المطبخ والموقف السياسي السوري في القاهرة

تاريخ النشر: 13.06.2021 | 06:08 دمشق

قبل أيام اندلعت معركة (حامية الوطيس) على وسائل التواصل الإجتماعي بين أنصار المطبخ الحلبي وأنصار المطبخ الشامي (الدمشقي)، ومازالت مستمرة حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، ولم تكن هذه المعركة الفيسبوكية المطبخية هي الأولى بل حدثت أخرى مشابهة لها تماما قبل أعوام، وكالعادة اصطف السوريون على الفيسبوك بين الطرفين من دون أن تحسم النتيجة لصالح أحدهم، المعركة السابقة أيضا تدخل فيها بعض الفيسبوكيين العرب، الذين وجدوا أن هناك استعلاء سوريا واضحا في هذا الشأن، وهو ما لم يتسامح معه الإخوة العرب، فدخل بعضهم في معارك جانبية وارتدادية، يعدد فيها المتصارعون مزايا مطابخهم وتنوعها وتاريخها وقدمها ومدى انتشارها في دول العالم، أيضا من دون أن تحسم النتيجة لصالح أحد، فالجميع يشعر أنه هو المنتصر، وأنه هزم (العدو) بالضربة القاضية، أو ربما (بالطبخة) القاضية.

المعركة الأخيرة كان محركها هو ما انتشر في أحد المواقع على أن أكلة (اللحمة بالكرز) هي ذات منشأ تركي، ما استدعى تدخلا مباشرا من أهل حلب وريفها وأهل أدلب وريفها، حتى كان منهم أولئك المدافعون عن كل ما يتعلق بتركيا من السياسة إلى كل ما يتعلق بها، بيد أن المطبخ والطعام أمر آخر، بالنسبة للسوري، ولأهل حلب تحديدا هو مساس بالكينونة والهوية، فحصلت المعركة أولا دفاعا عن حق أهل الحلب في انتساب (اللحمة بكرز) لهم، ثم امتدت لتأخذ طابعها التقليدي المتعارف عليه بين أهل حلب وأهل الشام، وأي المطبخين أفضل وأكثر عراقة.

في مصر، حيث أعيش من عام 2012، انتشرت المطاعم السورية بشكل كبير مع لجوء السوريين إليها هربا من النظام وهربا من الحرب، وللعلم فإن عدداً من السوريين في مصر مؤيدون للنظام ويعيشون بين مصر وسوريا يتنقلون عبر الخطوط الجوية السورية التي تسير رحلة أو أكثر يوميا بين البلدين، وهو أمر انعكس أصلا على علاقة المصريين مع الثورة السورية، فبعد أن كان المزاج العام المصري مؤيدا للثورة ومناهضا بشدة لبشار الأسد، بدأ هذا المزاج يتغير لاحقا، ليس فقط  بسبب الإعلام المصري الذي اعتبر كل سوري أيد الثورة السورية من الإخوان المسلمين، بل أيضا بسبب السوريين أنفسهم، السوريين الذين لم يغادروا مصر إلى أوروبا، ومنهم من يعتبر أن الثورة هي من دمرت سوريا، وليس النظام، ثمة آخرون مقيمون في مصر يعرفون الحقيقة جيدا، لكنهم يصمتون تماما ولا يبدون أي رأي بسبب (أكل العيش)،  يتصرفون من منطق (الله يطفيها بنوره أحسن شي)، هؤلاء تجدهم في محال البقالة السورية المنتشرة بكثافة في القاهرة والإسكندرية، وتجدهم يعملون في المطاعم السورية، ويمكن لحشرية مثلي أن تكتشف أمزجهتم السياسية بسهولة رغم محاولتهم مداراة الأمر وإخفائه، وللمفارقة أيضا فهؤلاء الصامتون أغلبهم من دمشق وريفها، بينما الحلبيون، معظمهم من أصحاب المطاعم الكبيرة والشهيرة، ومن أصحاب المنشآت الصناعية فهم في أغلبهم يعلنون موقفا مؤيدا للنظام، ولا يواربون، وهم سبب في تغير مزاج المصريين (الشعب) تجاه الثورة السورية، أما أهل حمص وريفها من أصحاب المطاعم والمحال السورية، فيعلنون موقفهم المناهض لبشار الأسد ما إن يشعر أحدهم بتعاطف المتحدث معه مع الثورة ولو بشكل خفيف.

لا يقبل الحلبي أن يمزج نوعا آخر من الطعومات مع ما اعتاده، يجعله ذلك يشعر أن ثمة ما اهتز في بديهياته، وهو ما ينعكس على مواقفهم السياسية

لا بأس، دعوني أربط كل ذلك بالطبخ، فإذا قلنا أن المطبخ هو كينونة ما، تعبر أصلا عن مزاج أصحابه، فسوف يكون التالي: المطبخ الحلبي يقدم نفسه بقوة، طعمات مختلفة بين الحامض والحلو والحد والبهارات والتتبيلة اللاذعة في كل شيء، مع كمية لا تستطيع إخفاء نفسها من الدسم، حيث يمكن لأي متذوق وعاشق للأكل معرفة أن الطعام الذي يتناوله هو طعام (حلبي) بسهولة، لا يمكن للنكهة الحلبية أن تخفي نفسها، ستظل دائما ظاهرة وواضحة، وهي أيضا لا تقبل الاختلاط، لا يقبل الحلبي أن يمزج نوعا آخر من الطعومات مع ما اعتاده، يجعله ذلك يشعر أن ثمة ما اهتز في بديهياته، وهو ما ينعكس على مواقفهم السياسية، فالمؤيدون منهم للثورة يعلنون ذلك بنفس وضوح المؤيديين للنظام، حاسمين كطعم التتبيلة التي يضعونها على اللحمة قبل شويها، وكطعم السفرجل الذي يطبخونه مع الكبة (كبة سفرجلية). في القاهرة تكتشف ذلك من دون أي جهد، فهم لا يخفون مواقفهم السياسية، والأهم أنهم يتعايشون مع بعضهم بعضا على مطبخ واحد، وكأن الاتفاق على الطعام كفيل بتنحية كل المواقف الأخرى.

