ترددتُ كثيرًا قبل أن أكتب هذا المقال، فأنا عادةً لا أميل إلى عقد المقارنات بين تجارب الشعوب في الحروب والمآسي، لأنني أدرك جيدًا أن لكل مأساةٍ خصوصيتها، ولكل ذاكرةٍ وجعها الخاص، ولكل مجتمعٍ جروحه العميقة التي لا تقبل أن تُختزل في تشابهاتٍ عابرة أو إسقاطاتٍ تحليلية سريعة.
ومع ذلك، وأمام ما أتابعه منذ سقوط نظام الأسد إلى اليوم، وجدتُ نفسي مضطرة للتأمل في بعض التشابهات مع تجارب دول أخرى خرجت من الحروب، وهذا ليس من باب المساواة بين ما لا يتساوى، بل محاولة مني لفهم كيف اختارت بعض الدول أن تصنع مصالحة بعد نزيف الدم، وكيف تعاملت مع تَركة العنف بالعفو والعدالة أو بمزيجٍ منهما.
في هذا المقال، أحاول أن أقارن، بتحفّظ ووعيٍ بالفروق، بين المصالحة التي قادها عبد العزيز بوتفليقة بعد "العشرية السوداء"، والمصالحة التي يقودها أحمد الشرع بعد سقوط النظام السوري. وما بين تجربة الجزائر في مطلع الألفية، وتجربة سوريا اليوم، سؤالٌ ثقيل يتكرّر في عقلي: هل يمكن أن تُبنى المصالحة على النسيان؟ أم أن النسيان، مهما طال، لا يُنهي الحرب، بل فقط يبدّل شكلها؟
في الجزائر، وبعد أن أنهكتها حربٌ أهلية امتدت لعقدٍ من الزمن، جاءت مبادرة السلم والمصالحة الوطنية كخيارٍ بدا لكثيرين ضرورة وجودية أكثر منه خيارًا سياديًا. ففي عام 2005، صدر ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي أُقرَّ باستفتاء شعبي، ثم تحوّل إلى قانون نافذ عام 2006. كل ذلك كان برعاية عبد العزيز بوتفليقة، الذي تحوّل إلى المخلّص في عيون البعض آنذاك، وأثبت أنه سياسيٌ بارع، قادر على انتشال البلاد من جحيم حربٍ لم ترحم أحدًا. لقد كان مساره السياسي حينها واضحًا: شعاره العفو والتجاوز مقابل الأمن، وطيّ صفحة الماضي دون فتحها علنًا. ومنذ ذلك الحين، أصبحت "العشرية" ملفًا حساسًا لا يمكن فتحه، حتى في المدارس أو مناقشته في حصص مادة التاريخ، وكأن الجزائر اختارت أن تدفن تلك المرحلة من ذاكرة شعبها، وتغضّ الطرف عن كثيرٍ من الملفات، بما في ذلك الانتهاكات التي ارتُكبت من طرفي النزاع، وسط غيابٍ لأي آلية قضائية حقيقية للمساءلة. هذا الستار السميك من النسيان والقفز على مرحلةٍ مهمة، رأى فيه البعض خلاصًا تاريخيًا، بينما اعتبره آخرون إسكاتًا قسريًا لذاكرة جماعية مُثقلة بالدم.
ولطالما كان فضولي يدفعني لسؤال الجزائريين عمّا حدث حينها، كنتُ أرغب دائمًا في معرفة كيف تلقّوا العفو عمّن تلطخت أيديهم بالدم. فكان الردّ متباينًا بعمق: البعض لم يستسغ الفكرة في البداية، خاصة أولئك الذين فقدوا أقرباء ولم تُعرف مصائرهم. كانوا يرون في العفو ظلمًا مركبًا، ولم يكن بالنسبة لهم محاكمة أو كشفًا للحقائق، بل صفقة صمت كبرى أقفل بها بوتفليقة باب الحقيقة باسم السلم. في المقابل، هناك من اعتبر القرار، رغم مرارته، أفضل ما فعله بوتفليقة في حياته، لأنه أوقف آلة الموت، وحمّام الدم، وأعاد الناس إلى بيوتهم، وجعل الجزائر تتنفس من جديد. قال أحدهم: لم يكن الخيار عادلاً، لكنه أنقذ البلد.
وأما سوريا، فهي بلدٌ لم يخرج بعد من دخانه. أربعة عشر عامًا من الحرب غيّرت شكلها، ووزّعت شعبها على المنافي، ومزّقت خريطتها بين سلاحٍ يبحث عن وجه الدولة، وبين طاغية نسي وجه الإنسان. لم يكن سقوط النظام نهاية كل شيء، بل بداية لسؤال لم يُجَب عليه أحد بعد: ما الذي سنفعله بكل هذا الماضي الثقيل؟
حين برز أحمد الشرع كرئيسٍ لسوريا، لم يقدّم خطابًا يُشبه الوصفات الجاهزة. تحدّث عن سلامٍ أهلي، لكن بدا أن الكلمة نفسها ما تزال غائمة، مُحمّلة بأوزان من الحذر، فقد ركّز على تحقيق مصالحة شاملة بشروط، وشدّد على محاسبة كبار مجرمي الحرب من النظام السابق. لم يأتِ أحمد الشرع بوعد يشبه ما جاء به بوتفليقة تمامًا، بل تحدّث عن العدالة الانتقالية مرارًا، وعن المصالحة التي لا تعني الصفح المجاني، وإنما تعني الاعتراف، ثم التحقيق، ويليهما المحاكمة.
