المنطقة الآمنة واتفاق أضنة

المنطقة الآمنة واتفاق أضنة

الصورة
تعزيزات عسكرية تركية إلى الحدود مع سوريا(الأناضول)
28 كانون الثاني 2019

يبدو التفاهم الواضح، بين تركيا والولايات المتحدة، بشأن المنطقة الحدودية الآمنة في الشمال السوري، ما يزال بعيداً عن التحقق في المدى المنظور. الطرفان المعنيان ما يزالان يتبادلان التصريحات التي تُظهر تفاهماً مبدئياً حول ذلك، ولكن دون أن تصل إلى درجة الاتفاق السياسي والأمني، الذي يقود إلى بدء تنفيذها على الأرض، لتنتقل من مجرد أُمنية، خطة محتملة، وبديلة لملء فراغ قد يحصل، إلى واقع يتعزز عبر إجراءاتٍ عسكرية وأمنية، تُحدث تغيراً جوهرياً في المنطقة، من مؤشراته الأساسية إبعاد التنظيمات الإرهابية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، عن المنطقة الحدودية بعمق 30 كم.

حتى اليوم، ليس ثمة صورة واضحة لاحتمالات المشهد المستقبلي للمنطقة الشمالية السورية، فقد قادت الخلافات داخل الإدارة الأميركية بشأن خطط ترمب، إلى إحداث إرباكات متعددة، على أكثر من صعيد، بشأن التوصل إلى تصورات يمكن اعتمادها كأساس لبناء إستراتيجية تتصل بالجزيرة الفراتية بوجه خاص، والشمال السوري، بصفة عامة، دون أن يكون ذلك متصلاً بملف إدلب، الذي يبقى مفتوحاً على احتمالات مريرة، ويخضع للتفاوض بين موسكو وأنقرة، وبالطبع طهران.

المنطقة الآمنة، وعلى الرغم من قبول إدارة ترمب بها من حيث المبدأ، بعد سنوات من الاقتراح التركي بشأنها، وبذلها جهوداً ديبلوماسية وأمنية واسعة، لم تؤد إلى نتائج عملية

المنطقة الآمنة، وعلى الرغم من قبول إدارة ترمب بها من حيث المبدأ، بعد سنوات من الاقتراح التركي بشأنها، وبذلها جهوداً ديبلوماسية وأمنية واسعة، لم تؤد إلى نتائج عملية. لم تعط الإدارة الأميركية أية موافقة، تسمح لتركيا من البدء في تنفيذ خطة المنطقة الآمنة. واشنطن غير متحمّسة لما تراه أنقرة ضرورة. مايزال الأمر مرتبطا بشكل وثيق بموافقتها على ذلك. وعلى المدى المنظور، لاتبدو أنها في وارد الإقرار بحق تركيا، في مواجهة التحديات الأمنية، التي تتسبب بها ميليشيات العمال الكردستاني في سوريا.

في السابق، كانت المسألة تتصل بإيجاد منطقة محظورة الطيران، بحيث لايتمكن النظام من استهدافها، وبالتالي إيجاد منطقة آمنة للمدنيين، ويمكن إعادة المهجرين من مناطق سورية عديدة، ومن المخيمات إليها. وبعد التطورات التي حدثت خلال السنوات الخمس الماضية، وخاصة سيطرة ميليشيات وحدات حماية الشعب على مناطق واسعة، تغير الهدف إلى منطقة آمنة.  جوهره إبعاد خطر الإرهابيين عن الحدود التركية، بعد استيلائها على المنطقة بدعم أميركي، في سياق الحرب على داعش.

لم تشكل حماية المدنيين السوريين، من جرائم ومذابح الطيران السوري، أية أهمية بالنسبة للقوى الدولية الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، والدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. فلم توافق على اقتراح تركيا بشأن المنطقة العازلة. وعطلت إدارة أوباما أية جهود في هذا الإطار. كما أن إدارة ترمب، التي أعطت أولوية لمحاربة الإرهاب في المنطقة، ماتزال تمنع قيام هذه المنطقة وتشترط  موافقتها، لأي دخول عسكري إلى الشمال السوري، مع ضمان حماية قسد، أي عدم قيام أنقرة بأية عملية عسكرية تستهدف قوات سوريا الديمقراطية. وفي السياق ذاته، أيضاً يتم تأجيل عملية منبج بسبب الموقف الأميركي ذاته.

