) دعوته الدينية ورؤيته الصوفية على (الموسيقى) التي يحكمها الهارموني بوصفه قانونها الأول والأخير. فــ "الموسيقى هي فن الفنون، وعلم جميع العلوم، وينبوع كلّ المعرفة داخل النفس".

قدّم في كتابه الأكثر شهرة (موسيقى الحياة) رؤيته للهارموني الذي يشمل كلّ جانب من جوانب حياتنا، مستكشفاً علم التنفّس، وقانون الإيقاع، ومتلمّساً قوة الشفاء والتأثير النفسي للموسيقى. فسِرُّ الصوت هو التصوف، ووئام الحياة هو الدين، ومعرفة الاهتزازت هي الميتافيزيقيا، وتحليل الذرات هو العلم، وتجميعها المتناغم هو الفن، وإيقاع الشكل هو الشعر، وإيقاع الصوت هو الموسيقى!

رأى حضرة عنايت خان أنّ الموسيقى أهم تعبير عن التدين، وأنّها في الوقت نفسه أداة لمعرفة الحقيقة الدينية، ومن أجل ذلك قامت حياته على ركنين: (الموسيقى والتقوى)، وبالشعر والموسيقى، وبالحب والتقوى التحق بسرب الأولياء والعرفاء والعظماء.

وجد في كلّ كلمة قيمة موسيقية، وفي كلّ فكرة لحناً، وفي كلّ شعور نوعاً من الانسجام.

ولد عنايت خان في بارودا في غرب الهند، ونشأ في سيالكوت لعائلة مسلمة سنّية صوفية موسيقية مقرّها البنجاب. أما والده رحمت خان فكان صوفياً شاعراً، وأما والدته خديجة بيبي فكانت ابنة الموهوب الشهير مولا بخش (1833 ــ 1896) الملقب بــ (بيتهوفن الهند) الذي أسّس الأكاديمية الموسيقية الهندية

فالموسيقى بوصفها اهتزازات تتغلغل في ذرات الكون كله:

ما تتصوره الروح هو اهتزازات المشاعر.

ما يدركه العقل هو اهتزازات الأفكار.

ما تراه العيون هو الاهتزازت المتجمّدة في العالم المادي.

وهذا ما يذكّرنا بقول غوتة: "إنّ فن العمران موسيقى متجمِّدة. والتناسق في فن العمران أوزان موسيقية صامتة"!

ولد عنايت خان في بارودا في غرب الهند، ونشأ في سيالكوت لعائلة مسلمة سنّية صوفية موسيقية مقرّها البنجاب. أما والده رحمت خان فكان صوفياً شاعراً، وأما والدته خديجة بيبي فكانت ابنة الموهوب الشهير مولا بخش (1833 ــ 1896) الملقب بــ (بيتهوفن الهند) الذي أسّس الأكاديمية الموسيقية الهندية، وعمل على توحيد التقاليد الشمالية والجنوبية للموسيقى الهندية. تزوّج الجد حفيدة السلطان المشهور في القرن الثامن عشر تيبو سلطان، وغدا منزله مركزاً للقاء الصوفيين والموسيقيين، و(معبداً للمواهب)، ونسج مع حفيده علاقة صداقة واحترام متبادل، وبعد وفاته قام الحفيد مع والده بسبع رحلات شملت أرجاء الهند تعرّف من خلالها على القارة الهندية بأكملها، وأقام عدة حفلات موسيقية ناجحة أذاعت صيته، وأكسبته شهرة واسعة بحيث بدأ الناس يتلقفون قصائده وأغانيه التي كان ينشرها بمختلف لغات الهند ولهجاتها، ويتلهفون لسماعها وترديدها، وتذكرنا هذه الرحلة برحلة المهاتما غاندي الشاملة لأرجاء الهند كذلك، والتي كانت شرطاً لا بدّ منه لوضوح رؤيته وتبلور فكرته وإنتاج زعامته.

بحث عنايت خان بعد وفاة جدّه عن معلّم روحي، وكان في الخامسة عشرة من العمر فساقته الأقدار للانخراط في الطريقة الجشتية، في حيدر آباد الدكن العاصمة الثقافية للهند، على يد الشيخ المنسوب إلى الدوحة النبوية سيد أبو هاشم مدني الذي قدّر مواهب مريده الروحية، واستعداده النفسي، فأخضعه لمجاهدات تنمّي شجاعته وتختبر قدرته على السيطرة على الجسد والعقل والنفس، وكان المريد يتعامل مع شيخه بمحض المحبة والتسليم، فكتب في حقه قصائد ما زالت محفوظة، ثم انضم بعد ذلك إلى الطرق الصوفية الثلاث: السهروردية، والقادرية والنقشبندية، ونهل من مشاربها وأفكارها وأعلامها، واطلع على الديانة الهندوسية ورموزها ودقائقها.

