icon
التغطية الحية

المرأة الكاتبة.. من التهميش إلى التمكين

2025.08.09 | 11:33 دمشق

آخر تحديث: 2025.08.09 | 11:36 دمشق

577767
تماضر سعيد عودة
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- منذ بدايات القرن العشرين، واجهت الكاتبات العربيات تحديات كبيرة في دخول الحقل الأدبي، حيث تعرضن للتهميش واضطررن للنشر بأسماء مستعارة لتجنب الوصمة الاجتماعية.

- شهدت العقود الأخيرة بروز أسماء نسائية قوية مثل رضوى عاشور وأحلام مستغانمي، اللواتي قدمن أعمالًا تربط بين السياسي والوجداني، وساهمت كاتبات مثل بثينة العيسى ونجوى بركات في تجاوز الأشكال التقليدية للسرد.

- رغم التقدم في بعض الدول، تواجه الكاتبات في مناطق أخرى الإقصاء، وتظل نصوصهن تُستقبل كـ"بوح نسائي"، مما يعكس استمرار التمييز الخفي، لكنهن أصبحن أكثر جرأة في التعبير عن رؤيتهن.

عاشت المرأة الكاتبة العربية عقودًا وهي تخوض معركتها على جبهتين: جبهة الإبداع، وجبهة المجتمع. وبين تهميش ثقافي طويل وتمكين جزئي اليوم، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل أصبحت المرأة الكاتبة صوتًا أصيلًا لا يُستبعد؟ وهل تحررت فعلاً من النظرة النمطية التي ظلت تلاحقها لعقود؟

حين بدأت المرأة العربية دخول الحقل الأدبي في بدايات القرن العشرين، لم يكن الطريق معبّدًا. في ظل مجتمعات محافظة، واجهت الكاتبات تهميشًا متعدد الأشكال: اجتماعيًا، حيث كان يُنظر إلى الكتابة كفعل "ذكوري"؛ وثقافيًا، إذ لم تكن نصوصهن تُؤخذ بالجدية نفسها التي كانت تحظى بها نصوص الرجال.

لم تُنشر أسماء كثيرة إلا بأسماء مستعارة أو حروف مختصرة، خشية وصمة العار أو الرفض العائلي. وحتى حين نُشرت نصوص نسائية، كان كثير منها يُدرج ضمن ما يُسمّى "أدب الاعتراف"، وكأن تجربة الكاتبة لا تتعدى حدود الذات.

نقاط التحول: من التهميش إلى الحضور

عرفت العقود الأخيرة تحولات نوعية في المشهد الأدبي العربي. برزت أسماء نسائية قوية على الساحة الثقافية، واستطاعت الكاتبة العربية أن تفرض حضورها بجرأة في مختلف الأجناس الأدبية.

في الرواية، قاد جيل من الكاتبات مثل رضوى عاشور، هدى بركات، وأحلام مستغانمي حراكًا إبداعيًا لافتًا، ربط بين السياسي والوجداني، وبين الذاتي والوطني. وفي الشعر، استطاعت أصوات مثل سعاد الصباح، فاطمة ناعوت، وميسون صقر أن تفتح أفقًا شعريًا مغايرًا لصوت الرجل التقليدي.

وشهدنا أيضًا كاتبات مثل بثينة العيسى (الكويت)، ونجوى بركات (لبنان)، ومها حسن (سوريا)، وزهران القاسمي (عُمان)، وبسمة عبد العزيز (مصر)، ممن رسّخن تجربة نسائية غنية، متجاوزات الشكل التقليدي للسرد نحو تعبيرات جمالية وفكرية أكثر تعقيدًا.

تمكين الكاتبة العربية لا يُقاس فقط بعدد الكتب المنشورة أو الجوائز المحصودة، بل بقدرتها على التعبير الحر دون خوف، وعلى خلق خطاب أدبي يتجاوز الجنس والهوية نحو الإنسان

الواقع اليوم: مشهد مزدوج

في الوقت الذي تشهد فيه بعض الدول العربية حضورًا نسائيًا أدبيًا فاعلًا، لا تزال كاتبات في مناطق أخرى يواجهن الإقصاء والصمت.

