المسيحيون في قطاع غزة.. كيف تعايشوا مع الواقع؟

تاريخ النشر: 31.10.2018 | 11:10 دمشق

غزة- بثينة اشتيوي – تلفزيون سوريا

للعام الثالث على التوالي ترفض السلطات الإسرائيلية عبور" أبو إلياس" عبر معبر بيت حانون، المعروف باسم "إيرز الإسرائيلي" لزيارة كنيسة بيت لحم للصلاة والاحتفال بعيد الميلاد المجيد، كما كان يفعل كل عام بصحبة زوجته وطفليه، بيد أن الرفض المتكرر دون إبداء الأسباب من قبل الجانب الإسرائيلي شكل لديه حالة من الإحباط في ممارسة أبسط حقوقه كمسيحي يعيش في قطاع غزة منذ أربعين عاما.

بالنسبة لـ" أبو إلياس"، فإن الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة قد ألقى بظلاله على أتباع الديانة المسيحية، وأصبحت من المتضررين بفعله، خاصة فيما يتعلق بالسفر، وممارسة حق العبادة في الأعياد المسيحية، خاصة أن الكنائس التي تحيي مثل هذه المناسبات توجد في القدس والضفة المحتلتين، في حين تقتصر غزة على أشياء بسيطة لا تلبي رغبة المسيحيين هنا.

وأضاف في حديث مع موقع تلفزيون سوريا:" رغم عدم اختلافنا مع المسلمين هنا فإننا اكتوينا معاً بظروف الواقع السياسي والاقتصادي، ولم تعد الرفاهية عنوانا رئيسيا في حياتنا"، لافتا إلى أنه قبل أسبوعين من الآن تقدم بطلب تصريح جديد إلى السلطات الإسرائيلية لزيارة كنيستي المهد والقيامة أواخر العام الجاري وسط آمال بالسماح له.
 

التعايش الآمن

زاوية أخرى على حياة المسيحي في غزة تظهر من خلال تبادل المعايدة فيما بينهما سواء في أعياد المسلمين أو المسيحيين، حتى تعاظمت الصداقة فيما بينهما، ورسخت حالة الاتزان في التعايش بين المسلم والمسيحي معا، كانت أبرز صورها حينما فتح المسيحيون بيوتهم وكنائسهم للمشردين من حروب غزة الثلاثة، وعليه، فإن العامل الإيجابي في التعايش بينهما هو بعدهما عن التجاذبات السياسية الداخلية.

لذا فإن معظم مسيحيي قطاع غزة، يؤدون شعائرهم في كنيسة القديس برفيريوس للطائفة الأرثوذكسية، وهي أقدم كنيسة في فلسطين بعد كنيستي المهد والقيامة، وتقع في حي شعبي مكتظ بالسكان، يلاصق جدرانها مسجد" كاتب ولاية"، في صورة واضحة على التلاحم الإسلامي المسيحي في مدينة غزة، فهي كنيسة أثرية، وتاريخية مبنية من حجارة صخرية قديمة، تتوسطها ساحة كبيرة، وفيها أماكن لتعليم الكتاب المقدس.

وعلى أرض الواقع يحظى المسيحي بمكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة، فبعضهم تخصص في تجارة الذهب، وآخرون في بيع البترول ومشتقاته، بينما يعتبر البعض من أكبر ملاك العقارات في المدينة، ومنهم أطباء ومهندسون وأكاديميون بارزون، بيد أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة خلال السنوات القليلة الماضية في غزة، دفعتهم إلى الهجرة صوب الخارج بحثا عن الأمل، وهربا من وطأة الحصار الذي طالهم.
 

معاناة النزوح

عدد المسيحيين في القطاع لا يتجاوز الـ 12 ألف شخص، ينقسمون إلى قسمين من حيث أصولهم الجغرافية، فهم مسيحيون مقيمون في غزة منذ مئات السنين، وتعتبر غزة بلدهم الأصلية، وآخرون هاجروا إليها بعد نكبة العام 1948، ولكن معظمهم تفرَّق في السنوات القليلة الماضية إلى الخارج، كل حسب مصلحته، وطبيعة عمله، الذي يتطلب مزيدا من الاستقرار والأمن.

