في خضم التحولات العاصفة التي شهدتها سوريا خلال العقود الأخيرة، بقيت المرأة السورية علامة فارقة في تاريخ المجتمع، ومصدرًا حيويًا للتماسك والبناء التربوي والثقافي. لم تكن النساء في سوريا كائنًا هامشيًا أو تابعًا، بل لعبن أدوارًا محورية في التعليم، والعمل الأهلي، والرعاية المجتمعية، وكنّ الحامل الأول لقيم النهوض والانتماء، خصوصًا في المراحل المفصلية التي مرت بها البلاد.
لم تغب المرأة عن الحراك المجتمعي، بل كانت ولا تزال محورًا أساسيًا في العملية التربوية والتعليمية، وأحد أعمدة الوعي الشعبي. فمنذ بدايات القرن العشرين، خرجت من بين صفوف النساء قيادات في العمل الخيري، ومربيات رسّخن منظومة القيم واللغة والهوية، ومثقفات أسسن لنهضة فكرية لا يمكن إنكارها.
عملت النساء في مهن مختلفة، فكنّ المدرسة، والممرضة، والمزارعة، والمربية، والعاملة، في سبيل حياة أكرم ومجتمع أقوى. وحتى في أزمنة الحرب، حمت النساء نسق الحياة في ظل الانهيارات المتتالية.
كان تمثيل المرأة في ظل نظام الأسد لا يتجاوز حضورًا شكليًا في بعض الوزارات ذات الطابع الخدمي أو الاجتماعي، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أو الثقافة.
وعلى الرغم من أن المرأة السورية أثبتت قدرتها على القيادة في مختلف المحطات، فإن تمثيلها في الهيئات الحكومية والفعاليات السياسية ظلّ شكليًا أو معدومًا في معظم الأحيان، سواء في ظل حكم الأسد، أو حتى في بعض الكيانات السياسية التي نشأت بعد الثورة، فقد بقي صوت المرأة هامشيًا، ووجودها لا يتعدى سقف "الكوتا التجميلية"، إن وُجد.
كان تمثيل المرأة في ظل نظام الأسد لا يتجاوز حضورًا شكليًا في بعض الوزارات ذات الطابع الخدمي أو الاجتماعي، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أو الثقافة، وكانت تلك المواقع تُمنح غالبًا وفق مبدأ الولاء السياسي، لا الكفاءة ولا التمثيل الحقيقي. ولم تكن أي امرأة في موقع صناعة القرار السيادي، كالخارجية، أو الدفاع، أو الداخلية، أو حتى في رئاسة الحكومة.
وفي برلمان النظام، لم يتجاوز عدد النساء في أي دورة نسبة 10%، وغالبًا كنّ منخرطات في حزب البعث أو في الاتحاد النسائي الموالي، مما جعل حضورهن انعكاسًا للسلطة لا لصوت النساء السوريات.
وفي الكيانات التي رُوِّج لها على أنها تمثل حلم سوريا الجديدة بعد الثورة، لم يكن الوضع أفضل بكثير. ففي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة مثلًا، لم تتجاوز نسبة النساء في هيئاته القيادية 10% لسنوات طويلة، وغالبًا كانت مشاركتهن رمزية.
كذلك كان الأمر في اللجنة الدستورية السورية التي أُطلقت تحت مظلة الأمم المتحدة، إذ ضمت ثلاث قوائم (النظام، المعارضة، والمجتمع المدني)، لكن مشاركة النساء بقيت دون المستوى، سواء من حيث العدد أو التأثير. واللافت أن معظم النساء فيها لم يتمكّنّ من لعب دور فعّال، وكان حضورهن محدودًا أو محصورًا في الملفات "الناعمة".
تكرّر ذلك أيضًا في الفعاليات التي يُفترض أنها "منتديات للحوار" أو "مؤتمرات لبناء السلام"، إذ غاب الصوت النسوي المستقل. ففي مؤتمر سوتشي (2018) الذي رعته روسيا، ضمّت القاعة أكثر من 1500 مشارك، بالكاد كان من بينهم عشرات النساء. وفي العديد من الفعاليات التي نُظّمت في جنيف، أو الرياض، أو إسطنبول، كانت النساء حاضرات كـ"زينة ديمقراطية"، لا كصاحبات قرار.
في المشهد السوري اليوم، لا يُطلب من المرأة أن تكون "مشاركة" في القرار، بل أن تكون شريكة في صياغته.
تبدو تلك المكاشفة صادمة ومؤلمة في الوقت ذاته، وعلى الرغم من أن الجميع يعلم في حقيقة الأمر أن هذا ما يحدث، إلا أن الغالبية تتجنب وضع يدها على المشكلة وإيجاد الحل.
