أكثر من ستة شهور مضت على سقوط نظام الأسد في سوريا، عاد خلالها مئات الآلاف من اللاجئين والنازحين السوريين إلى بلادهم وديارهم التي هُجّروا منها خلال السنوات الـ14 الأخيرة. وفي حين يفضّل فريق كبير من المهجّرين البقاء في مختلف بلاد اللجوء لأسباب مرتبطة بأوضاعهم الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، أو بجميعها؛ يواجه عشرات الآلاف من السوريين الأتراك عقبات وتحديّات جمّة تمنعهم من تحقيق "حلم العودة" إلى وطنهم الأم.
منذ الأيام الأولى التي أعقبت سقوط الأسد في 8 كانون الأول 2024، بذلت الحكومة التركية جهوداً كبيرة لتسهيل عودة العائلات السورية الخاضعة للحماية المؤقتة إلى ديارها، بدءاً من فتح المعابر البرية أمامها، والسماح لأحد أفرادها بأكثر من زيارة للوطن تمهيداً للعودة الكاملة، وصولاً إلى منحهم خيار السفر جواً عبر المطارات التركية بوثيقة عبور لمرة واحدة تمنحها القنصلية السورية لرعاياها المقيمين في تركيا.
وبذلك، عاد أكثر من 273 ألف لاجئ سوري طوعاً من تركيا منذ سقوط نظام الأسد، وفق تصريح أدلى به نائب الرئيس التركي جودت يلماز في منتصف حزيران الجاري. وهذا العدد يشمل حملة بطاقة الحماية المؤقتة فقط، والذين تناقص عددهم تدريجياً ليصل اليوم إلى نحو 2.7 مليون سوري.
إلا أن العائلات السورية الحاصلة على الجنسية التركية الاستثنائية (مزدوجة الجنسية)، والراغبة بالعودة -الدائمة أو المؤقتة- إلى وطنها الأول، لم تشملها تلك التسهيلات، وجرت معاملتها معاملة المواطنين الأتراك "الزائرين والسيّاح" الذين تشترط الحكومة التركية سفرهم إلى سوريا عبر المطارات تحديداً، كما لم تسمح بالدخول إلى سوريا عبر المنافذ البرية بين البلدين إلا لفردٍ واحد من أفراد تلك العائلات.
وبخلاف أصحاب الحماية المؤقتة، لا توجد إحصائية خاصة بالعائدين السوريين من مزدوجي الجنسية، بوصفهم مواطنين أتراكاً أيضاً ويحق لهم الإقامة في البلدين. وبلغ عدد السوريين الحاصلين على الجنسية التركية الاستثنائية 238 ألفاً و55 شخصاً، منهم 134 ألفاً و422 بالغاً و100 ألف و633 طفلاً، و156 ألفاً و987 شخصاً تزيد أعمارهم عن 18 عاماً، وفق تصريح لوزير الداخلية التركي علي يرلي كايا.
عودة مكلفة إلى الوطن
لم يهتم كثير من أصحاب الجنسية المزدوجة بأمر شرط العودة عبر المطارات التركية، إلا بعد إعلان الخطوط الجوية التركية استئناف الرحلات بين مطاري إسطنبول ودمشق اعتباراً من 23 من كانون الثاني 2025، بمعدل 3 رحلات أسبوعياً. حيث شكّلت الأسعار المرتفعة للحجوزات المباشرة إلى دمشق، والتي تتراوح بين 500- 700 دولار، صدمة كبيرة لدى أرباب العائلات السورية المجنّسة.
أمام تلك الأسعار، والضغط الكبير على الحجوزات، قرر "أحمد العلي" التوجه إلى سوريا عبر معبر "جوبان بيلي" التركي (معبر الراعي السوري- ريف حلب الشمالي)، تاركاً في إسطنبول زوجته وأطفاله الثلاثة، على أمل اللحاق به بعد تأمين السكن ومدارس الأولاد في دمشق، وبقية ترتيبات الاستقرار.
