icon
التغطية الحية

المدارس الخاصة في محافظة حلب.. أقساط مرتفعة وفوارق كبيرة بين المدينة والريف

2026.07.30 | 07:23 دمشق

آخر تحديث: 2026.07.30 | 07:30 دمشق

المدارس الخاصة في محافظة حلب (تلفزيون سوريا)
المدارس الخاصة في محافظة حلب (تلفزيون سوريا)
حلب - خاص
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تواجه العائلات في حلب تحديات اقتصادية كبيرة مع ارتفاع أقساط المدارس الخاصة، مما يجعل التعليم الجيد صعب المنال، بينما يعاني التعليم الحكومي من الاكتظاظ ونقص الإمكانات.

- يوجد تفاوت كبير في الأقساط الدراسية بين مدينة حلب وريفها، مما يدفع الأسر لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق أو توزيع الأبناء بين التعليم الحكومي والخاص، ويعكس الفجوة المتزايدة بين المدينة والريف.

- تبرر المدارس الخاصة ارتفاع الأقساط بزيادة التكاليف التشغيلية، لكن أولياء الأمور يطالبون بمعايير واضحة لتحديد الرسوم، مما يعمق الفوارق الاجتماعية ويجعل التعليم المتميز امتيازاً مالياً.

مع اقتراب العام الدراسي الجديد، تتحول رحلة البحث عن مدرسة مناسبة في محافظة حلب إلى تحد اقتصادي يفرض نفسه على آلاف العائلات، في ظل ارتفاع أقساط المدارس الخاصة إلى مستويات تفوق قدرة شريحة واسعة من الأهالي، واستمرار معاناة التعليم الحكومي من الاكتظاظ ونقص الإمكانات، وبينما ترى إدارات المدارس الخاصة أن الزيادات تعكس ارتفاع تكاليف التشغيل والتغييرات التي طرأت على بيئة العمل بعد سقوط النظام المخلوع، يعتبر أولياء الأمور أن التعليم بات يتحول تدريجياً إلى خدمة يصعب الوصول إليها إلا لمن يمتلك القدرة المالية، وسط فجوة واضحة بين رسوم المدارس في مدينة حلب ونظيرتها في ريف المحافظة.

رصد موقع تلفزيون سوريا، من خلال جولة ميدانية ولقاءات مع أولياء أمور وطلاب ومديري مدارس خاصة في مدينة حلب وريفها، تفاوتاً كبيراً في الأقساط الدراسية بين المدينة والريف، إلى جانب تباين في الخدمات التعليمية، فيما أجمع معظم من التقاهم الموقع على أن العام الدراسي الحالي يشهد واحدة من أكبر موجات الارتفاع في الرسوم منذ سنوات.

المدينة: التعليم الجيد بثمن باهظ

داخل منزلها في حي سيف الدولة بمدينة حلب، تبحث روعة محمد عن مدرسة مناسبة لابنتها التي تستعد لدخول الصف الأول، لكن قرار تسجيلها في مدرسة خاصة أصبح يرتبط بحسابات مالية معقدة أكثر من ارتباطه بالجانب التعليمي.

تقول روعة لموقع تلفزيون سوريا إن أقرب مدرسة خاصة إلى منزلها طلبت قسطاً سنوياً يبلغ نحو 800 دولار أميركي، يضاف إليه رسم النقل الذي لم يحدد بعد، لكنه قد يصل إلى نحو 200 دولار سنوياً، ما يعني أن تكلفة عام دراسي واحد قد تلامس ألف دولار.

وتوضح أن زوجها يعمل موظفاً في القطاع العام، بينما تعمل هي موظفة في القطاع الخاص، ورغم أن دخلهما يؤمن احتياجات الأسرة الأساسية، فإن تخصيص هذا المبلغ لطفلة واحدة يشكل عبئاً كبيراً، إلا أن تجربتها مع المدارس الحكومية لا تمنحها شعوراً بالاطمئنان، وتضيف أن الصفوف المكتظة وضعف المتابعة الفردية للأطفال يدفعان كثيراً من الأهالي للبحث عن بدائل، حتى لو كانت تكلفتها مرتفعة، معتبرة أن التعليم أصبح من أكثر البنود استنزافاً لميزانية الأسرة بعد الغذاء والسكن.

ولا تختلف معاناة علي العيسى، وهو من سكان حي قاضي عسكر، كثيراً، فالرجل لديه أربعة أبناء في مراحل دراسية مختلفة، ويؤكد أن تسجيلهم جميعاً في مدارس خاصة قد يتطلب ما لا يقل عن خمسة آلاف دولار سنوياً، من دون احتساب اللباس المدرسي والقرطاسية والنقل والأنشطة الإضافية.

