المفتي محمود الحمزاوي بين المكائد السّياسيّة ودعم الفنّ

2022.01.09 | 06:13 دمشق

5c310e53-c8b4-4e03-9678-48709ed64e32_0.jpg
+A
حجم الخط
-A

كان أوّل من يتقلّد منصب الإفتاء من عائلة الحمزاوي التي تؤول إليها نقابة الأشراف؛ ففي عام 1868م أعلن عن تعيين الشّيخ محمود الحمزاوي مفتيًا لولاية دمشق، وذاع صيتُه في الآفاق أكثر وكانت تأتيه المسائل الفقهيّة والشرعيّة من أنحاء السلطنة العثمانيّة بل من بعض البلاد الأوروبيّة لما اشتهر عنه من سعة علم وحدة ذكاء ونفاذ بصيرة.

  • تغير موقفه من السلطة العثمانيّة وتقويضها صلاحياته

كان الشّيخ محمود الحمزاوي شديد الحماسة للعثمانيين في شبابه منافحًا عن سلطتهم، غير أنّ الحال لم يبقَ كذلك مع تقدّمه في العمر، وبعد أن آل إليه منصب الإفتاء كان هناك تغيّر واضح في مواقفه من السّلطة العثمانيّة.

كما أنّ المزاج العثمانيّ العام تغيّر أيضًا تجاهه فلم تعد له تلك الحظوة أو الحضور ووصل الأمر إلى تقويض الصّلاحيّات التي كانت ممنوحةً له في مجلس إدارة ولاية دمشق.

بدأ المزاج العثماني يتغيّر مع مراقبة علاقات الشّيخ محمود الحمزاوي التي توطّدت بشكلٍ لافت مع هولو باشا العابد، أحد أهمّ رجال الدولة آنذاك وهو من حيّ الميدان من خارج أسوار مدينة دمشق، وقد تسلّم عدة مناصب رفيعة في زمن الدّولة العثمانية وكان مديرًا لمجلس ولاية سوريا ثم رئيسًا لغرفة زراعة دمشق سنة 1890. وهو والد أحمد عزت باشا العابد، كبير أمناء السلطان عبد الحميد الثاني وجدّ كلّ من نازك العابد إحدى أبرز القيادات النّسائيّة في سوريا في مطلع القرن الماضي، وكذلك جدّ محمّد علي العابد، أول رئيس جمهورية في سوريا.

غير أنّ أهمّ ما صار يوصف به العابد هو أنّه زعيمُ "الحزب الحرّ المعتدل" وهو حزبٌ ذو ميولٍ فرنسيّة كما كان يشاعُ في تلكم الفترة، وعندما توطّدت علاقة هولو باشا مع الشّيخ محمود الحمزاوي والأمير عبد القادر الجزائري اتّخذ الوالي العثماني مدحت باشا إجراءات بحقّ الشّيخ محمود الحمزاوي كان منها أنّه أهمله إهمالًا تامًا فلم يعد يكترث به أو يدعوه إلى أيّ من الاجتماعات الرّسميّة أو المناسبات العامّة، كما فرض الوالي على جمعيّة المقاصد الخيريّة مجلسًا للمعارف تابعًا لإسطنبول يقرّر بشأنها ممّا يعني إلغاء صلاحيّات الشّيخ الحمزاوي وتقويضها بالكليّة.

كان القنصل الفرنسي في دمشق المسيو فليش يراقب هذه التّطوّرات عن كثب أيضًا، ويذكر المسيو فليش أنّ سبب هذه الإجراءات بحقّ الشّيخ محمود الحمزاوي هو أنّ السلطان عبد الحميد الثّاني اكتشف مؤامرة كان يعدّها كلّ من الشّيخ محمود الحمزاوي والأمير عبد القادر الجزائري بالتّرتيب مع هولو باشا العابد وشخصيّات من الحجاز والعراق تقوم على إعلان العصيان المسلّح ضدّ السّلطة العثمانيّة في الحجاز ليمتدّ بعدها فورًا إلى عشائر الشّام والعراق، وينضمّ هذا العصيان المسلّح بعد نجاحه إلى ثورة المهدي في السّودان.

واستنادًا إلى المسيو فليش فإنّ السّلطان عبد الحميد الثّاني أرسل على الفور موفدين عنه إلى دمشق ليختاروا مجموعة من علمائها ليقوموا بتحرّك مضاد ويحبطوا هذه المحاولات التي وصلته عن الشّيخ الحمزاوي والأمير عبد القادر.

في الحقيقة ليست هناك معلومات أكثر تفصيليّة عن هذه المؤامرة، كما أنّ هذه المعلومات التي وصلت إلى السّلطان عبد الحميد قد لا تكون أكثر من كيد سياسيّ قام به الوالي مدحت باشا الذي كان يغيظه ويزعجه تعاظم نفوذ هذه الشّخصيّات الثلاثة في دمشق وهم الشّيخ الحمزاوي والأمير عبد القادر وهولو باشا العابد، لكن ما لا شكّ فيه أنّ موقف السّلطان عبد الحميد ورجاله تغيّر كليًّا تجاه الشّيخ الحمزاوي، وظهر ذلك جليًّا في حياته بتقويض صلاحياته وعزله بطريقة هادئة من فضاءات الحياة العامّة، كما ظهر عند وفاته إذ رفض شيخ الإسلام في السلطة العثمانيّة وهو المفتي العام للسلطنة بشكلٍ قاطع تعيين الشّيخ أسعد الحمزاوي مفتيًا للشّام عقب الشّيخ محمود الحمزاوي على الرّغم من ترشيحه من وجهاء وأعيان دمشق وعيّن الشّيخ محمّد المنيني خلفًا للشّيخ الحمزاوي.