وفي حديثه لموقع تلفزيون سوريا، يقول العلي: "توجهت إلى دمشق عقب انتهاء عيد الفطر (أوائل شهر آذار الفائت). وبعد مضي نحو 3 أسابيع، تمكنت بعد جهد كبير من استئجار منزل بعقد لمدة 6 أشهر".
ويتابع: "اليوم يمر شهران ونصف الشهر على وجودي في دمشق، ولم أتمكن حتى اللحظة من تأمين قيمة حجوزات الطيران لأسرتي. تواصلت مع جهات تركية عدة بهدف الحصول على إذن يسمح بعبور زوجتي وأطفالي من المعابر البرّية ولكن دون جدوى".
ويوضح العلي، الذي يعمل ضمن منظّمة إنسانية نقلت أعمالها من تركيا إلى سوريا مطلع هذا العام، بأن عدد السوريين المجنّسين الذين تمكنوا من نقل عائلاتهم إلى دمشق بعد سقوط النظام، لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، مشيراً إلى أنه الوحيد من بين زملائه في المنظّمة الذي اتخذ قرار الانتقال مع عائلته، في حين لم يتجرأ البقية على خوض التجربة.
بين غازي عينتاب وحلب.. رحلة جوية 3 أيام!
بمزيج من الطرافة والامتعاض، يروي "أحمد. ح" تفاصيل رحلته مع أسرته من مدينة غازي عينتاب التي كانوا يقيمون فيها جنوبي تركيا، إلى مدينته ومسقط رأسه حلب التي عادوا إليها مطلع حزيران الجاري، والتي يفصلها عن المدينة التركية مسافة 130 كيلومتراً فقط (نحو ساعتين براً).
يعمل أحمد في مجال التصميم والطباعة، ولجأ مع زوجته إلى تركيا في منتصف عام 2012، وهناك رُزق بأربعة أبناء، ابنين وابنتين. ويقول لموقع تلفزيون سوريا: "رتّبنا أمور العودة إلى سوريا منذ مطلع هذا العام، لكننا انتظرنا حتى فرغ ابني وابنتي من الامتحانات المدرسية نهاية أيار الفائت. عندها بدأت أبحث عن أسرع وأرخص وسيلة للسفر جواً يوصلنا إلى حلب".
توصّل في نهاية الأمر إلى خيار "مرهِق ومكلف" بحسب تعبيره، وهو حجز رحلة جوية، وذلك من مطار إسطنبول إلى العاصمة اللبنانية بيروت، مروراً بأنقرة (ترانزيت)، فالرحلات المباشرة من المطارات التركية باتجاه مطار حلب الذي جرى تأهيله لاحقاً ليستقبل الرحلات الجوية، مكلفة أيضاً كما هي الحال مع الرحلات المباشرة إلى العاصمة دمشق.
ويضيف: "قبل يوم واحد من موعد الرحلة، توجهنا براً من غازي عينتاب إلى إسطنبول بوساطة الحافلة في طريق سفر استغرق 16 ساعة. بعدها أقلّتنا سيارة الأجرة إلى مطار إسطنبول، ثم انطلقت الطائرة بعد وصولنا المطار بنحو 4 ساعات متجهة إلى أنقرة. وفي أنقرة، كان علينا الانتظار لمدة 11 ساعة و50 دقيقة بالضبط لنركب الطائرة المنطلقة إلى مطار رفيق الحريري ببيروت".
ويتابع أحمد: "كل تلك الساعات لا تساوي ربع التعب والإرهاق الذي أصابنا خلال رحلتنا البرية الثانية من بيروت إلى حلب، والتي تجاوزت الـ12 ساعة أيضاً، نتيجة للبحث عن سيارة تقلّنا إلى حلب، ثم انتظارنا الطويل عند معبر (المصنع- جديدة يابوس) البري بين لبنان وسوريا".
