المرسوم ١٦ والركعة الأخيرة للسوريين!

تاريخ النشر: 18.10.2018 | 00:10 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:27 دمشق

لم يكن مفاجئا لي دفع المرسوم ١٦ من قبل النظام في خضم الجدل العام إيذانا بسيطرة وزارة الأوقاف السورية على الحياة العامة في البلاد وإحكام الخناق عليها.

ومنذ اللحظة الأولى لم أكن أرى فيه أكثر من محاولة لتفريغ الاحتقان المجتمعي والنقمة التي بدأت أكثر فأكثر ترتفع في أوساط السوريين الذين يعيشون داخل البلاد، بعد أن خفت صوت القصف والموت.

منذ اللحظات الأولى لسيطرة هذا النظام على السلطة في سوريا وهو يحاول اختراع انتصار ما يعزوه إلى "قيادته" ليصنع فخرا كاذبا لدى السوريين، فيما كان الواقع دوما مزيدا من تركيعه لهم وانتصاره عليهم وحدهم!

لقد كانت ثورة الثامن من آذار في الإعلام الرسمي انتصارا للفلاحين وبشارة لهم بتوزيع أراضي الإقطاع التقليدي على من يعملون في الأرض ويشتغلون بها، لكن مئات القرى والمزارع كان ملاكها مستثنون من قانون الإصلاح الزراعي بأذرع الفساد والمحسوبيات التي كانت لها اليد الطولى في دولة البعث.

كانت ما سمي بثورة آذار شكلا لتحالف حاكم سمح لحافظ الأسد بالانتقام حتى من أقرب حلفائه وأصدقائه

كانت ما سمي بثورة آذار شكلا لتحالف حاكم سمح لحافظ الأسد بالانتقام حتى من أقرب حلفائه وأصدقائه، إبراهيم ماخوس وصلاح جديد ومحمد عمران وآخرون، مزقتهم المنافي والسجون فيما استولى هو على عرش السلطة "إلى الأبد".

منذ السبعينات وحتى الثمانينات استطالت أذرع النظام الإقليمية وأرسل بالجيش السوري إلى لبنان تحت حجة استنجاد الأخوة في لبنان به، وصنع من دخوله خضم الحرب اللبنانية انتصارا له فيما كان على الأرض يسيطر على لبنان ويقمع اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء، فيما تكفلت الأجهزة الأمنية بقمع الداخل السوري الذي تحركت نقاباته في عامي ١٩٧٨ و١٩٧٩ باحتجاجات وإضرابات وقفت في صفها أبرز الأحزاب السورية المعارضة، فكان نصيب قادتها ومنتسبيها السجن والتعذيب.

كان هاجس النظام في الثمانينات تركيع السوريين بذراعين جبارتين، اقتصادي وآخر أمني، في الاقتصاد عاش الناس مسحوقين تحت شعار الممانعة والمقاومة ومحاربة إسرائيل، أصبحت مواد أساسية كالسمن والسكر والمحارم مرتفعة الثمن، وتدهورت القوة الشرائية للمواطن السوري، فيما قرر النظام أن يطعمهم شعارات!

أمسك النظام بفزاعة الإخوان المسلمين وارتكب تحت ذريعة ملاحقتهم أشنع الجرائم

أمسك النظام بفزاعة الإخوان المسلمين وارتكب تحت ذريعة ملاحقتهم أشنع الجرائم، ما تزال إلى اليوم تروى القصص الشفهية عن نساء لم تتمكن لأيام من دفن أزواجها، وعائلات أبيدت بالكامل، ومسيحيين سجنوا بدعوى انتمائهم إلى تنظيم الإخوان المسلمين!

كانت ذراع "سرايا الدفاع" التي أسسها شقيق حافظ الأسد، رفعت الأسد، قد استطالت بعيدا، وأصبح المنتسبون لها أداة من أدوات قمع النظام السوري لشعبه، ومرة أخرى اخترع النظام السوري انتصارا بنفي رفعت، الذي أصبح يشكل رعبا لحافظ لجهة شهوته للسلطة، وقال للسوريين المسحوقين: ها قد نفيته من أجلكم!

كانت البلاد التي بدأت تشتم رائحة الانتعاش الاقتصادي قد أصبحت مزرعة "بيت الأسد" حرفيا في التسعينات، وكان شبيحة العائلة يقتلون من يشاؤون ويهربون ما يحلو لهم، وكم من جرائم ارتكبت، في الساحل على وجه الخصوص، لم يستطع ضحاياها الادعاء ضد آل الأسد وزعرانهم، في الوقت الذي بات النظام يغمز لأهل الساحل، العلويين منهم بوجه الخصوص أن هذه السلطة لهم، وظن البسطاء منهم بتماهيهم مع السلطة فاستشرسوا في الدفاع عنها.

 كان انتقال السلطة إلى بشار الأسد انتصارا آخر تم تسويقه، لقد بات يحكم البلاد طبيب شاب يؤمن بالتكنولوجيا، ووعد الناس بالتغيير.

على إيقاع الحرية الموعودة نشطت الاجتماعات والندوات لشخصيات وأحزاب المعارضة السورية، وبينما كان مقر المخابرات السورية في عنجر يحكم لبنان فعليا ويعين من يشاء رئيسا، أخذ الغرور بقمة النظام السوري ودبر محاولة اغتيال رفيق الحريري معتبرا أن لا أحد يستطيع أن يقف في طريقه أو يتململ من فرد سلطته على لبنان البلد الصغير، المستباح، وقمع المعارضة مرة أخرى بيد من حديد فتراجع ربيع دمشق الفتي.

ورغم أن الجيش السوري اضطر للخروج في ليلة وضحاها من لبنان، ذليلا منكسرا، إلا أنه تم تسويق التحقيق في مقتل الحريري على أنه "مؤامرة" دولية، سرعان ما سيتم الانتصار عليها.

عجت قنوات النظام بأغنيات مريديه التي تحتفي بالمقاومة والممانعة، وتزيين تدمير لبنان في حرب اسرأئيل ٢٠٠٦ عليه بأنه انتصار "إلهي"، وكان الناس في سوريا كما في لبنان ما يزالون متعطشين لانتصار ما على إسرائيل ورافضين حتى اليوم الاعتراف بنكسة حزيران ونكسة حرب ٧٣ حيث فقدنا من الأراضي أكثر ما حررنا!

رمى النظام بمسودة قانون جديد للأحوال الشخصية، أملا في تفريغ وتوجيه الحنق الشعبي

وفي أشد اللحظات قمعا وتضييقا على السوريين، وحين أحس النظام بتململ المجتمع الذي تجتاحه الأخبار، حيث ما عاد بإمكانه إخفاء أخبار الفساد أو أخبار القمع والاعتقال، رمى النظام بمسودة قانون جديد للأحوال الشخصية، أملا في تفريغ وتوجيه الحنق الشعبي، وحين رفض الناس المسودة وفرغت مئات المقالات في انتقادها، أعلن أنه ينتصر للرأي العام ويسحب المسودة!

الأمر ذاته يحدث اليوم مع المرسوم ١٦ ، حيث يريد النظام رأيا عاما يرفض سلطة رجال الدين، لينتصر مرة أخرى لعلمانية مزعومة، تغطي مرة أخرى على جرائمه وفساده.

النظام الذي ركع له السوريون منذ خمسين عاما، ولم يستطيعوا الخلاص منه حتى اليوم، متى تكون ركعته الأخيرة بل قيامته؟