أما المطبخ الشامي، قليل الانتشار كمطاعم في مصر، فلا يتركك تعرف أنك تأكل طعاما شاميا إلا بالطبخات التقليدية التي أصبحت نوعا من التراث، ولا تشتهر كثيرا، (شلباطو، حراق بأصبعه، الباشا وعساكره..الخ) وعموم الطبخ الذي يطبخ باللبن، الذي يكون أيضا صافيا (الشاكرية) على وجه الخصوص، واستخدام الكزبرة الخضراء والكمون في بعض أنواع الطبخ، وهو ما يأخذه عليهم أنصار المطابخ الأخرى، فالكمون طعمه مراوغ، تشعر به يطغى على الأكل، لكنه لا يضفي عليه نكهة مميزة، حسب أعداء المطبخ الشامي، (الله يطفيها بنوره)، ربما هذا ما سيقوله من يأكل محشي كوسا متبل بالكمون، أو ملوخية خضراء مضافا إليها الكزبرة الخضراء التي يضيفها الشوام على معظم طبخاتهم، وهي مثل الكمون تحجب عنك النكهة الأصلية للطعام من دون أن تكون هي نكهة بحد ذاتها، (شخصيا أحب الكمون والكزبرة الخضراء في الطعام، أنا فقط أحاول شرح وجهة نظر الطرف الآخر)، لا تستطيع أن تعرف من الدمشقي الذي يعيش في القاهرة موقفه من الثورة والنظام إلا إذا أبديت حشرية ما وراوغته في السؤال، تماما مثل الطعام الشامي، عليك أن تنحي نكهة الكمون والكزبرة الخضراء قليلا لتكتشف جوهر الطعم، بينما تتنوع باقي أنواع الطعام الدمشقي وتقبل الإضافات، وتنسب لها طبخات من مختلف المحافظات السورية وربما من دول الجوار، دمشق هي العاصمة التي تضم مجموعات من كل سوريا، ومجموعات مختلفة من شعوب دول لجأت إليها، هذا جعل مطبخها متنوعا ومختلطا لا كينونة ثابتة له، عليك كذواق أن تكتشف تلك الكينونة بنفسك، بحشريتك، بأسئلتك، تماما كما تكتشف الموقف السياسي للكثير من الدمشقيين في القاهرة.

أن تكون حلبيا أو دمشقيا في القاهرة فأنت تجتمع مع من يشبهونك في الانتماء المناطقي، تشتري من محالهم وتأكل في مطاعمهم وتتعالج لدى أطبائهم، لا يعنيك موقف أحدهم السياسي مما يحدث في سوريا

دمشق وحلب هما المدينتان الأكبر في سوريا، ودائما التنافس، لطالما كانتا هكذا، ومعارك المطابخ المتواصلة جزء من هذا التنافس، بيد أن في هذا التنافس المتواصل تضيع بقية المطابخ السورية، التي لا يلتفت إليها أحد، والتي تستقي كينونتها من مفردات الطبيعة حولها، ومن المحيط المجاور لها، هي مطابخ عظيمة لكن تم تهميشها لصالح مطبخي المدينتين الأكبر في سوريا، وهو ما حدث أيضا في السياسة والتنمية عبر التاريخ السوري، هذه المدن والمحافات المهمشة كانت هي وقود الثورة، في المحافظات والمدن التي ثارت ضد النظام، وكانت هي وقود النظام في المحافظات والمدن والبلدات التي وقفت مع النظام، لم يكن ثمة مراوغة في الموقف، من خرج عن تأييد الثورة في الأماكن الثائرة قلة، ومن خرج عن تأييد النظام في الأماكن المؤيدة أيضا قلة، بينما في دمشق وحلب لا يمكنك تحديد نسبة المؤيدين من المعارضين للثورة والنظام، والغريب أنه في باقي المدن من خرجوا عن المجموع تمت مقاطعتهم إجتماعيا، بينما في دمشق وحلب نادرا ما حدث هذا، على الأقل هذا ما اكتشفته في القاهرة، بل أيضا اكتشفت ما يشبه العصبية في التعاملات اليومية، فالتجمعات هنا لها طابع مناطقي بحت، الموقف ما يحدث في سوريا هو شأن فيسبوكي فقط لدى البعض، أما في الحياة اليومية فهو غير مهم، أن تكون حلبيا أو دمشقيا في القاهرة فأنت تجتمع مع من يشبهونك في الانتماء المناطقي، تشتري من محالهم وتأكل في مطاعمهم وتتعالج لدى أطبائهم، لا يعنيك موقف أحدهم السياسي مما يحدث في سوريا، هذا آخر ما يمكن أن تفكر به، بينما لم أجد هذا لدى باقي السوريين من المحافظات الأخرى الذين يعيشون في القاهرة، هؤلاء لولا الخوف لأعلنوا مواقف سياسية واضحة من دون تردد، سواء مع أو ضد النظام، وهؤلاء أيضا اختلطوا أكثر بالمجتمع المصري، لديهم معارف وأصدقاء مصريون، ما ليس لدى الحلبيين والدمشقيين، طبعا دائما هناك استثناءات، فالتعميم هنا هو كنسبة أكبر، لا أكثر من ذلك.