الموحدون الدروز.. أصل التسمية والنشأة

تاريخ النشر: 08.05.2018 | 17:05 دمشق

تلفزيون سوريا - نورس عزيز

يشكل الدروز أحد المكونات الأساسية للنسيج الاجتماعي السوري، ومن خلال هذا المقال سنحاول التعريف بنشأة دعوتهم التوحيدية وأسباب تسميتهم بـ (الدروز)، ووصولهم لبلاد الشام واستقرارهم في مناطق مختلفة في سوريا، وذلك بهدف إزالة شوائب الصورة النمطية عن الجماعة وتوضيح بعض الحقائق الغامضة لدى الدروز الذين كان لهم إسهامهم المهم في تاريخ سوريا.

النشأة والتوسع:

تعود أصول الدعوة التوحيدية إلى الدولة الفاطمية التي نشأت في المغرب وانتقلت إلى مصر، وتُنسب الدولة الفاطمية إلى فاطمة الزهراء ابنة الرسول محمد(ص)، ويُعتبر عبيد الله مهدي من أوائل المؤسسين للدولة الفاطمية في المغرب بعد أن ضعفت السلطة المركزية للخلافة العباسية في بغداد، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى انتقال السلطة إلى العثمانيين.

كان لحكم العزيز لدين الله الخليفة الفاطمي الخامس الأثر الأكبر في إرساء دعائم الدولة الفاطمية حتى أصبحت تهدد الخلافة الأم في بغداد، ومن بعده انتقلت الخلافة لابنه (أبو علي المنصور) الحاكم بأمر الله مؤسس الدعوة التوحيدية.

الحاكم بأمر الله – مؤسس الدعوة التوحيدية:

ولد عام 985م في مصر واستلم السلطة عام 996 وعمره 11 سنة، ودامت سلطته حتى عام 1021م.

 بنى عندما بلغ العشرين من عمره (دار الحكمة) في القاهرة لتضاهي (بيت الحكمة) في بغداد وجعل منها جامعة علمية، كانت تزخر بمختلف أنواع الكتب، وتحدثت العديد من المصادر عن احتوائها على مليون وستمائة ألف كتاب وكان الدخول إلى الدار والاطلاع على محتوياتها مجاناً،

في عام 1018م تم نشر الدعوة وهو ما يسمى عند الموحدين بدور الكشف وهو ما يعتبر ثورة على الدولة الفاطمية

ضمت الدار موظفين يُسمون مناولين ومهمتهم تسهيل عثور الزائرين على كتبهم بحسب المقريزي، ويبدو واضحاً الاهتمام الكبير من قبل الحاكم بأمر الله بالفلسفة اليونانية وغيرها التي ستكون أساساً للدعوة التوحيدية لاحقاً، فقد تضمنت دار الحكمة  18 ألف مخطوطة بالفلسفة.

وبالنسبة لشخصية الحاكم بأمر الله وقراراته فقد تميزت بالغرابة والتشدد أحياناً وباللين أحياناً أخرى، فقد منع زراعة العنب حتى لا يُستخرج منه الكحول، ومنع  النساء  الخروج من بيوتهن، ومنع على الإسكافيين تفصيل الأحذية النسائية، وحرم البكاء والعويل والنواح في الجنازات، وحرم أكل الملوخية والجرجير ولحم الخنزير وغيرها، وحرم ذبح الأبقار السليمة إلا في أيام النحر مثل عيد الأضحى، ومنع التجوال وخروج الناس من بيوتهم بعد المغرب في المقابل سمح لغير المسلمين بأداء شعائرهم وقدم لهم الحماية، وفي عام 1018م تم نشر الدعوة وهو ما يسمى عند الموحدين بدور الكشف وهو ما يعتبر ثورة على الدولة الفاطمية.

بدأ انتقال الدعوة القائمة على مقارنات بين الأديان والفلسفة اليونانية والعلوم الحياتية على أيدي الدعاة والمعتنقين إلى العديد من الأماكن ومن أهم معاقلها بلاد الشام وما زالوا يتوزعون في كل من فلسطين المحتلة ولبنان والأردن والعدد الأكبر في سوريا حتى يومنا هذا.

 من الجدير ذكره هنا أن المرجع الأساسي عند ( الدروز) هو كتاب القرآن الكريم ولا يخلو بيت درزي منه.

وبعد انتشار الدعوة وحرمان ابن الحاكم بأمر الله من الخلافة كأول خروج عن عادات تولية الحكم في الدولة الفاطمية، تم التخطيط للتخلص من الحاكم بأمر الله وكل من اتبع هذه الدعوة، وتعود الكثير من المراجع إلى أن وراء اختفاء الحاكم عام 1021م مؤامرة أخته (ست الملك) وابنه الظاهر لإعزاز دين الله والقيام بقتله وإخفاء جثته بعد خروجه على ظهر حماره إلى جبل المقطم في القاهرة والذي كان معتزلاً فيه.

