انطلقت صباح اليوم السبت، أعمال الدورة الخامسة من المنتدى السنوي للدراسات السورية المعاصرة الذي ينظّمه "المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة" على مدى يومين متتاليين (30- 31 آب الجاري) في دمشق.
المنتدى السنوي الذي يُعقد لأول مرة في العاصمة السورية، يقدم مجموعة من الأوراق المحكّمة التي تتناول قضايا الحوكمة وإعادة الإعمار، وإصلاح التعليم والنقابات، وتحوّلات الخطاب السياسي والديني، وديناميات الطائفية، وأوضاع اللاجئين في دول الجوار والشتات، وأدوار الفاعلين المحليين والدوليين. ويخصّص مجموعة من الورشات لمناقشة قضايا الانتقال السياسي في سوريا.
كلمة افتتاح المنتدى ألقاها الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أحمد قاسم الحسين، وأشار فيها إلى أن النسخة الحالية من المنتدى هي امتداد لـ4 دورات سابقة، نظّمها في السنوات السابقة مركز "حرمون" للدراسات المعاصرة في إسطنبول، وحملت مسمّى "مؤتمر الباحثين السوريين في العلوم الاجتماعية".
وأوضح أن الإعداد لهذه الدورة بدأ في صيف 2024، وبعد التطورات التي شهدتها سوريا، وخاصة سقوط نظام الأسد؛ تقرر عقدها في دمشق. ولفت إلى أن المنتدى سيركّز في دورته الخامسة على المساهمة في فهم التحوّلات الجارية في سوريا، دولة ومجتمعاً، وهو يجمع بين الباحثين الذين تشكّلت خبراتهم الأكاديمية وأثمر إنتاجهم العلمي خارج سوريا، والباحثين والأكاديميين في المؤسسات الأكاديمية والجامعية داخل البلاد، إضافة إلى مشاركة باحثين من دول أوروبية وعربية.
بعد ذلك، ألقى مدير مركز "حرمون" سمير سعيفان، كلمة ترحيبية تحدث فيها عن الظروف التي أُسس فيها مركز حرمون والنشاطات والمادة العلمية التي كان ينتجها حتى سقوط النظام السوري المخلوع.
ثم قدّم الدكتور محمد حسام الحافظ مدير المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، كلمة رحب فيها بضيوف المنتدى، وأكد على الإرث البحثي الطويل الذي تراكم خلال سنوات عمل مركز "حرمون" بالشراكة مع المركز العربي لدراسة السياسات، ثم عرف بالمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة في دمشق وتطرق إلى أهم الموضوعات التي سيركز عليها المركز في عمله مستقبلاً مثل دراسة المجتمع والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية وكل ما يرتبط بذلك من عوامل ثقافية وتاريخية. وشدد على أن العمل في البحث ليس ترفاً أكاديمياً بل هو ضرورة ملحة في سياق إعادة التأسيس.
الجلسة الأولى: الدستور وعودة المهجّرين وقضايا الأقليات
الجلسة الأولى من المنتدى ترأسها الأكاديمي وعضو لجنة الإعلان الدستوري في سوريا، ياسر الحويش، وتضمنت ثلاث دراسات؛ جاءت الأولى منها تحت عنوان: "قراءة في المنظومة الدستورية والقانونية في سوريا في المرحلة الانتقالية"، للباحث محمد حسام الحافظ.
تتناول الدراسة أطر المنظومة الدستورية والقانونية في سوريا خلال المرحلة الانتقالية في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي تفرض إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. وتسعى إلى تحليل الأطر الحالية، والبدائل الممكنة للشرعية القانونية، في ضوء غياب دستور دائم معتمد شعبيًا.
وتركز الورقة على التحديات التي تواجه عملية الانتقال، مثل غياب المرجعية التشريعية والمؤسسات الدستورية، واستمرار التشريعات السلطوية، وازدواجية المرجعيات القانونية. وتناقش دور الإعلان الدستوري في ملء الفراغ وتحديد قواعد تنظيم السلطة وممارستها خلال الفترة الانتقالية في البلاد.