فرضت الظروف السياسية والأمنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، منذ أن بسطت " تل أبيب" يديها على مناطق متفرقة من الضفة الغربية والقدس وحتى القطاع بين أعوام 1948 و1967، أن يتقاسم المسلم والمسيحي معا صنوف الحياة المعقدة بفعل السياسات الإسرائيلية على مدار العقود الماضية، ليدخل المسيحي على وجه التحديد فصولا متعددة من ذلك، خاصة أنهم باتوا جزءا أصيلا من نسيج وبنية المجتمع الفلسطيني.

موجات عدة من التهجير والتشريد والنزوح عاشها ولا يزال المسيحي الفلسطيني، حتى أضحى الحضور المسيحي في فلسطين في ظل الوضع الراهن يشكل أقل من 1%، يتوزعون على القطاع والضفة والبلاد الأوروبية، التي هاجروا إليها بفعل التقلبات غير المسبوقة في بلادهم، ليشكل حجمهم زهاء 20% من حجم تعداد الفلسطينيين حول العالم.

من يقرأ في تفاصيل الحياة اليومية للمسيحيين الفلسطينيين، يجزم حجم المعاناة المتعددة لمن يقطن في الضفة والقدس المحتلتين، والذين يعانون من اكتظاظ الحواجز العسكرية الإسرائيلية، والتنقل بحرية داخل المناطق المحتلة، على غرار مسيحيي غزة الذين أنهكهم الحصار منذ 11 عاما، فضلا عن تأثيرات الحروب الإسرائيلية الأخيرة الثلاثة، والتي طالت بعضا من مؤسساتهم التعليمية والثقافية.

يمكن القول هنا إن معظم المسيحيين العرب الفلسطينيين الذين ينتمون إلى أربع طوائف دينية هي الروم الأرثوذكس -يمثلون أغلبية المسيحيين المقيمين في قطاع غزة-، والكاثوليك، والمعمدانيون، والإنجيليون، في المقابل، فإنه وفقا للمصادر التاريخيَّة والتقليديَّة، عاش النبي يسوع في فلسطين التاريخية، ولد في مدينة بيت لحم وعاش في مدينة الناصرة وبشّر في الجليل وصلب ودفن وقام بحسب المعتقد المسيحي في موقع كنيسة القيامة في القدس، مما يجعل الأراضي الفلسطينية أرضا مقدسة بالنسبة لأتباع الديانة المسيحية.

ومن الناحيّة العرقيّة فإن المسيحيين الفلسطينيين بشكل عام ينحدرون في الأصل من خليط من العرب المسيحيين الذين سبقوا الإسلام (الغساسنة) والآراميين والكنعانيين والسريان والأرمن والبيزنطيين. ويعد المسيحيون الفلسطينيون من أقدم الجماعات المسيحية في العالم، وترتبط بعض الأسر المسيحية الفلسطينية بالنسب مع المسيحيين الأوائل، ولهذا السبب غالبًا ما يُطلق على المسيحيين الفلسطينيين اسم الحجارة الحية.

الجدير ذكره أن الظروف الاقتصادية والسياسية والتعليمية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة تمارس دوراً في تهديد وجود أكثر من 390 عائلة مسيحية فلسطينية في غزة، بمجموع 1313 فردا، منهم 636 ذكرا و677 أنثى، خاصة في ظل تناقص أعدادهم وهجرتهم إلى الدول المجاورة والأوروبية وترك ممتلكاتهم وأراضيهم خلفهم للبحث عن العلم والعيش الكريم.

مقالات مقترحة
تركيا.. فرض غرامة مالية كبيرة على سوريين بسبب حفل زفاف في أنقرة
صحة النظام: ضغط على أقسام الإسعاف وارتفاع في أعداد مصابي كورونا
"نيويورك تايمز": الأسد منفصل عن مخاوف السوريين ويتمسك بالتفاهات