واشنطن توافق أنقرة على مخاوفها، ولكنها تعارض أية خطوات عملية في هذا الإطار. ولذلك تبقى الأوضاع في حال من التوتر والترقب الذي يجعل من جميع الأطراف على أهبة الاستعداد للمواجهة في أية لحظة، خاصة ميليشيا قسد التي تعيش مرحلة صعبة للغاية، مع عدم الثقة بالطرف الأميركي الداعم لها، وهي تبذل كل جهد ممكن لدفع الولايات المتحدة، إلى التراجع عن قرار الانسحاب، عبر قيامها بتفجير الوضع الأمني في مناطق وجودها، والتي شهدت العديد من عمليات التفخيخ والتفجير، الهدف الحقيقي منها، هو إيصال رسالة إلى المجتمع الدولي، بأن بقايا داعش ماتزال موجودة، وثمة خلايا نائمة، ووظيفة قسد يجب أن تستمر!

عدم بتّ الولايات المتحدة، بالتفاهمات مع أنقرة بشان الوضع في الشمال، دفع موسكو للدخول، على خط المنطقة الآمنة، وعلى محاولة التسلل إلى الشمال السوري، بصورة أو بأخرى. ومن ذلك، عودة الحديث عن اتفاق أضنة الأمني المعروف.

واشنطن توافق أنقرة على مخاوفها، ولكنها تعارض أية خطوات عملية في هذا الإطار. ولذلك تبقى الأوضاع في حال من التوتر والترقب

في واقع الأمر، اتفاق أضنة تمّ بسبب الهاجس الأمني ذاته، الذي يدفع تركيا أردوغان اليوم، لإنشاء المنطقة الآمنة. وقد توقف العمل به فعلياً منذ أن أخرجت دمشق عبدالله أوجلان عام 1998، وأغلقت معسكرات العمال الكردستاني في سوريا ولبنان. ولم تعد ثمة حاجة إليه، بعد أن أذعنت دمشق لمطالب أنقرة بالكامل، بما فيها قضية إنهاء الخلافات الحدودية. لم يكن الملحق الثالث في الاتفاقية سريّاً. كان كل شيء واضحاً في حينه، بما فيها التزام الأسد الأب بالتخلي عن لواء الإسكندرون، بالصورة المهينة، التي نتجت عن وساطة حسني مبارك وقتذاك. ولم يستطع بالطبع أحد من السوريين – بشكل علني - مناهضة تلك الاتفاقية التي حققت لتركيا مطالبها السياسية والأمنية بالكامل.

إعادة تفعيل الاتفاقية اليوم، بالتعديل المقترح تركيّاً: أي الدخول بعمق 30 كم، والتعديل المقترح روسيّاً أي بوجود  النظام الأسدي في مناطق عازلة بين الكردستاني، والمناطق التي سوف تدخلها أو تديرها تركيا، في خطة المنطقة الآمنة، لا تبدو أنها مقبولة، مع رفض أي  وجود للنظام، الذي يحتفظ بعلاقات وطيدة مستمرة، مع ميليشيات صالح مسلم. وفي جميع الأحوال، استعادة اتفاق أضنة لن يحقق مبتغاه. الزمن ومعطيات الواقع تجاوزت الاتفاق الأمني، بأهدافه وظروف التوقيع عليه.  لا تستطيع موسكو أن تحدث أي تأثير، فهي لاتملك حق اتخاذ القرار بشأنه، بأي شكل. وباختصار، إن ذلك أصبح مرتبطاً بسياسة الولايات المتحدة وتصوراتها حيال المنطقة. أي تغيير في المعادلات القائمة، يجب أن يحظى بموافقة صريحة ولا لبس فيها، من قبل واشنطن.

الإدارة الأميركية ليست عجولة للوقوف على تطورات الوضع في الشمال السوري، كل شيء كما يبدو لها تحت السيطرة، خاصة أنها مشغولة بالإشكاليات المقبلة عليها في ظل التعايش بين الديمقراطيين والجمهوريين، في تركيبة الكونغرس الجديدة، ولن يكون بمقدور ترامب – مكرهاً - الإمساك بخيوط صنع القرار لوحده، وفي صلب الإشكاليات الوجود العسكري الأمريكي في الشمال السوري، ودوره في خدمة أهداف وسياسات واشنطن في المنطقة.  

 

شارك برأيك