icon
التغطية الحية

المدارس الخاصة في سوريا.. ماذا يحصل عليه الأهل مقابل عشرات الملايين؟

2026.08.12 | 14:29 دمشق

المدارس الخاصة في سوريا.. ماذا يحصل عليه الأهل مقابل عشرات الملايين؟ - تلفزيون سوريا
المدارس الخاصة في سوريا.. ماذا يحصل عليه الأهل مقابل عشرات الملايين؟ - تلفزيون سوريا
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A

مع اقتراب نهاية العطلة الصيفية، يعود سؤال اختيار المدرسة إلى واجهة اهتمامات كثير من العائلات السورية: أي المدارس أفضل؟ هل يستحق التعليم الخاص الأقساط المرتفعة؟ وهل يحصل الطفل فعلاً على تعليم وبيئة تربوية يتناسبان مع ما تدفعه أسرته؟.

ولا تتوقف حسابات الأهل عند مستوى التدريس، بل تمتد إلى اللغة الإنكليزية، وعدد الطلاب في الصف، وكفاءة المعلمين، والاهتمام بالحالة النفسية للطفل، والنظافة والانضباط، وحتى المسافة التي يقطعها يومياً في حافلة المدرسة.

وفي ظل تراجع ثقة شريحة من الأهالي بالمدارس العامة، يجد بعضهم في المدرسة الخاصة خياراً أقرب إلى الضرورة منه إلى الرفاهية، رغم أن كلفتها قد تصل إلى عشرات ملايين الليرات سنوياً، من دون احتساب النقل والأنشطة والمناسبات والمصاريف الأخرى.

لكن السؤال الذي يتكرر بين الأهالي يبقى: ما الذي يحصل عليه الطفل فعلاً مقابل كل هذه الكلفة؟.

القسط ليس المصروف الوحيد

تتباين تجارب الأهالي مع المدارس الخاصة؛ فبعضهم يرى فيها بيئة أكثر انتظاماً وأماناً، في حين يرى آخرون أن ارتفاع الأقساط لا ينعكس بالضرورة على جودة التعليم.

كما لا تنتهي النفقات عند دفع القسط المدرسي، إذ تضاف إليها تكاليف النقل والأنشطة والاحتفالات والمناسبات المدرسية، وهي مصاريف قد تشكل عبئاً إضافياً على الأسرة.

وتقول نور، وهي أم لثلاثة أطفال، لموقع تلفزيون سوريا، إنها لا ترى أن مستوى الخدمات المقدمة في عدد من المدارس الخاصة يتناسب مع الأقساط التي تتقاضاها.

وتضيف أن المشكلة، من وجهة نظرها، لا تكمن فقط في كثافة المناهج، وإنما في طريقة تقديمها، إذ تعتمد العملية التعليمية في أحيان كثيرة على حشو المعلومات بدلاً من الفهم والتطبيق، ما يجعل الطفل ينسى جزءاً كبيراً مما تعلمه بعد انتهاء العام الدراسي.

وترى نور أن الجانب النفسي لا يحظى أيضاً بالاهتمام الكافي، رغم حاجة المدارس إلى مختصين قادرين على ملاحظة التغيرات في سلوك الأطفال والتواصل مع الأهالي بشأنها.

وتشير إلى أن المصاريف الإضافية، ومن بينها الاحتفالات والأنشطة المختلفة، تزيد العبء المالي، في وقت أصبحت فيه الدعاية عاملاً مؤثراً في اختيار المدارس.

وتقول إن ما تبحث عنه الأسرة ليس مجرد مدرسة تقدم مواد إضافية أو أنشطة أكثر، بل مؤسسة تعليمية توازن بين التعليم والتربية والسلوك والاهتمام بالطفل.

هل ندفع مقابل التعليم أم البيئة المحيطة به؟

رغدة، وهي أم لطفلين من محافظة اللاذقية، اتخذت قراراً مختلفاً، إذ نقلت طفليها من مدرسة خاصة إلى أخرى عامة بعدما أصبحت الأقساط، بحسب وصفها، أكبر من قدرة الأسرة على تحملها.