  • موقفٌ متفرّد من الفنّ

من المواقف اللّافتة في حياة الشّيخ محمود الحمزاوي خروجه عن الموقف النّمطيّ لعموم العلماء في عصره من الفنون التي كانت طارئةً على المجتمع لا سيما المسرح.

كانت صداقةٌ شخصيّة تجمع بين الشّيخ محمود الحمزاوي والتّاجر الدّمشقيّ محمّد آغا آق بيق، وهو والد رائد المسرح "أبو خليل القبّاني".

عندما ختم أبو خليل القرآن الكريم في بداية شبابه زاره الشّيخ الحمزاوي في بيته في مئذنة الشّحم، وبارك له ونصحه أن يسلك طريق العلم الشرعيّ لما لمس فيه من نباهة أو أن يسلك سبيل التّجارة على نهج والده وأسرته، وقد كان نما إلى سمعه تردّد الشّاب الحافظ لكتاب الله تعالى إلى مقهى في حيّ العمارة لمتابعة مسرح خيال الظلّ "كراكوز وعيواظ" وهو ما كان غير معهودٍ على المشايخ وطلابهم في تلكم الفترة.

وعندما وصلت الأخبار إلى مسامع شيوخه عن تردّده إلى هذا المقهى طردوه من دروس الجامع الأموي لأنّ من أصبح من روّاد المقاهي لا مكان له في حلقات العلم الشّرعيّ، واكتمل المشهد حين رآه والده يمارس التّمثيل أمام المرآة في البيت فطرده أيضًا من البيت، فانطلق أبو خليل مصرًّا على تحقيق رغباته الفنيّة، فاستأجر محلًّا لوزن القبّان وصار ينفق من عائداته على فنّه، ومن يومها تغيّرت نسبته من آق بيق إلى القبّاني.

بدأ أبو خليل القبّاني عروضه المسرحيّة ليكون رائد المسرح العربيّ، فتضاعفت نقمة العلماء والدّعاة عليه ووصفوا أعماله بأنها منافية للشّرع والأخلاق، حاول القبّاني أن يحاورهم لإقناعهم فرفضوا، فعرض عليهم مشاركتهم بعائدات شبّاك التذاكر، وقدّم لهم بطاقات مجانيّة كي يشاهدوا ما كان يحتوي مسرحه من قيم وعبَر أخلاقية وقيم راقية، فرفضوا ذلك أيضًا، غير أنّ المفاجأة كانت بأنّ المفتي الشّيخ محمود الحمزاوي وحده هو الذي قبل ذلك وذهب فعلًا وحضر العديد من العروض المسرحيّة التي كان يقدّمها أبو خليل القبّاني.

كان حضور الشّيخ محمود الحمزاوي تلك العروض المسرحيّة دافعًا إضافيًّا للقبّاني لاستمرار عمله ودعمًا معنويًّا كبيرًا من رأس المؤسّسة الدّينيّة في ولاية دمشق آنذاك، غير أنّ هذا لم يرق لبقيّة العلماء والمشايخ فأرسلوا الشّيخ سعيد الغبرا وهو أحد أبرز العلماء والمدرّسين في الجامع الأمويّ فذهب الشيخ إلى إسطنبول ووقف على أبواب الجامع، منتظرًا خروج السّلطان عبد الحميد الثاني، ثم خاطبه قائلًا: "أدركنا يا أمير المؤمنين؛ فإن الفسق والفجور قد تفشّيا في الشّام!" وقدم معروضًا للسلطان، باسم "الأئمة والعلماء" وموقّعًا منهم أدّى إلى إغلاق مسرح القباني بفرمان سلطانيّ.

غير أنّ مستشار السّلطان الدّمشقي أحمد عزت العابد ابن هولو باشا العابد المقرّب من الشّيخ محمود الحمزاوي رتّب بعد فترة من المنع لقاءً بين السّلطان عبد الحميد الثّاني و"أبو خليل القبّاني"، وكان اللّقاء ودّيًا فاستشعر السّلطان أنّه ظلم القبّاني بقراره فأصدر قرارًا بمنع التعرّض له بتاتًا ليعود إلى عرض مسرحيّاته في دمشق.

وفي إطار علاقة الشّيخ الحمزاوي بالفنّ والأدب فإنّه من اللّطيف الإشارة إلى أنّه جدّ الشّاعر والوزير السّوري خليل مردم بك مؤلّف النّشيد الوطني السّوري "حماة الدّيار" الذي اعتمد نشيدًا وطنيًّا لسوريا من عام 1938م.

كما أنّه شقيق جدّ الأديبة السّوريّة المشهورة ألفة الإدلبي، وكلاهما ولد بعد وفاته غير أنّ الإشارة استئناسيّة للإشارة إلى جوّ العائلة الأدبيّ والفكري.

في عام 1887م مرض الشّيخ محمود الحمزاوي فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: كيف دخلت يا محمود؟ وكيف خرجت؟ فأجابه: دخلتُ على أنّك رسول الله! وخرجتُ على أنّك رسول الله! فأخبر من حوله أنّ أجله دنا وما هي إلّا أيّام قلائل وفارق الحياة بعدها وقد خلّف وراءه العلم الغزير والمؤلفات الكثيرة والمواقف الاجتماعيّة والسّياسيّة التي تفرّد بها عن غيره من أركان المؤسّسة الدّينيّة آنذاك.