ويقول لموقع تلفزيون سوريا، إن هذا الرقم يفوق قدرته المالية رغم أنه يعمل في تجارة الأدوات المنزلية، لذلك اضطر إلى اتخاذ قرار صعب يتمثل بإلحاق ولديه في المرحلة الإعدادية بمدرسة خاصة، تمهيداً لمرحلة الثانوية، مقابل إبقاء طفلتيه في المدارس الحكومية، مضيفاً أن "الأمر لم يعد يتعلق بالرغبة، بل بالقدرة على الدفع".

ولا تقتصر النفقات على الأقساط المدرسية، إذ يشير عدد من الأهالي إلى أن معاهد الدورات التعليمية أصبحت جزءاً أساسياً من رحلة الطالب، حيث تبدأ رسوم دورات المرحلة الإعدادية من نحو 700 دولار سنوياً، بينما تتجاوز في المرحلة الثانوية 1500 دولار في بعض المعاهد، ما يضاعف الأعباء على الأسر، خصوصاً مع اعتماد كثير من المؤسسات التعليمية التسعير بالدولار الأميركي أو بما يعادله بالليرة السورية.

المدارس الخاصة في محافظة حلب (تلفزيون سوريا)
المدارس الخاصة في محافظة حلب (تلفزيون سوريا)

التعليم الحكومي يدفع الأسر نحو البدائل

يرى كثير من الأهالي أن الإقبال المتزايد على المدارس الخاصة لا يرتبط فقط بالرغبة في الحصول على خدمات تعليمية أفضل، بل أيضاً بالتحديات التي ما تزال تواجه التعليم الحكومي، رغم التحسن التدريجي الذي شهده بعد سقوط النظام المخلوع، ويقول معلم في إحدى المدارس الحكومية بمدينة حلب، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن الصف الواحد يضم أحياناً أكثر من خمسين طالباً، وهو عدد يجعل من الصعب على المدرس متابعة الفروقات الفردية أو إعادة شرح الدروس للطلاب الذين يحتاجون إلى دعم إضافي.

ويضيف أن المعلم يكتفي في كثير من الأحيان بإنهاء المنهاج ضمن الوقت المحدد، بينما تصبح المراجعة والتقييم المستمر أموراً يصعب تحقيقها بسبب الاكتظاظ وضغط الحصص، الأمر الذي يدفع عدداً كبيراً من الطلاب إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية أو المعاهد لتعويض النقص، ويشير إلى أن تحسين واقع التعليم الحكومي لا يقتصر على زيادة أعداد المدارس أو تخفيف الكثافة الصفية، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة تعليمية مستقرة ورواتب قادرة على الحفاظ على الكفاءات التعليمية.

ويطالب أولياء أمور بمزيد من الشفافية في تحديد رسوم المدارس الخاصة، معتبرين أن بعض المؤسسات التعليمية ترفع الأقساط سنوياً من دون أن يلمس الأهالي تطوراً مماثلاً في مستوى الخدمات أو البنية التحتية، فيما يصف آخرون بعض المدارس بأنها تحولت إلى مشاريع استثمارية تستفيد من ضعف البدائل المتاحة أمام الأسر.

التربية تطلق دليلا تدريبيا للوقاية من المخدرات في المدارس السورية - سانا

الريف: أقساط أقل لكنها ترهق الأسر

ورغم أن الأقساط في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي تبدو أقل مقارنة بمدينة حلب، فإنها تبقى مرتفعة قياساً بمستوى الدخل السائد في المنطقة، وخلال جولة أجراها موقع تلفزيون سوريا في مدن الباب وأعزاز ومارع وجرابلس وتل رفعت، تراوحت الأقساط السنوية في معظم المدارس الخاصة بين نحو 300 دولار لمرحلة رياض الأطفال، و500 إلى 600 دولار لطلاب الثانوية العامة، مع وجود تفاوت بين مدرسة وأخرى بحسب الكادر التدريسي والخدمات التعليمية والأنشطة المرافقة.

صلاح جاويش، وهو شاب من ريف حلب يستعد لدخول المرحلة الثانوية، يقول إنه يقارن حالياً بين مدرستين خاصتين، الأولى تبلغ رسومها 600 دولار، والثانية 700 دولار، لكن الأخيرة تضم عدداً أكبر من المدرسين الاختصاصيين المعروفين بنتائجهم الجيدة في الثانوية العامة، ويضيف لموقع تلفزيون سوريا، أن الفرق في السعر قد يبدو محدوداً، لكنه بالنسبة لعائلته يمثل مبلغاً ليس سهلاً، مؤكداً أن الأقساط ارتفعت هذا العام بنحو 30 في المئة مقارنة بالعام الماضي، إذ كانت أفضل المدارس الخاصة تتقاضى أقل من 500 دولار.

ويشير عدد من الأهالي في ريف حلب إلى أن ارتفاع الرسوم أصبح يفرض عليهم إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بينما يفضل بعضهم نقل أبنائهم إلى مدارس أبعد سعراً لكنها أقل كلفة، أو توزيع الأبناء بين التعليم الحكومي والخاص وفق الإمكانات المالية، وهو واقع بات يتكرر في كثير من الأسر.