ولكن لا تزال هذه المصالحة تمشي على أرضٍ رخوة، كمن يسير في منطقة لم تُرفع منها الألغام بعد. فالخطاب يتحدّث عن عدالة، وعن طيّ صفحة الدم بكرامة، لكن الأفعال تناقض ما يُقال في المنصات. وجوهٌ بارزة من نظام الأسد، كانت في الأمس القريب عنوانًا للقمع، تعود إلى المشهد بأسماء نظيفة، وبشهادات غفران. وتُستقبل كأبناءٍ ضالين عادوا إلى الوطن من دون محاكمة أو حتى تفسيرٍ يليق بجراح السوريين.
هذا التهاون لم يمرّ بصمت. فأهالي ضحايا القتل، والناجون من المعتقلات، لا يرون في هذه السياسة إلا صفعة جديدة، تعيد نزيف الجرح. فلا معنى لسلامٍ يأتي قبل العدالة، ولا قيمة لوطنٍ يتّسع لمن كسروا عظامه، بينما يُطلب من أبنائه الرضا تحت اسم "الوحدة الوطنية".
وبين هذا الغضب، يظهر تيارٌ آخر يرى في الخطوة، رغم تناقضاتها، ضرورة تحمل في طياتها بذور العبور. يقولون: لسنا في موقع المثاليّات، وأن تجاوز الماضي، ولو مؤقتًا، هو ثمنٌ معقول لبناء ما تبقّى من الدولة. وما تراه الأخيرة هو الأجدر والأصوب. وهكذا تتأرجح مشاعر السوريين بين أملٍ واقعي وخذلانٍ أخلاقي، وبين رغبةٍ في النجاة وخوفٍ من الإنكار.
هذا التخبط السوري يُشبه التخبط الجزائري، ولكن حين اختارت الدولة هناك أن تُنهي "العشرية السوداء" بإغلاق ملفاتها، ظهرت نتائج هذا الخيار بوضوح في السنوات التي تلت المصالحة، حيث عرفت الجزائر استقرارًا نسبيًا. وخفّ العنف، وساد الأمن، واختارت الدولة استيعاب الجماعات المسلحة بقدرٍ محسوب، حيث اندمج من سلّموا السلاح في الحياة المدنية، فيما أُقصي القادة، خاصة من رموز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، عن الفضاء السياسي. بينما حظيت أجهزة الدولة، وخصوصًا الأمن والجيش، بحصانةٍ ضمنية من أيّ محاسبة. ولكن بقيت العدالة غائبة، والذاكرة مثقلة بما لم يُقَل، ومفتوحة على أسئلةٍ لم تُجَب.
أما في سوريا، فإن الطريق لم يتضح بعد، والنتائج تتشكّل على مهل، فلا يمكن الحكم على هذه المرحلة من الآن. كما أن جزءًا من السوريين يشعر بأن التجربة، إن استمرت بهذا النوع من التغاضي والتسويات، فإنها ستُعيد تعويم رموز الماضي، بوجوهٍ مغسولة ومفرداتٍ جديدة.
لا أحد ينكر أن الحرب أنهكت البلاد وأرهقت الجميع، لكن لا أحد يريد أيضًا أن يكون الثمن هو إنكار ما جرى بالأمس. وإن كانت الجزائر قد اختارت الصمت كوسيلة للاستمرار، فإن الخطر في سوريا يكمن في التظاهر بالكلام دون أن يجرؤ أحد على النطق بالحقيقة كاملة.
ما يلفت في التجربتين أن السلم، حين يأتي دون عدالة، قد يبقى مهددًا بالانهيار. سلام الجزائر لم يُبْنَ على مواجهة، فأراح الدولة وأتعب التاريخ. بينما سوريا تراهن على المساءلة كشرطٍ للصفح. وبين النسيان والمساءلة، يبقى مستقبل العدالة معلقًا.
في النهاية، لا بد من القول إنّه لا توجد مصالحة مثالية، بل توجد فقط اختياراتٌ ثقيلة. ولأنه ما من سلامٍ يأتي على حساب الحقيقة، إلا وتُطالب الذاكرة بثمنه لاحقًا. تتقاطع الجزائر وسوريا عند سؤالٍ واحد:
هل يمكن لوطن أن ينجو إذا لم يُنصف الذين سقطوا في الطريق؟
المصالحة بين نسيان الجزائر واعتراف سوريا