وتبرز أهمية التأسيس لمبدأ سيادة القانون، والفصل بين السلطات، وضمان الحقوق والحريات، باعتبارها ركائز لأي نظام دستوري يحقق أهداف الشعب السوري وثورته. وتشير إلى ضرورة إشراك القوى السياسية والمدنية في صياغة المنظومة القانونية الجديدة، ومواءمتها مع معايير العدالة الانتقالية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
الورقة الثانية كانت للباحث سامر بكور، تحت عنوان "العودة الطوعية للمهجّرين السوريين: تحليل نقدي وتوصيات عملية في آليات الإعادة والعودة"، سلط فيها الضوء على التحديات التي تواجه المهجّرين السوريين الراغبين بالعودة إلى بلادهم عقب الإطاحة بنظام الأسد، بالإضافة إلى التعقيدات التي تواجه دول اللجوء الراغبة بإعادة السوريين إلى ديارهم.
أما الورقة الثالثة التي حملت عنوان "الاستقلالية غير المرتبطة بالأرض باعتبارها مفهوماً للتعامل مع قضايا الأقليات في سوريا: مراجعة نقدية"، فتناول فيها الباحث عامر كاتبية مفهوم الاستقلال الذاتي باعتباره أداة لإدارة شؤون الأقليات من دون ربط حقوقهم بوحدة جغرافية محددة. وقد طبق هذا المفهوم في سياقات تاريخية، أبرزها النموذج العثماني، ويظهر في العصر الحديث ضمن أنظمة ديمقراطية تمنح الأقليات تمثيلاً ومشاركة موسعة، كما هو الحال في إستونيا ولبنان، وتسعى إلى تحليل تجليات هذا المفهوم في السياق السوري وصولاً إلى توظيفه من قبل النظام والقوى السياسية المعاصرة بذريعة حماية الأقليات.
وتعتمد الورقة على مراجعة تحليلية للوثائق والدراسات ذات الصلة، بهدف تقديم فهم نقدي وعملي لآليات الاستقلال اللامناطقي ودوره المحتمل في ضمان حقوق الأقليات في سوريا.
تلت فقرات الجلسة الأولى، محاضرة بعنوان "سوريا بين زمنين" للأكاديمية والباحثة الأميركية المهتمة بالشؤون السورية، ليزا ويدين، تطرقت فيها إلى التغيير الذي تشهده سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول الفائت، وركّزت فيها على قضايا المحاسبة والمساءلة والعدالة الانتقالية.
الجلسة الثانية: الخطاب السياسي وصراعات النفوذ الإقليمي والدولي
في ورقته المعنونة "تطورات السياسات الخليجية تجاه سوريا: أبعاد ومنظورات 2011-2015"، تطرّق الباحث حمد الله بايكار في أولى دراسات الجلية الثانية، إلى المواقف المتباينة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من التطبيع مع النظام السوري. وركز على الدوافع السياسية والاقتصادية، والتحديات الإقليمية والدولية.
ورصدت الورقة انقسام المجلس بين دول مؤيدة بقيادة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وأخرى متحفظة كقطر والكويت، وناقشت تأثير النفوذ الإيراني، والتقارب مع إسرائيل، ومواقف القوى الكبرى، كالولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإيران، من هذا المسار. واستعرضت انعكاسات هذا التقارب على إعادة الإعمار والتوازن الإقليمي في سوريا.
وقدّم محمد المصري دراسة بعنوان: "تصور الدولة العلمانية بعد الثورة السورية.. تراجع أم تطور؟"، سعى من خلالها إلى استكشاف تصورات السوريين لمفهوم "الدولة العلمانية"، في سياقهم الاجتماعي والسياسي مع إبراز تنوع مواقفهم المرتبط بالخلفيات التاريخية والدينية والسياسية. وتوضح الورقة أن العلمانية، رغم جذورها العميقة في المنطقة، تعرّضت لتشويه سياسي وديني، أسهم في حدوث نفور شعبي منها، خصوصاً خلال الصراع السوري.
وتعتمد الورقة على استبانة ومقابلات نوعية مع سوريين من مناطق مختلفة، لتفهم رؤيتهم للعلمانية وتأثيرها في الإصلاح الدستوري والاستقرار الاجتماعي. وتؤكد ضرورة بلورة نموذج علماني يراعي خصوصية المجتمع السوري، بعيداً عن النماذج الغربية.