جامعة تابعة لـ "الإدارة الذاتية" - روناهي

ارتفاع مبرر؟

تؤكد إدارات مدارس خاصة في مدينة حلب وريفها أن رفع الأقساط هذا العام لم يكن خياراً، بل نتيجة مباشرة لارتفاع التكاليف التشغيلية وتغير البيئة التنظيمية والاقتصادية، وقال عدد من مديري المدارس الخاصة، في أحاديث متطابقة لموقع تلفزيون سوريا، إن فرض ضرائب على المدارس الخاصة رفع جزءاً من الأعباء المالية التي لم تكن موجودة في مناطق الشمال السوري خلال السنوات الماضية، إلى جانب زيادة أجور المعلمين للحفاظ على الكوادر التعليمية، بعد رفع رواتب العاملين في القطاع العام وفتح باب التعيينات الجديدة.

وأضافوا أن المدارس أصبحت ملزمة بشراء الكتب الدراسية عبر مديرية التربية وفق الآليات المعتمدة، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة المستلزمات التعليمية، فضلاً عن ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء والإيجارات ووسائل النقل والصيانة والتجهيزات المدرسية، كما يشير بعض المديرين إلى أن الحفاظ على المعلمين الأكفاء يتطلب تقديم رواتب منافسة، في ظل استمرار حاجة المدارس إلى الكوادر المتخصصة، ولا سيما في المواد العلمية واللغات الأجنبية، مؤكدين أن جزءاً كبيراً من الأقساط يذهب لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية، وليس لتحقيق أرباح فقط.

ويرى أولياء أمور أن هذه المبررات لا تلغي الحاجة إلى وجود معايير واضحة لتحديد الرسوم وربطها بمستوى الخدمات المقدمة، بما يضمن تحقيق توازن بين حق المدارس في الاستمرار وحق الأسر في الحصول على تعليم جيد بتكلفة معقولة.

لماذا يتردد اللاجئون السوريون في العودة؟ (إنترنت)

مكانة اجتماعية تتجاوز جودة التعليم

في كثير من الأحيان، لا يرتبط الإقبال على المدارس الخاصة في مدينة حلب، وبالريف ولو بشكل أقل، بالحاجة إلى مستوى تعليمي أفضل فحسب، بل بات يحمل في بعض الأوساط بعداً اجتماعياً يرتبط بالمكانة والقدرة المادية.

وبحسب ما رصده موقع تلفزيون سوريا خلال إعداد هذا التقرير، تبدو هذه الظاهرة أكثر حضوراً في مدينة حلب مقارنة بريفها، حيث تتعامل بعض العائلات، ولا سيما من أصحاب الأعمال والتجار وذوي الدخل المرتفع، مع تسجيل أبنائها في المدارس الأعلى رسوماً بوصفه مؤشراً على المكانة الاجتماعية، أكثر من كونه قراراً تعليمياً صرفاً.

ويقول مصدر محلي في حلب، لموقع تلفزيون سوريا، إنه لا ينظر إلى القسط السنوي باعتباره عبئاً مالياً، بل استثماراً في مستقبل أبنائه، مضيفاً: "كلما كانت المدرسة أكثر تميزاً ارتفعت رسومها، وهذا أمر طبيعي، لأن الخدمات والكادر التعليمي مختلفان"، ويضيف أن كثيراً من العائلات في محيطه الاجتماعي تتبادل الحديث عن أسماء المدارس التي يدرس فيها أبناؤها وقيمة الأقساط التي تدفعها، معتبراً أن ذلك أصبح جزءاً من التنافس الاجتماعي بين بعض الأسر، وفي المقابل، يرى مختصون تربويون أن ربط جودة التعليم بقيمة القسط وحدها قد يعمق الفوارق الاجتماعية بين الطلاب، ويعزز الانطباع بأن التعليم المتميز أصبح امتيازاً مرتبطاً بالقدرة المالية، لا حقاً متاحاً لجميع الأطفال.

وفي ظل استمرار الفجوة بين واقع التعليم الحكومي وإمكانات كثير من الأسر، يبدو أن المدارس الخاصة في محافظة حلب ستبقى خياراً صعباً، وضرورياً في الوقت ذاته، فهي توفر، في نظر كثير من الأهالي، بيئة تعليمية أفضل، لكنها في الوقت ذاته تفرض أعباء مالية متزايدة تجعل الحصول على هذا الخيار مرتبطاً بالقدرة على تحمل كلفته، في وقت تتسع فيه الفوارق بين المدينة والريف، وتزداد الحاجة إلى سياسات تعليمية تضمن تحسين جودة التعليم العام، وتضع ضوابط أكثر وضوحاً لتنظيم قطاع التعليم الخاص، بما يحافظ على حق الطالب في التعليم بعيداً عن الضغوط الاقتصادية.

التعليم السوري أمام اختبار التعافي.. كيف تُبنى المدارس الجديدة؟