قرر الظاهر تصفية كل أتباع الدعوة التوحيدية وبدأ بالفعل حيث قامت قواته بقتل حوالي 7000 شخص فيما يعرف لدى الدروز (بالمحنة الأولى) وذلك في منطقة الإسكندرون شمال سوريا، وهو ما اضطر الكثير من معتنقي الدعوة إلى التستر واخفاء معتقداتهم الدينية.

سبب تسمية الموحدين باسم (الدروز):

الكثير من المراجع والمؤرخين لم يصلوا إلى نتيجة حتمية لسبب التسمية، يعتقد الكثيرون بأن التسمية يعود نسبها إلى أحد القائمين على الدعوة التوحيدية وهو من أوائل الأشخاص الذين باشروا بنشر الدعوة ويُدعى نشتكين الدَرَزي و(الدَرَزي) تعني من يقوم بهمنة الخياطة.

ما لبث نشتكين الدَرَزي أن انقلب على الدعوة وبدأ بمحاربة أتباعها ويعتقد الكثير من الموحدين بأن نشتكين الدرزي وراء تزوير عدد من رسائل الدعوة التي كانت تنتقل بين القيادات والدعاة في الجغرافية الواسعة التي وصلت إليها الدعوة، وكانت تلك الرسائل سبباً في الكثير من اتهام الطوائف الأخرى للدروز بالكفر وبأنهم خوارج وبابتداع دين جديد، وما زال بعض شيوخ الموحدين يعتقدون بأن تلك الرسائل صحيحة وبالأخص ما يتعلق منها بتأكيد ألوهية الحاكم بأمر الله، وفي مقارنة واضحة بين الرسائل التي وردت ما قبل وما بعد الرسائل المزورة يظهر الفرق واضحاً بحسب الكاتب والمؤرخ يوسف سليم دبيسي الذي تناول في موسوعته أهل التوحيد كل اللغط والاتجاهات المختلفة ودعمها بالحقائق والمقارنات.

يعتبر الكثير من الموحدين نسب التسمية لنشتكين الدرزي بهتاناً وإجحافاً وهو بنظرهم الشخص الخائن والخارج عن العادات التوحيدية التي تعتبر من أهم أعمدتها صدق اللسان وحفظ الإخوان.

روايات أخرى وردت حول عودة نسب الدروز إلى الجنرال الفرنسي دروزو الذي قدم قديما إلى جبل لبنان واعتنقت ذريته هذه الدعوة. 

تعود أصل كلمة درزي إلى الكلمة اليونانية drous بمعنى طالب العلم وما زالت حتى اليوم تستخدم هذه الكلمة باللغة العربية للدلالة على التعلم (دروس)

وكذلك تذهب رواية ثالثة إلى أن الدروز من نسل الملك الانجيليزي ريتشارد قلب الاسد ولكن كل تلك الروايات جاءت وفق غايات استعمارية وترتيبات سياسية مرت على تاريخ المنطقة.

تعود أصل كلمة درزي إلى الكلمة اليونانية drous بمعنى طالب العلم وما زالت حتى اليوم تستخدم هذه الكلمة باللغة العربية للدلالة على التعلم (دروس) وربما أخذوا هذا اللقب لصلتهم الوثيقة بالفلسفة اليونانية التي دخل جزء كبير منها في دعوتهم، وبالنسبة للروايات التي تتحدث عن أصل فرنسي أو انكليزي للدروز فهي مستبعدة خاصة أن الدراسات والمراجع تؤكد انحدار الجماعات التي اعتنقت الدعوة التوحيدية بعضها من المناذرة في حين بعض عشائر الدروز في حوران يعود نسبها إلى الغساسنة.

 

 

ولا شك أن أسماء العائلات والكنى حتى وقتنا الحالي يعود أصلها إلى القبائل العربية، ويُطلق على الموحدين الدروز لقب (بنو معروف) بما معناه أنهم أهل الإحسان والمعروف، وهو ما أكده عدد كبير ممن زارهم في بيوتهم وقراهم.

اعتنق الدعوة التوحيدية عدد من القبائل التي استوطنت جبل لبنان ومنهم التنوخيون والمعنيون والشهابيون، وتولى المعنيون حكم جبل لبنان وبرز منهم فخر الدين المعني الأول ومن ثم فخر الدين المعني الثاني الذي شكل بعد عودته من منفاه الإيطالي جيشاً قوياً وبنى دولة حديثة وصلت حدودها شمالا حتى طوروس-أمانوس على حدود تركيا حاليا، وجنوبا حتى العقبة والعريش في مصر حاليا، ومناطق على تخوم دمشق، ومنطقة تدمرمستفيداً مما تعلمه في أيطاليا من أساليب عسكرية وتكتيكية، وبعد حكم المعنيين تولى الحكم الشهابيون واشتهر منهم الأمير بشير الشهابي الكبير.

توزع الموحدين الجغرافي في بلاد الشام:

يتوزع الموحدون على كل من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ويُقدر عددهم بنحو مليون ونصف المليون.