إن هذا الواقع لا يُعزى فقط إلى السياسات الرسمية أو الهياكل الذكورية، بل أيضًا إلى الثقافة السائدة في المجتمع السوري جلّه. فحتى قوى المعارضة، وإن طالبت بالحرية، كانت قد حصرت العمل السياسي بالرجال. يضاف إلى ذلك عوامل عدة تتمثل بانعدام التمكين السياسي للنساء في المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق الريفية أو الخارجة من النزاع، وتهميش المرأة في ملفات الأمن والسلام، على الرغم من أنها من أكثر الفئات تضررًا من الحرب.
إن المرأة السورية تُستبعد اليوم أيضًا، بشكل يكاد يكون ممنهجًا، من مواقع القرار السياسي والأجسام الوطنية أو القوى الفاعلة في المشهد السوري في مرحلة ما بعد الأسد. فهي ـــ عدا عن أمثلة قليلة ـــ غائبة عن مراكز صناعة القرار، وحضورها القليل لا يعكس حجم عطائها ولا وزنها الحقيقي.
إن تغييب النساء عن صناعة القرار لا يعود فقط إلى المنظومة السياسية التي حكمت سوريا في السابق وهمّشت كل صوت حر، بل أيضًا إلى الثقافة التي ما تزال ترى في السياسة ميدانًا خاصًا بالرجال. والمفارقة أن نساء كثيرات قُدن مبادرات في زمن الثورة، وكنّ في الصفوف الأمامية للمطالبة بالحرية، وأسهمن في بناء شبكات التضامن والإغاثة، ثم ما لبثن أن أُقصين عن مراكز التمثيل والنفوذ.
في سوريا اليوم، وفي ظل مرحلة جديدة بعد سقوط نظام الاستبداد، تقف المرأة السورية على مفترق طرق: بين الحفاظ على دورها المجتمعي الحيوي، وبين المطالبة بحقوقها السياسية كاملة غير منقوصة. وعلى أن الحضور في المؤسسات الأهلية والقطاع التربوي ما زال قويًا، لكن حضورها في مؤسسات الحكم والإدارة والتمثيل السياسي ما زال هشًا، أو شبه معدوم.
إن تجاهل وجود نساء رائدات وعلى قدر عالٍ من العلم والثقافة والخبرة السياسية سيسبب نتائج سلبية على المجتمع، لأن معركة البناء والعدالة والمواطنة لا يمكن أن تُخاض من دونهن.
لا بد من إعادة الاعتبار للمرأة السورية بصفتها شريكة حقيقية في بناء سوريا الجديدة. ويتطلب ذلك إعادة صياغة المنظومة السياسية والثقافية والقانونية لتكون أكثر شمولًا وإنصافًا، كما يستوجب دعم المبادرات النسوية، وتمكين النساء من أدوات العمل السياسي والإداري، وتمثيلهن بعدالة في كل المؤسسات والمجالس والبرامج المستقبلية.
إن إعادة تشكيل الأجسام السياسية بطريقة عادلة تضمن تمثيلًا حقيقيًا للنساء، لا أن يكون حضورهن ديكوريًا، بإشراك النساء في صياغة المستقبل، خصوصًا من اللواتي يمتلكن خبرة في العمل المدني والحقوقي. ويبدو على رأس هذه القائمة إعادة الاعتبار لتجارب النساء في المنفى، والمخيمات، والمناطق المحررة، حيث لعبن أدوارًا بطولية في الصمود والإغاثة والتعليم، ويملكن رؤى حقيقية لبناء السلام.
في المشهد السوري اليوم، لا يُطلب من المرأة أن تكون "مشاركة" في القرار، بل أن تكون شريكة في صياغته. ذلك أن غيابها لم يعد مجرد خلل تمثيلي، بل خطرًا استراتيجيًا على مستقبل سوريا، فالعدالة لا تكتمل من دون عدالة النوع، ولا يمكن تشكيل بناء ديمقراطي من دون حضور النساء في مفاصل الدولة والمجتمع.
حين تهدم الحرب أماكننا.. ماذا يبقى من ذاكرتنا؟
أبعد من الخوف.. الفاتورة المنسية لعودة السوريين إلى بلادهم
الحرية كعملية تفاوض.. اختبار الحدود بين السلطة والمجتمع
ثقافة الحذر: كيف تراجعت المبادرات وصار الحد الأدنى هو القاعدة
التطبيع مع القبح.. حين يتكفل المجتمع بما بدأته السياسة