المشكلة أكبر من جريمة شرف

المشكلة أكبر من جريمة شرف

الصورة
24 تشرين الأول 2018

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

حفلت مواقع التواصل الاجتماعي على مرّ سنوات المحرقة السورية بمشاهد فيديو تفوق الخيال والتصور في عنفها وهمجيتها، كان آخرها الفيديو الذي يصور شابًا يفرغ مشط الذخيرة في فتاة مكومة على الأرض بجانب الحائط تنظر إليه بنظرة تعجز اللغة عن وصفها، وهي تنتظر لحظة الإطلاق. فتاة تكاد تكون طفلة، وأظنها لا تتجاوز العمر المقرر عالميًا للطفولة، السادسة عشر من عمرها.

هذه الفتاة هي أخته، وهو يقتلها "غسلاً للعار"، من دون أن نعرف ما هو العار الذي ارتكبته، لكن علينا أن نقبل ونقر بحاكميته وحقه في الإدانة والحكم وتنفيذه بأريحية تامة وضمير نزيه، فهو الذكر، وهو صاحب الحق في التصرف بحياة النساء اللواتي يخصصنه، وهو يعيش هذا الشعور بتلقائية المسلّمات، قاتل عن سبق إصرار، يمارس حقه الطبيعي على الملأ بإصرار وعزيمة، وبجانبه شخص آخر يشجعه بل يرصد فعلته كي لا يكون هناك مجال للخلل، ينبهه إلى أنها لم تمت بعد والجسد يختلج ويرتج وينتفض تحت وابل الرصاص، فيفرغ مشطًا آخر ليجعل ذلك الجسد مثقبًا مثل غربال صدئ. فبأي حق قُتلت؟

قبل عامين أثار فيديو من هذا النمط الشاهر للعنف موجة من ردود الأفعال أيضاً، يقول فيه أحد الملتحين الذين يحيطون بطفل، اختلف الناس على عمره، وهو في الحقيقة مصاب بالتلاسيميا لذلك يكون أصغر من أقرانه بكثير حتى يمكن اعتباره طفلاً، فقد قال أحد الملتحين استعداداً لتصوير مشهد الذبح من عشاق القتل المقدس، بينما تتمدد أمامه الرهينة بجسدها الضئيل وساقها المعطوبة، أمام الكاميرا بمشهدية واقعية كثيفة الدلالة "سيلفي والأسير من خلفي".

تمت العملية التي حاولتُ أكثر من عشرين مرة أن أتابعها حتى لحظة الذبح لكنني لم أستطع، وأنا من كنت أظن أن أفانين القتل السوري والعنف السوري

ما الفرق بين أن تكون الذبيحة البشرية طفلاً أم كبيراً؟ امرأة أم رجلاُ؟ أختًا أو زوجة أو أمًا أو غريبة؟ هو في النتيجة تكثيف وتأصيل للعنف بأشرس صوره

قد روّضتني وجعلت مني كائناً يضع طبق الطعام ويلتهم وجبته أمام الشاشات أو مواقع التواصل وهو يتفرّج على أحدث الطرق في تقطيع البشر أو شيّهم، أو اصطيادهم بالجملة تحت وابل البراميل المنهمرة من السماء. يا للخفة الشبقة والمتعة البهيمية التي تكثّف نشوة اللذة حدّ الانفصال الكامل عن كينونة بشرية يُفترض أن تحمل بعضاً من الملامح الإنسانية، لكنها فاقدة لتلك الملامح، على قطيعة مع أشرس الوحوش، كينونة منفردة بذاتها، لا هي إنسانية ولا هي بهيمية، هي نوع آخر من الكائنات المفبركة بنزعة إجرامية.

ما الفرق بين أن تكون الذبيحة البشرية طفلاً أم كبيراً؟ امرأة أم رجلاُ؟ أختًا أو زوجة أو أمًا أو غريبة؟ هو في النتيجة تكثيف وتأصيل للعنف بأشرس صوره، والخطورة العظمى هو أن يصير نهجاً ينمو ويكبر في مجتمعات تقهقرت وتراجعت عن ركب الحضارة عقوداً فألفت نفسها مهمشة مستضعفة بلا طموح أو أفق، مجتمعات تعاني من تناذر الاضطهاد والدونية فتغترب عن مفردات الإنسانية والعيش الكريم، تنزع إلى الثأرية والانتقام من الآخر، فهناك آخر أقوى وهي لا تملك من القوة غير الاتكاء على سند قوي، وعندما يصير السلاح طوع الإرادة ينفح النفس المعطوبة بهذه الطريقة الإحساس بالقوة وامتلاك الإرادة والشعور العارم بالذات التي تبلورت كالصخور الرسوبية على شكل طبقات من القسوة والقهر والإحساس بالظلم وفقدان الطموح الإنساني، فيصبح القتل بحد ذاته مشروع الحاضر والمستقبل.