وعندما تحقّق شيخه سنة 1910 من روحه العذبة، وإرادته الطاهرة، وعبقريته الفنية، أمره بأن يحمل رسالة البِشر إلى البشر، وقال له بعدما رآه ينسكب في ائتلاق من المحبة على الكون كله: اذهب إلى الغرب، ووحّد الشرق والغرب بموسيقاك، وانشر رسالة السلام من خلالها. فامتثل الأمر وغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع أخويه محبوب خان وعلي خان، وشرع بتنظيم حفلات موسيقية، وإلقاء محاضرات حول نظريته الموسيقية، فعطف القلوب والعقول إليه، ثم تزوّج في لندن سنة 1912 من أولى أتباعه أورا راي بِكر التي غدا اسمها (أمينة بيجوم)، فأنجبت منه بنتين وصبيين، وبعد إقامة قصيرة في إنكلترا انتقل معها إلى باريس آملاً في استجابة أكثر، وتحقق ذلك فأجرى لقاءات مهمة وملهمة مع عظماء الموسيقيين في ذلك الوقت مثل الفرنسي كلود ديبوسي، ودُعي إلى (معهد الكونسرفاتوار في موسكو) مركز التدريب الموسيقي الأشهر في روسيا.

كانت السنوات التالية مليئة باللقاءات والمحاضرات والمريدين والأتباع والكتب والمؤلفات، وأسس (الحركة الصوفية الدولية) التي يقودها اليوم حفيده ضياء الدين خان، وفي سنة 1926 عاد إلى الهند بعد غياب دام ستة عشر عاماً، فوصل إلى نيودلهي في بداية تشرين الثاني، وعاود استئناف الأنشطة التي توقف عنها في أوروبا بإلقاء المحاضرات واللقاءات حول الصوفية، ويبدو أن النشاط الهائل أضعفه كثيراً، لأنه بعد عودته من رحلة قصيرة إلى قبر خواجة معين الدين الجشتي، أصيب بالإنفلونزا، وتوفي في 5 من شباط 1927 في (نيودلهي)، بعد حياة محتدمة بالموسيقى والأشعار والأذكار والإبهار، وعمره خمسة وأربعون عاماً.

يشير معظم الدارسين الغربيين اليوم إلى أنّ عنايت خان هو أوّل من قدّم الصوفية إلى العالم الغربي الحديث عام 1910

يشير معظم الدارسين الغربيين اليوم إلى أنّ عنايت خان هو أوّل من قدّم الصوفية إلى العالم الغربي الحديث عام 1910، ونقرأ في كتاب أديان أمريكا البديلة AMERICA'S ALTERNATIVE RELGOINS  فصلاً كتبته الباحثة جيزيلا ويب حول (التصوف في أمريكا) تقرّر فيه أنّ تطوّر التصوف في أمريكا مرّ بثلاثة مراحل، وأنّ حضرة عنايت خان يمثّل المرحلة الأولى.

تقول ويب: "تألفت زيارته الأولى لأمريكا من محاضرات وحفلات موسيقية (شارك فيها أخوته) حيث كانت الموسيقى المقدّسة والرقص يشكلان عامل جذب رئيسي في أمريكا". ومن محاسن الصدف أن يُتاح لنا، نحن القراء العرب، أن نعرف أنموذجاً من مضمون هذه المحاضرات واللقاءات من خلال ترجمة الدكتور عيسى العاكوب، في إحدى التقاطاته البارعة، كتاب (يد الشعر: خمسة شعراء متصوفة من فارس)، والكتاب مجموع خمس محاضرات ألقاها عنايت خان، في مدينة سان فرانسيسكو سنة 1923، وتناول في كل محاضرة شاعراً من هؤلاء الشعراء الخمس: (سنائي ــ فريد الدين العطار ــ جلال الدين الرومي ــ سعدي الشيرازي ــ حافظ الشيرازي)، ولكن مع الأسف فإنّ قراّء الكتاب التفتوا إلى هؤلاء الشعراء، ولم يلتفتوا إلى المؤلف الذي لا يقل أهمية عن أي واحد منهم، ولم يعيروه ما يستحقه من اهتمام.