أما ورقة إبراهيم الخولاني "التغيرات التي طرأت على الثقافة الدينية لدى الشباب السوريين في تركيا.. دراسة ميدانية في إسطنبول"، فتتناول التغيرات التي طرأت على الثقافة الدينية لدى الشباب السوريين في إسطنبول، في ظروف اللجوء والتفاعل مع بيئة ثقافية جديدة. وتستخدم المنهج النوعي، معتمدة على استبانات ومقابلات معمقة لفهم مواقف السوريين من قضايا عدة، مثل ممارسة الطقوس الدينية، وقضايا المرأة، وفصل الدين عن السياسة، والعلاقة مع رجال الدين، وتظهر النتائج تبايناً بين من تبنوا نمطاً أكثر مرونة في التدين، وتيار لا يزال محافظاً، وتبرز تأثيرات العمر والجنس والتعليم والوضع العائلي في تشكيل هذه التحولات التي تتأثر بعوامل نفسية واجتماعية وثقافية. وتستند إلى إطار نظري يدمج بين نظريات عدة، مثل التكيف والتحوّل الديني والتديّن الفردي لفهم ديناميات الهوية الدينية في سياق الاندماج.
الجلسة الثالثة: اللجوء والشتات والتحولات الدينية في المجتمعات السورية المهاجرة
الجلسة الثالثة والأخيرة، اشتملت على ورقتين فقط، تناولتا حياة اللجوء والتهجير وتحديات الاندماج في البلاد المستقبلة.
قدمت الباحثة ماري كورتام ورقة بعنوان "اللاجئون السوريون في لبنان بين السياسات التمييزية وخطاب الكراهية وقوارب الموت"، بحثت فيها أوضاع اللاجئين السوريين في لبنان ضمن سياق قانوني وسياسي هش، في ظل غياب إطار قانوني وطني لحمايتهم.
وتسلط الورقة الضوء على السياسات التمييزية، وتصاعد خطاب الكراهية، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت العديد منهم إلى الهجرة غير النظامية عبر قوارب الموت". وتوثق مظاهر التهميش وخرق القوانين، وتبرز أن هذه السياسات تؤدي إلى تكريس منطق الهروب القسري". وتناقش تحول سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه ملف اللجوء بعد 2011، واعتماده على آليات غير رسمية.
وتخلص الباحثة إلى أن تحسين واقع اللاجئين يتطلب شراكة متعددة المستويات تشمل الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي والجهات الإنسانية الفاعلة.
أما الباحثة مي الخطيب، فاستعرضت دراسة بعنوان "تأثير الحنين والترابط الاجتماعي في استراتيجيات التثاقف المتبعة لدى اللاجئين والمهاجرين السوريين في أوروبا"، تحدثت فيها عن دور الحنين Nostalgia، بأبعاده الإيجابية والسلبية، في تشكيل استراتيجيات التثاقف (الاندماج أو الانفصال) لدى اللاجئين والمهاجرين السوريين في أوروبا، حيث شملت عينة من 1028 مشاركاً.
وأظهرت النتائج أن الحنين الإيجابي يعزز الاندماج ويساعد في بناء جسور ثقافية مع المجتمع المضيف، وأن الحنين السلبي يرتبط بالانفصال والعزلة والتمسك المفرط بالثقافة الأصلية. وتبيّن أن الترابط الاجتماعي يعد متنبئا مهما في تحديد هذه الاستراتيجيات. وتوصي بتوظيف الحنين إيجابيًا في برامج الدعم النفسي والاجتماعي، لتعزيز التكيف الثقافي والتعايش بين اللاجئين والمجتمعات الأوروبية.
وفي ختام فعاليات اليوم الأول، عُقدت ورشة بعنوان "المنظومة السياسية في سورية الجديدة بين الإرث السلطوي وتطلعات التغيير"، أدارها إبراهيم دراجي بمشاركة باحثين وخبراء، حيث ناقشوا التحديات التي تواجه الانتقال السياسي، وإمكانات بناء نظام حكم ديمقراطي يقطع مع موروث السلطوية.