وتقول إن أكثر ما كان يهمها في المدرسة الخاصة لم يكن مستوى التدريس فقط، بل النظافة والانضباط والبيئة التي يقضي فيها الطفل ساعات طويلة من يومه.

ومن ناحية التحصيل العلمي، لم تلاحظ رغدة فرقاً كبيراً بين المدرستين، وترى أن المدرسة العامة قدمت مستوى جيداً في شرح المواد وتشجيع الأطفال.

لكن الفارق الأكبر، بحسب تجربتها، ظهر في الجانب السلوكي والنفسي.

وتقول إن أعداد الطلاب الأقل في المدرسة الخاصة كانت تسمح بمتابعة أكبر، إلى جانب اهتمام بالنظافة والانضباط وتواصل أفضل مع الأسرة.

في المقابل، أدى ارتفاع عدد الطلاب في المدرسة العامة، بحسب رغدة، إلى تراجع قدرة المعلمين والإدارة على متابعة كل طفل بصورة فردية.

وتضيف: "في المدرسة الخاصة كان هناك انضباط أكبر، واهتمام بالنظافة، ومتابعة أكثر من الكادر التدريسي والتوجيهي، كما أن أعداد الطلاب كانت أقل، وهذا كان يتيح للمعلمين متابعة الأطفال بشكل أفضل".

وتتابع: "لكن من ناحية التدريس، لم أجد فرقاً كبيراً، والمستوى التعليمي في المدرستين متقارب".

الأهل يبحثون عن الأمان والاستقرار

وترى الاختصاصية التربوية كيندة الحموي أن ما يدفع كثيراً من الأهالي إلى اختيار المدارس الخاصة ليس بالضرورة اعتقادهم بأنها تقدم تعليماً أفضل، بل بحثهم عن مجموعة من المقومات التي لا يجدونها بصورة مستقرة في مدارس أخرى.

وتوضح الحموي لموقع تلفزيون سوريا أن المدرسة الخاصة تحولت بالنسبة إلى شريحة من الأسر إلى ضرورة أكثر منها خياراً، في ظل ضعف الثقة بالمدارس العامة وما تعانيه بعض المدارس من نقص في الكوادر التعليمية والإدارية وعدم انتظام العملية التعليمية.

وتوفر المدارس الخاصة، وفق الحموي، انتظاماً أكبر في الدوام ومتابعة أوضح للطلاب وتواصلاً أفضل مع الأهالي، وهي عوامل تمنح الأسرة شعوراً أكبر بالاستقرار والأمان.

لكن ذلك، بحسب الحموي، لا يعني أن المدارس الخاصة أفضل بالضرورة من حيث مستوى التدريس، خاصة أن كثيراً منها يعتمد المناهج نفسها مع بعض الإضافات.

وترى أن المشكلة الأساسية تتعلق بطريقة تعامل المدرسة مع الطفل، سواء كانت عامة أم خاصة.

فالضغط الدراسي وكثافة الواجبات قد يتحولان إلى عبء نفسي، خصوصاً عندما يقضي الطفل ساعات طويلة في المدرسة، ثم يحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات إضافية لإنجاز واجباته في المنزل.

وبذلك، يفقد الطفل جزءاً من الوقت الذي يحتاجه للعب والتفاعل مع أسرته وتنمية شخصيته بعيداً عن الواجبات والامتحانات.

كما تنتقد الحموي أساليب التعليم القائمة على تراكم المعلومات والحفظ، معتبرة أن الطفل يحتاج إلى بيئة تتيح له الفهم والمشاركة والتجربة، لا مجرد حفظ المعلومات للحصول على علامة مرتفعة.

مدرسة تناسب الطفل.. لا العكس

ومن تجربتها كأم لثلاثة توائم وحاصلة على دبلوم في التأهيل التربوي، ترى علا مغربي أن المدرسة الجيدة هي التي تقدم محتوى تعليمياً مناسباً من دون أن تنقل العبء الدراسي بالكامل إلى المنزل.