وفي هذه المحاضرات لا نرى مجرّد متكلم أو محاضر بل صيّاداً للبشر الظامئين العطشين، يرويهم بشلاله المتدفِّق كلماتٍ قيّمة من دون أثر لافتعال أو تحذلق، فبيّن لهم أنّ هؤلاء الشعراء ما هم إلا تجليات للنبوة التي اغترفوا من معينها، فسرت حميّا معانيها في نفوسهم، فطلعوا على الدنيا بهذه الأناشيد العذبة الخالدة. لقد كانت كلّ محاضرة من محاضراته تمثّل مجد اللحظة الراهنة، ثم يمتدّ في نفوس سامعيه المجتذَبين اجتذاباً سحرياً لينفث فيهم الروح والحب والصدق والإخلاص.

إنّ معرفتنا بتراث حضرة عنايت تمكّننا من معرفة مصادر كثير من المتصوفة الغربيين، ولا سيما رينيه غينون. فنحن نعرف مصادر غينون عن العقيدة الطاوية التي أودعها كتابه "الثلاثية الكبرى: تقاليد صينية". ونعرف علاقته الوطيدة مع الفرنسي الغراف ألبير بيويو الذي دان بالعقيدة الطاوية، وكانت له علاقات وطيدة مع ممثلي هذه العقيدة في الصين، وصار يُعرف هنالك باسم (ميتغي يوي) أي: (عين النهار)، وقد استطاع غينون بوساطته التواصل مع ممثلي عقيدة الطاو والحصول على أسرارها، ولكن كيف حصل غينون على معارفه العميقة والشاملة عن الميتافيزيقيا الهندوسية، هذه المعرفة التي عكستها كتبه التالية: "مدخل عام لدراسة العقائد الهندوسية"، و"الإنسان ومآله حسب الفيدانت"، و"الحالات المختلفة للكائن"، و"الأشكال التقليدية والدورات الكونية"؟ هذا ما لم يُعرف له جواب محدَّد حتى الآن سوى ما أشار إليه مسؤول خزانة المخطوطات الشرقية في المتحف الإنكليزي مارتن لينغز (أبو بكر سراج) حول أصدقاء محتملين من الهندوس التقى بهم في باريس، وتحمّل عنهم هذه المعرفة، وأنا ههنا أكاد أجزم أن مصدر غينون هو حضرة عنايات خان الذي لم يمده بالمعرفة الهندوسية فحسب، بل وأمدّه بكثير من تفسيرات الرموز الدينية المقدسة من الأديان الأخرى، حتى إني لأعتقد أن كتاب غينون (رمزية الصليب) الذي كتبه بعد إسلامه إنما كُتب بوحي من معارف عنايت خان التي كان يبثها ويشيعها وينشرها.

استطاع غينون بوساطته التواصل مع ممثلي عقيدة الطاو والحصول على أسرارها، ولكن كيف حصل غينون على معارفه العميقة والشاملة عن الميتافيزيقيا الهندوسية، هذه المعرفة التي عكستها كتبه التالية: "مدخل عام لدراسة العقائد الهندوسية"

كانت كلمات عنايت خان تضوع بالمسالمة، واللاعنف، والتوفيق بين المعتقدات، وتركّز على مطلب إعطاء وعينا الداخلي مزيداً من المرونة والاتساع، لذلك فقد رأى العديد من الدارسين الغربيين أنّ طريقته الصوفية ليست إسلامية بحتة، لأنّه لم يكن يطلب من أتباعه غير المسلمين اعتناق الإسلام، على الرغم من كونهم كانوا يواصلون أداء الذكر، وقد سار على هذا المشرب الصوفي الفرنسي رينيه غينون، فلم يكن يدعو تلامذته إلى الإسلام، بل يطلب من كلّ واحد منهم أن يلتزم تعاليم دينه ويراعيها، غير أنّهم كانوا في الأعم الأغلب يسلمون.

لقد برز حضرة عنايت خان رائداً من أعظم رواد الحوار الديني بإقامته جسور التواصل مع الديانات العالمية الكبرى في العالم، مقدِّماً في ذلك درساً نافعاً للمسلم المعاصر في تخليصه من النفسية الانعزالية الموروثة عن قرون الانحطاط حتى يثبت حضوره في العالم وفعله فيه.

وللأسف ما زالت كتبه التي نافت على عشرات المجلدات حبيسة اللغات الأجنبية لم يترجم منها سوى كتاب (يد الشعر) سنة 1998، وكتاب (تعاليم المتصوفين) عن لغة وسيطة هي الروسية سنة 2006.

 

كلمات مفتاحية
شارك برأيك