في الخليج مثلًا، باتت دور النشر أكثر انفتاحًا على الأقلام النسائية، لكن بعض المواضيع لا تزال محرّمة ضمنيًا. في المقابل، في بلدان تعيش أوضاعًا سياسية مضطربة، مثل فلسطين أو سوريا، تُشكّل الكتابة لدى المرأة وسيلة للبقاء، والتوثيق، ومقاومة التغييب.

تظل الكاتبة تُساءل أكثر مما تُقرأ، وتُستقبل نصوصها أحيانًا بوصفها "بوحًا نسائيًا" لا "مشروعًا أدبيًا"، وهو ما يعكس استمرارًا خفيًا للتمييز.

أصوات من الواقع: شهادات كاتبات عربيات عن التهميش والتمكين

رغم أن كثيرًا من الكاتبات العربيات اخترن الصمت عن تفاصيل المعاناة، إلا أن عددًا منهن تجرأن على كشف التجربة بوضوح، مؤكدات أن الطريق نحو التمكين لم يكن معبّدًا، بل مليئًا بأسلاك شائكة من الأحكام، والرقابة، والوصاية.

الكاتبة رضوى عاشور، وهي من أبرز الأصوات الأدبية النسائية في مصر، تصف الأمر بقولها: "أن تكون امرأة تكتب، فهذه شجاعة مضاعفة: شجاعة أن تكتب، وشجاعة أن تواجه مجتمعًا لا يراك سوى من خلال ما تخالفين به الصورة النمطية".

أما الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، فتذهب أبعد في تحليل الخوف المجتمعي من صوت المرأة الكاتبة: "مجتمعنا لا يخاف المرأة التي تلبس، بل المرأة التي تكتب. لأن الكتابة كشف، والأنثى الكاتبة امرأة لا يمكن ترويضها بسهولة".

ومن لبنان، تقول هدى بركات: "الكتابة بالنسبة لي فعل نجاة. وفي العالم العربي، الكاتبة مطالبة دائمًا بإثبات شرعيتها، وكأن الكلمة لا تستقيم إلا إذا خرجت من فم رجل".

وتوضح الكاتبة السعودية زينب حفني حجم المقاومة الاجتماعية التي تواجهها المرأة الكاتبة: "حين بدأت الكتابة، قيل لي: هل يعقل أن تكتب سعودية بهذا الانفتاح؟! كانت الجملة كافية لتكشف حجم الرقابة المجتمعية التي تسبق حتى أي رقابة رسمية".

أما الكاتبة السورية مها حسن، فتُضيء على معاناة الكاتبة من الأحكام المسبقة: "لا أكتب لأكون امرأة سورية تكتب، بل أكتب لأنني أملك رؤية للعالم. لكن الطريق نحو أن تُسمَع هذه الرؤية مشوبة بكثير من الأحكام المسبقة".

وأخيرًا، تصف الكاتبة الكويتية بثينة العيسى الكتابة بأنها سلاح لمقاومة القيد المجتمعي: "أن تكوني كاتبة في العالم العربي يعني أن تبرري كل شيء: حضورك، نصك، اختيارك للموضوع، وحتى صمتك. الكتابة أصبحت بالنسبة لي مساحة للمقاومة لا للبوح فقط".

من الهامش إلى الصدارة: هل تجاوزنا الصورة النمطية؟

تمكين الكاتبة العربية لا يُقاس فقط بعدد الكتب المنشورة أو الجوائز المحصودة، بل بقدرتها على التعبير الحر دون خوف، وعلى خلق خطاب أدبي يتجاوز الجنس والهوية نحو الإنسان.

لقد تجاوزت المرأة الكاتبة الخوف من صورتها المجتمعية، لكنها لم تتجاوز تمامًا أحكام المجتمع. لا تزال تكتب وهي تُدرك أنها تُسائل، وتُراقب، وتُختبر باستمرار.

لكن ما تغيّر هو أنها لم تعد تنتظر الإذن، ولا تحاول إرضاء أحد. تكتب لأنها ترى العالم بطريقتها، وتحلم أن يراها العالم كما هي: صوتًا حرًّا، لا مرآة لأحد.

كلمات مفتاحية