وتشير إلى أن اختيار المدرسة لا ينبغي أن يقوم على المستوى الأكاديمي وحده، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار البيئة الاجتماعية والنفسية التي سيعيش فيها الطفل.

وتقول: "من الضروري أن نضع الطفل في بيئة تناسبه، لا أعلى منها حتى لا يشعر بالإحباط، ولا أقل منها حتى لا يشعر بأنه غريب عنها. البيئة الاجتماعية عامل أساسي في توازن الطفل".

وترى علا أن ارتفاع أقساط بعض المدارس الخاصة لا يعني بالضرورة أنها تقدم المساحات والأنشطة التي يحتاج إليها الطفل، إذ تفتقر بعض المدارس الموجودة داخل المدن إلى الملاعب والحصص العملية، في حين تملك مدارس أخرى تجهيزات أفضل لكنها تقع خارج المدن وترتفع كلفتها إلى مستويات لا تستطيع تحملها سوى شريحة محدودة من الأسر.

وتشير إلى أن المدارس الخاصة بحاجة إلى تطوير طرق التعليم والأنشطة، وإعطاء الطفل مساحة أكبر للتفاعل والتجربة بدلاً من حصر العملية التعليمية داخل الصفوف.

وفي تجربتها الشخصية، تقول علا إن التواصل المستمر بين المدرسة والأهل والاهتمام بالحالة النفسية للطفل كانا من أبرز الجوانب الإيجابية، لكنها تؤكد أن هذا المستوى لا يتوافر في المدارس الخاصة كلها.

ولذلك، ترى أن على الأسرة البحث والسؤال جيداً قبل اختيار المدرسة، وهو ما يضيف عبئاً نفسياً إلى العبء المالي الذي تتحمله أصلاً.

ليس القسط وحده معياراً لجودة التعليم

وتشير الحموي إلى أن تحسين الواقع التعليمي لا يرتبط بزيادة أعداد المدارس الخاصة، وإنما بتطوير المدارس بصورة عامة، وتدريب الكوادر التعليمية والإدارية على التعامل مع احتياجات الأطفال وسلوكياتهم، وتفعيل دور المرشد النفسي داخل المدرسة.

كما تؤكد أن نوع المدرسة لا يحدد قدرات الطفل أو مستقبله، لافتة إلى أن المدارس العامة خرّجت على مدى سنوات أطباء ومبدعين وطلاباً متفوقين.

وفي المقابل، ترى علا مغربي أن تحسين أجور المعلمين والمعلمات في المدارس العامة خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى رقابة ومتابعة وتقييم مستمر للأداء، حتى تنعكس بصورة فعلية على جودة التعليم.

وفي النهاية، لا تبدو قضية المدارس الخاصة في سوريا مجرد مقارنة بين أقساط مرتفعة وتعليم مجاني أو أقل كلفة، بل ترتبط بما تبحث عنه الأسر لأطفالها من تعليم وأمان وانضباط ونظافة ومتابعة وبيئة اجتماعية مستقرة.

فالأهل لا يدفعون مقابل المنهاج وحده، وإنما مقابل مجموعة كاملة من التفاصيل التي تحيط بيوم الطفل داخل المدرسة.

ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل تتناسب عشرات الملايين التي تنفقها بعض الأسر سنوياً مع ما يحصل عليه الطفل فعلاً؟

وبين مدرسة خاصة يراها بعض الأهالي ضرورة، ومدرسة عامة تعاني في مناطق من الاكتظاظ ونقص الكوادر والإمكانات، يبقى الطفل الطرف الذي ينبغي أن يكون في مركز النقاش؛ لا بوصفه مشروعاً للحصول على أعلى علامة، وإنما طفلاً يحتاج إلى أن يتعلم ويشعر بالأمان، وأن يجد وقتاً للعب وبناء شخصيته من دون أن يصبح التعليم عبئاً يفوق عمره.