في ريف القنيطرة، حيث الأرض هي الحياة والزيتون هو الرزق، يواجه المزارعون أزمة وجودية تهدد مصدر معيشتهم الوحيد، إذ لم تعد مواسم القطاف كما كانت، ولم تعد الأشجار تثمر كما اعتادوا. فشحّ المياه، وقلة الأمطار، وتدهور البنية التحتية الزراعية، كلها عوامل اجتمعت لتجعل من موسم الزيتون هذا العام موسماً للنحيب بدلاً من الحصاد. وفي ظل غياب الدعم الرسمي والحلول المستدامة، يقف المزارع وحيداً في وجه الطبيعة القاسية والواقع الأشد قسوة.
هادي الفقير، إداري في معصرة آل الفقير، تحدّث لموقع "تلفزيون سوريا" عن التحديات التي واجهت المزارعين هذا العام، مشيراً إلى أن نسب الزيت المستخرج من الزيتون كانت متفاوتة بشكل ملحوظ.
وأرجع السبب إلى قلة الهطولات المطرية مقارنة بالمواسم السابقة، ما أثّر بشكل مباشر على جودة وكمية الزيت، مضيفاً: "بدأ المزارعون بقطاف الزيتون بشكل مبكر، وهذا القرار كان اضطرارياً بسبب الخوف من ضياع الموسم، لكنه أثّر سلباً على نسبة الزيت وجودته. فكلما تأخر القطاف زادت نسبة الزيت، ولكن الظروف لم تسمح بذلك".
تراجع حادّ في إنتاج الزيت في القنيطرة
المزارع أبو فراس من قرية ممتنة في ريف القنيطرة روى لموقع "تلفزيون سوريا" قصة الموسم الذي لم يأتِ، قائلاً: "في الأعوام السابقة كنا نقطف ما بين 6 إلى 7 أطنان من الزيتون، أما هذا العام فلم نتجاوز 300 كيلو فقط، والسبب هو شحّ المياه".
يملك أبو فراس بئرين ارتوازيين مجهزين بالكامل، لكنهما تعرّضا للسرقة في عهد النظام المخلوع من قِبل ميليشيات الدفاع الوطني، كما يقول، ولم يتمكن حتى الآن من إعادة تأهيلهما بسبب ضعف الإمكانات وغياب الدعم. ويضيف بأسى: "زراعتنا هي مصدر رزقنا الوحيد، ولا أحد ينظر في أوضاعنا. نحن نعيش على هذه الأرض، ونموت فيها".
أزمة المياه.. السبب الأول والأخير
تتكرر الشكوى من شحّ المياه في كل حديث مع المزارعين، وهي ليست مجرد مشكلة موسمية، بل أزمة مستمرة تهدد مستقبل الزراعة في المنطقة. فغياب مشاريع الري، وتدهور البنية التحتية، وغياب الدعم الحكومي، كلها عوامل أسهمت في تفاقم الوضع. فالمزارعون لا يملكون القدرة على حفر آبار جديدة أو تأهيل القديمة، ولا توجد برامج تمويل أو قروض زراعية ميسّرة تساعدهم على تجاوز هذه المحنة.
وفي هذا السياق، يقول الحاج أبو داني من قرية الأصبح في ريف القنيطرة الجنوبي إنه يمتلك 700 شجرة زيتون، لكنها لم تمنحه سوى 500 كيلو هذا العام، ويضيف: "شحّ المياه أدى إلى ضعف الموسم، ونحن نناشد الجهات المعنية بتقديم يد العون لنا من بيذار وحراثة وقروض تسهّل علينا عملنا. نحن أبناء الريف، لا نملك سوى الأرض، وهي مصدر رزقنا الوحيد، ونحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد أن نعمل ونعيش بكرامة".
غياب الدعم الحكومي ودعوات لإنقاذ الموسم القادم
رغم أهمية الزراعة في ريف القنيطرة، يشعر المزارعون بأنهم منسيّون. لا توجد خطط واضحة لدعمهم، ولا برامج تنموية تلامس احتياجاتهم الحقيقية. يقول أحد المزارعين: "نحن لا نطلب رواتب أو إعانات، فقط نريد أن نزرع ونحصد، أن نعيش من تعبنا، أن نرى ثمار عملنا لا أن تذبل على الأشجار". ويضيف: "كل الجهات المعنية تتحدث عن دعم الزراعة والمزارع، لكننا لم نرَ شيئاً على أرض الواقع".
وفي ظل هذه الظروف، يطلق المزارعون نداءات استغاثة للجهات المعنية، مطالبين بتوفير مياه الري، وتأهيل الآبار، وتقديم القروض الزراعية، وتوفير مستلزمات الزراعة من بيذار وحراثة ومبيدات. وإذا لم يتم التحرّك الآن، فإن الكارثة ستتكرر، وربما تكون أشد وطأة.
وفي الختام، يقول المزارعون إن الزيتون في القنيطرة لا يحتاج إلى كلمات رثاء، بل إلى فعلٍ حقيقي. أصحاب الأراضي لا يطلبون المستحيل، بل يريدون أن يعيشوا من أرضهم، أن يزرعوا ويحصدوا، أن يشعروا بأنهم جزء من هذا الوطن لا عبء عليه. فهل من يستجيب؟ هل من يسمع صوت الزيتون وهو يصرخ عطشاً؟ لا سيما أن إنقاذ الزراعة ليس فقط إنقاذاً لمصدر رزق، بل هو إنقاذ لروح الأرض ووجه سوريا الحقيقي.

