icon
التغطية الحية

المعرفة المتنقلة.. كيف أعاد المنفى تشكيل العقل الثقافي السوري؟

2025.11.22 | 16:29 دمشق

آخر تحديث: 22.11.2025 | 16:30 دمشق

الب
تلفزيون سوريا ـ مالك الحافظ
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- إعادة تعريف المنفى والتجربة الثقافية السورية: المنفى السوري أصبح بنية معرفية جديدة، حيث يعيد السوريون اكتشاف أدواتهم الثقافية والفنية في بيئة تتقاطع فيها لغات وتجارب متنوعة، مما يخلق معرفة جديدة دون التخلي عن الجذور.

- المعرفة العابرة للحدود والفضاء الثالث: تطورت المعرفة السورية في الشتات لتصبح عابرة للحدود، مما يخلق "الفضاء الثالث"، وهو حيّز هجين يسمح بإعادة تركيب الإرث الثقافي باستخدام أدوات جديدة.

- إعادة تشكيل الذات الثقافية والهوية: الشتات السوري هو عملية مستمرة لإعادة تشكيل الذات الثقافية، حيث تتحول الهوية إلى مشروع متجدد من خلال اكتساب لغات جديدة والانخراط في بيئات أكاديمية مختلفة.

من الصعب مقاربة التجربة الثقافية السورية في الشتات باعتبارها مجرد امتداد جغرافي لحركة الهجرة الكبرى، لأن ما نشأ خلال السنوات الماضية ليس "شتاتاً" بالمعنى المألوف، بقدر ما يتمثل كبنية معرفية جديدة أعادت صياغة علاقة السوري بذاته، وبثقافته، وبالعالم. وبذلك لا يمكن اعتبار المنفى مكاناً خارج الوطن، وإنما أصبح فضاءً معرفياً مستقلاً، تتحرك فيه الأفكار بلا وصاية، وتتشكل فيه الهويات بالممارسة، وليس بالانتماء الجغرافي فقط. وإذا كان المنفى قديماً علامة انقطاع، فإنه في الحالة السورية بات مجال وصلٍ مع العالم الذي فُتحت أبوابه، ووصلٍ مع الذات التي كانت محكومة بحدود ضيقة من التعبير.

لقد تحول المنفى أو بلدان اللجوء والمهجر في التجربة السورية إلى مساحة تسمح للكاتب والفنان بإعادة اكتشاف أدواته، وليجد المثقف نفسه فجأة أمام عالم واسع تتقاطع فيه لغات وتجارب وأساليب حياة مختلفة، الأمر الذي يغيّر طريقته في التفكير والكتابة. وهكذا يظهر شكل جديد من المعرفة، معرفة تتحرّك مع أصحابها بين المدن والبلدان، وتحمل أثر الرحلة في نبرتها وإيقاعها، دون أن تتخلى عن جذورها الأولى، وهي معرفة لا تُذيب السوري في محيطه الجديد فقط، لكنها تمنحه قدرة على أن ينظر إلى تجربته من زاويتين معاً؛ من ذاكرة المكان الأول، ومن مسافة التأمل التي يتيحها العيش خارج حدوده.

المنفى كشرط معرفي

تلك النقلة المركزية في فهم المنفى تتجاوز أن يكون "خارج الوطن" لتجعله خارج النسق، فما حدث مع آلاف الكتّاب والباحثين والفنانين السوريين هو انتقال من إنتاج ثقافي كان محكوماً ببؤر تقليدية إلى فضاء عالمي مفتوح يفرض قراءة جديدة لموقع المثقف ووظيفته. لقد اندفع السوري في الخارج إلى مواجهة أسئلة معرفية لم يكن مدعواً لمواجهتها سابقاً، فما معنى أن تكتب من مكان لا يعرفك ولا يشكّل جزءاً من مخيالك الجمعي، وما معنى أن تتعلم، فجأة، أن ترى نفسك من الخارج، وكيف يمكن للنص الذي يولد في المنفى أن يحمل جذره دون أن يُسجن في رمزيّته؟

تظهر هنا فكرة "المعرفة العابرة للحدود" بوصفها بنية فكرية قادرة على تجاوز نموذج الثقافة المغلقة، فالكاتب السوري في برلين أو باريس أو إسطنبول لم يعد ابن بيئة لغوية واحدة، إذ أصبح ابن احتكاكات يومية تصنع طبقة جديدة من الوعي.