 تواجد الدروز في جبل حوران هو تواجد حديث، يعود إلى نهايات القرن السابع عشر، تحديداً عام 1685 م، حيث هاجر إليه من لبنان ما يقارب 200 شخص موحد مع عائلاتهم. ثم تبعت ذلك موجةٌ أخرى أكبر حجماً في 1711م، وذلك على خلفية الصراع بين اليمانيين والقيسيين «الأمراء الشهابيون» الذين كانت لهم الغلبة، وكانت المواجهات بين الموارنة والدروز 1840-1860م سبباً أيضاً في هجرة كبيرة للدروز نحو جبل العرب وأصبح جبل العرب (محافظة السويداء) التجمع الأكبر للموحدين على مستوى العالم، ويبلغ عدد سكانه حوالي 350 ألف نسمة ويتوزعون على 3 مناطق رئيسية: السويداء المدينة ومنطقة شهبا ومنطقة صلخد والعديد من النواحي والقرى الكبيرة وتبلغ مساحة المحافظة 6550 كم مربع.

 

 

ويتوزع الموحدون الدروز على مناطق مختلفة في سوريا ففي منطقة جبل الشيخ وتحديداً في وادي العجم يقيم بضعة آلاف في عدد من القرى مثل بقعسم وحضر وعرنا وعين الشعرة وغيرها وفي دمشق وريفها يتواجدون في مدينة جرمانا وبعض التجمعات الصغيرة مثل منطقة باب مصلى، وفي محافظة إدلب منطقة جبل السماق ويوجد فيها 18 قرية تحتوي على حوالي 16 ألف نسمة مثل كفتين وقلب لوزة (حدثت فيها مجزرة نفذتها جبهة النصرة بحق المدنيين راح ضحيتها 24 شخصاً في العام 2015)

مواصفات الموحدين الدروز ومآثرهم الوطنية في سوريا:

طرح الرحالة حنا أبو راشد سؤالاً حول الدروز، ويجيب متعب الأطرش أحد وجاهات الجبل: «نحن نُعتبر ثلاثة مثلثات، ثلث نحافظ عليه، وثلث نجبر على فعله، وثلث نختار القيام به، فالثلث الذي نحافظ عليه حفظ العرض وحفظ القومية وحفظ العادات، والثلث الذي نجبر على فعله الدفاع عن هتك العرض والحرب على من يخرق حدود استقلالنا وذبح من يمسّ كرامتنا، ومعتقداتنا، والثلث الذي نختاره صيانة الضيف وخدمته والطاعة العمياء لأولياء أمورنا وإقامة الأفراح والولائم في أفراحنا وأتراحنا، وحروبنا، ومواساة من يلتجئ إلينا".

الموحد كريم بطبعه ويتحلى بمناقبيات ورثها عن أجداده وهي عادات عربية أصيلة ومنها إكرام الضيف وإغاثة الملهوف،

"الدرزي فارسٌ ثابت، ومحارب بالفطرة، شجاعة الدرزي خارقة، مذهلة"

ومن المتعارف عليه عند الموحدين الدروز الاعتماد على ركائز أساسية منها صدق اللسان وتكتب (سدق) لما للأحرف من دلالة في صلب دعوتهم، وركيزة أخرى هي حفظ الإخوان.

ومن المعروف بأن الثورة السورية الكبرى ضد المستعمر الفرنسي انطلقت من جبل العرب بقيادة سلطان باشا الأطرش وذلك بعد أن لجأ إليه أدهم خنجر مستجيراً في مضافته وجاء الفرنسيون واعتقلوه فقامت ثورة عمت لاحقاً كل البقاع السورية وقدم خلالها جبل العرب حوالي ثلاثة آلاف شهيد من الموحدين.

وفي وصفهم يقول الجنرال الفرنسي أندريا: "الدرزي فارسٌ ثابت، ومحارب بالفطرة، شجاعة الدرزي خارقة، مذهلة".

 

 

ومن عادات الموحدين الإخلاص لدولتهم التي يعيشون فيها ولا يطمحون للانفصال أو تشكيل جسم مستقل عن الأم سوريا وهو ما فعله سلطان الأطرش حين عُرض عليه الاستقلال بدولة (جبل الدروز)، لكنه رفض الإغراءات وحُكم عليه بالإعدام من قبل الفرنسيين ولجأ بعدها إلى وادي سرحان في الأردن ليقيم في الصحراء سنوات طويلة مع الكثيرين من المقربين منه فعاش حياة صعبة حتى تم العفو عنه بضغط شعبي آنذاك، ليعود لقريته الصغيرة (القريّا). وحين قدم إليه وفد من دمشق بُعيد الاستقلال يعرضون عليه أن يمارس عملاً سياسيا في إدارة البلاد وكان حينها يقوم بالحراثة في بستان التفاح الذي يملكه وقال مقولة شهيرة نقلها عنه مقربون (طلعنا من الأرض ومنرجع للأرض، نحنا خلص دورنا).

 

كلمات مفتاحية