ويعلّق في ختام حديثه متسائلاً: "ما الفائدة المرجوة من إغلاق المعابر بين البلدين بوجهنا، نحن أصحاب الجنسية المزدوجة، وحرماننا من طريق برّي لا يستغرق سوى ساعات قليلة بين عينتاب وحلب أو بين مدن الجنوب التركي المكتظة بالسوريين وبقية المدن السورية، وتحويله إلى طريق جوي استغرق أكثر من 3 أيام، وبتكاليف باهظة تقارب 10 أضعاف تكاليف السفر البري؟".
وفي تجربة مريرة مماثلة لتجربة أحمد، ينتظر "راغب باريش أوغلو" وعائلته رحلتهم المجدولة يوم الإثنين القادم (23 حزيران الجاري) عبر شركة خطوط A.JET (جِت أنادولو) التركية، إلا أن عائلة راغب ستوفّر عناء وتكاليف السفر البري من غازي عينتاب، كونها تقيم أساساً في إسطنبول.
فبعد بحثٍ مضنٍ عن رحلة رخيصة وقليلة العناء، أنشأ باريش أوغلو -وهو مدرس رياضيات- جدول بيانات استعرض فيه جميع المسارات المطروحة للرحلة من تركيا إلى حلب، مع تكاليفها، ليختار في نهاية المطاف رحلة يوم الإثنين.
ورغم أن الرحلة المذكورة لم تكن الأرخص سعراً بين بقية الرحلات والمسارات، إلا أن اختيار باريش أوغلو وقع عليها بعد تأكده من أن وقت الانتظار في أنقرة لن يتجاوز الساعتين على أبعد تقدير. ولكن الصدمة الكبرى التي تلقاها جاءت مع رسالة من الشركة قبل يومين من موعد السفر، تبلغه بتحديثات جديدة طرأت على الرحلة وبأن مدة الانتظار في مطار أنقرة ستدوم ساعات طويلة قبل إقلاع الطائرة في اليوم التالي (الثلاثاء 24 حزيران)، وفق اتصال أجراه مع موقع تلفزيون سوريا.
الحرب بين إسرائيل وإيران تعرقل عودة السوريين
إضافة لكل ما سبق، جاءت الحرب التصعيدية المستمرة بين إسرائيل وإيران منذ نحو 10 أيام، لتزيد من عراقيل سفر السوريين الأتراك العائدين إلى وطنهم الأم. فكثيرون ممّن تحمّلوا تكاليف الرحلات الجوية وتمكنوا من الحجز مسبقاً عبر مختلف شركات الطيران الدولية، سواء للسفر المباشر إلى دمشق وحلب أو مروراً بلبنان والأردن، أُبلغوا بإلغاء رحلاتهم المجدولة نتيجة للقصف الصاروخي المتبادل بين طرفي الحرب، والطيران الحربي والمسيّر الذي يملأ سماء المنطقة.
لم يؤثر وقف حركة الملاحة الجوية على السوريين القادمين إلى بلادهم فحسب، بل عرقل عودة مئات الزائرين من سوريا، سواء من الأجانب أم من السوريين المغتربين الذين كانوا يجهّزون حقائبهم للعودة إلى أماكن إقامتهم في دول أوروبا بعد زيارات عائلية قصيرة إلى سوريا.
ونظراً لذلك، أعلنت إدارة الهجرة التركية يوم الأربعاء الفائت، عن إجراءات استثنائية تتيح للسوريين والمواطنين الأتراك ومواطني الدول الأخرى الذين سافروا جواً من تركيا إلى سوريا، العودة إلى الأراضي التركية عبر المعابر البرية. وأوضحت أن العودة متاحة من خلال المعابر الحدودية، شريطة إبراز تذاكر السفر والإقامة التركية، من دون الحاجة إلى تصريح إضافي.
إلا أن إدارة الهجرة التركية لم تصدر أي بيان بخصوص العائلات السورية المجنّسة التي ألغيت رحلاتها إلى سوريا، ولم تفتح أمام افرادها المعابر البرية أسوة بأولئك العالقين في الجانب السوري، وليبقى مصير عودتها إلى الوطن مرتبطاً بما ستؤول إليه الحرب الدائرة وبتأثيراتها على حركة الطيران في المنطقة.