عندما يتخطى العنف بشكله الجرمي الحالة الفردية ويصبح نهجاً جماعياً تتحكم غريزة القطيع أكثر، ويصبح الشعور بالقوة وانفلات الضوابط أمراً في منتهى السهولة، بل يزداد الإبداع المستعر. ليست الجريمة "جريمة الشرف" مع استنكار التسمية مبتدأً، وليست فقط جريمة الثأرية والضغينة والفتنة التي غذتها الحرب وممولوها في سوريا، وليس العنف وحده، ما يثير الرعب والخوف، بل ما يثير الرعب والخوف ويجعل المستقبل حالك السواد في سوريا هو تلك الجموع الكبيرة من الشباب السوري الذي غُيّب عقله في الوقت الذي تهدّدَ فيه وجوده، فصار البحث عن متكأ جبار يمنحه الشعور بالقوة أمام وجوده المهدد هو الأخطر. جيل من الشباب لم تعد في غالبيته لحياتهم أبواب تفتح على المعرفة الإنسانية، غير قادرين على أن يشعروا بكيانهم وبإرادتهم وصاروا أسرى المعايير الناظمة لمرحلة الحرب وطرق تسويق الحياة فيها. هنا، عندما يكون الموت متغولاً بالحياة، يحاصر الناس أينما ولوا أنظارهم، عندما يصير الجميع في مرماه، والجميع يتربص بالآخر بجهوزية عالية لينقض عليه قبل أن يفعلها ذلك الآخر. عندما تنهار القيم جميعها، وتفرض منظومة الحروب قيمها، ويصير الماضي والموروث هما الملاذ الروحي امام الخوف المعشش في الصدور وفي فراش النوم يقض المضاجع، حينها سيكون السلاح هو السيد، هو العقل والضمير والحكمة والمعرفة والقرار والفصل، والسلاح متوفر بغزارة، السلاح حاضر ليعزز الرجولة المتورمة التي تنهش بصاحبها قبل أن تنهش بغيره.

الخطورة الأكبر هي بعد أن تقف الحرب، ولا بد لها من أن تقف، فليست هناك حرب دامت إلى الأبد، هؤلاء المسلحون الذين لا يستقيم وجودهم بدون السلاح سيكونون القنابل الموقوتة، سيكون انهيارهم مدويًا مثل انهيار أي طغيان، فهم يدركون أن قوتهم لم تكن شرعية، وأن السلاح صار بالنسبة إليهم من لوازم الحياة المهمة مثل الهواء الذي يتنفسونه، وجودهم مرتبط به، وعقلهم مشلول وعاجز عن التفكير معه وبدونه، هؤلاء الشباب، الجيل الذي يحدد

ليست الجريمة غسلاً للعار، إنها أبعد وأخطر من ذلك بكثير، إنها العار بعينه، إنها جيل من الشباب يُفترض به أن يقوم بعملية النهوض بالمجتمع وتنقية الوعي العام

حيوية أي أمة، ما الذي يدخرون لسوريا المستقبل، وما الذي ادخرته سوريا لمستقبلهم؟ شباب صار القتل خبزهم اليومي وحرفتهم الوحيدة في الحياة، ما الذي سيفعلونه بدون خبزهم ومعرفتهم؟ كيف سيقتنع شباب تورطوا في القتل حتى صار مهنتهم وعقيدتهم وقضيتهم، يَقتلون فيُقتلون، فيَقتلون، وكلما فترت الدماء هناك من يسخنها، بأن هناك وجهًا آخر للحياة، بينما هم هدروا أعمارهم واستهلكوها في القتل؟

ليست الجريمة غسلاً للعار، إنها أبعد وأخطر من ذلك بكثير، إنها العار بعينه، إنها جيل من الشباب يُفترض به أن يقوم بعملية النهوض بالمجتمع وتنقية الوعي العام، والانقلاب على الواقع الذي كان راسخًا بكل عفونته وقيمه البالية، جيل الشباب الذي كان يُنتظر منه أن ينقي منظومة القيم، ويطرح بديلاً عنها مفاهيم تحرر الإنسان في هذا الوطن من عبودية الموروث ويفتح نوافذ العقل على التطور وطرق صناعة الحياة. الجيل الذي كان يُنتظر منه ان يطلق طاقات المرأة الإنسان، لا أن يكرس دونيتها حدّ تحميلها عفن المفاهيم الجائرة من عفة وعرض وشرف وفضيلة، ويبقيها ضحية مرصودة للحظة الذبح قربانًا ودليل ولاء للعرف السائد، عرف الأقوى. جيل كان يُنتظر منه ان يسعى إلى بناء ما تهدم، وأن يعرف كيف تبنى الجسور بين مكونات الشعب، بدلاً من هدر عمره في حمل السلاح وقتال الآخر تحت مسميات ومفاهيم هدامة.

شارك برأيك