وحين نتحدث عن المعرفة المتنقلة فنحن نقارب مفهوماً اشتغل عليه باحثو الأنثروبولوجيا المعاصرون؛ المعرفة التي لا تنشأ داخل جغرافيا واحدة بل تتكوّن من حركة الأجسام وتعدد البيئات وتبدّل اللغات. وفي حالتنا السورية يتحول هذا المفهوم إلى حقيقة ملموسة، فالمثقف المقيم في أمستردام يكتب بالعربية من داخل سياق هولندي، وقد يقرأ في أرشيف ألماني، ويشارك في نقاشات افتراضية مع باحثين من أمريكا الشمالية، وهكذا تتكوّن طبقة معرفية لا تُقاس بحدود المكان، وإنما بما يسميه بيير بورديو "تعدد الحقول"، حيث يتنقل الكاتب بين حقول ثقافية مختلفة دون أن يستقر في واحد منها.

وتتداخل هذه الحركة مع ما وصفه هومي بابا بـ"الفضاء الثالث"، أي ذلك الحيّز الهجين الذي لا ينتمي بالكامل إلى الثقافة الأم ولا إلى الثقافة المضيفة، لكنه يخلق صيغة ثالثة أكثر رحابة، وفي هذا الفضاء ينشأ السوري بوصفه فاعلاً ثقافياً يعيد تركيب إرثه الأول من خلال أدوات جديدة، ويفتح قنوات معرفية تتجاوز ثنائية الداخل والخارج. هنا يصبح المكان، بلغة هنري لوفيفر، "مكاناً مُعاشاً"، لا يُعرّف بحدوده المادية وإنما بتجربة العبور بين البيئات.

لقد أدّى هذا التداخل إلى ما يمكن اعتباره تحوّلاً معرفياً مزدوجاً؛ فمن جهة صار السوري يرث ثقافة وطنه بوصفها مادة نقدية يومية يعيد التفكير فيها، ومن جهة ثانية انفتحت أمامه ثقافات مضيفة ليست بديلاً عن الأصل، ولكنها شريكٌ في إعادة تشكيله وإعادة ترتيب زاوية نظره للعالم. من هذه الجدلية تتولد كتابة مختلفة؛ كتابة تنشأ من تماسٍّ حقيقي بين تقاليد سردية متعددة، وبين مدارس فنية وفلسفية تتجاور دون أن تلغي بعضها، فتخرج النصوص محمولة على أثر الطريق، لا على أثر مكان واحد فقط.

المنفى كمساحة لإعادة تشكيل الذات الثقافية

ما أنتجه الشتات السوري ليس مجرد تناثر للأفراد في جغرافيات مختلفة، وإنما هو تشكيل جديد للذات الثقافية؛ كذات لا تنظر إلى الهوية كجوهر ثابت، إنما كعملية تتجدد باستمرار عبر ما يسميه ستيوارت هول "التكوين المتواصل للذات"، أي الهوية بوصفها مشروعاً لا يُستكمل أبداً، فالسوري الذي يتعلم لغة جديدة يضيف زاوية نظر جديدة للعالم، لأن اللغة كما يرى فيتغنشتاين ليست أداة تعبير بقدر ما هي إطار إدراك يغيّر شبكة العلاقات التي يرى من خلالها الواقع. أما الباحث الذي يدخل بيئة أكاديمية مختلفة، فيكتشف أن المفاهيم التي تربّى عليها لم تكن حقائق نهائية، وإنما أدوات قراءة قابلة للتعديل وإعادة التشكيل، وأن المعرفة ذاتها تعيش على ما يسميه ماكس فيبر "المسافة التأملية" التي تسمح للإنسان بأن ينظر إلى مسلّماته من خارجها.

بذلك يتحول المنفى إلى حيّز لإعادة صياغة الأسئلة، فكيف يمكن للمثقف أن يكون ابن مكانين في آن واحد، وما الحدود التي تفصل ذاكرة المكان الأول عن مكتسبات المكان الثاني، وهل تتغير رؤيته للعالم حين يصبح هو نفسه موضوعاً لفضول الآخرين، بوصفه حاملاً لخبرة لا تشبه خبراتهم، وكيف تؤثر المسافة على القدرة النقدية، باعتبارها بلغة بول ريكور نوعاً من "المسافة الهرمينوطيقية" التي تسمح بإعادة فهم الذات داخل سياق جديد؟

بهذه الأسئلة، يصبح المنفى أو بلدان اللجوء والمهجر أكثر من تجربة معيشة؛ يصبح بنية معرفية تُنتج شكلاً آخر من التفكير، شكلاً لا يستطيع أن يولد داخل فضاء مستقر أو داخل بيئة واحدة الاتجاه، فالتنقل في جوهره يخلق وعياً مركّباً، وعياً يرى العالم بعيون متعدّدة، ويعيد النظر في ذاته كلما تغيّر المحيط الذي يسكنه. وهنا يولد ذلك النوع من التأمل الذي يتكوّن في الحركة؛ تأمل يشبه إعادة صياغة مستمرة للذات في مواجهة ما هو جديد وما هو موروث في آن واحد.