المحكمة الاتحادية بين السياسة والدستور!

تاريخ النشر: 22.05.2022 | 06:25 دمشق

ظهرت في العراق بعد العام 2005 ثلاث قوى فاعلة، وهي السلطة التشريعية والمتمثلة بالبرلمان، والسلطة التنفيذية وتمثلها الحكومة، والسلطة القضائية وتجسدها المحكمة الاتحادية العليا، التي عادت للواجهة بقوة هذه الأيام.

وبموجب التشريع رقم (30) في 17-03-2005، صدر قانون المحكمة الاتحادية العليا ونشر في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية/ رقم العدد: 3996).

ومما جاء في التشريع أن المحكمة مستقلة ماليا وإداريا، وبأنها تتكون من رئيس ونائب للرئيس وسبعة أعضاء أصليين يتمّ اختيارهم من بين قضاة الصنف الأول المستمرين بالخدمة ممن لا تقل خدمتهم الفعلية في القضاء عن (15) خمس عشرة سنة.

وبينت المادة الرابعة من التشريع، وهي الأهم، اختصاص المحكمة، وحددته بالآتي:

أولا: الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة.

ثانيا: تفسير نصوص الدستور.

ثالثا: الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية.

سادسا: الفصل في الاتهامات الموجهة لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء.

سابعا: التصديق على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب.

تاسعا: النظر بالطعن في قرار مجلس النواب الصادر على وفق صلاحياتها المنصوص عليها في المادة (52) من دستور العراق لعام 2005، وغيرها من الصلاحيات.

وختم التشريع بعبارة جوهرية وهي أن "الأحكام والقرارات التي تصدرها المحكمة الاتحادية العليا باتة"!

ولم يظهر دور المحكمة الاتحادية بفاعلية ووضوح إلا بداية حزيران/ يونيو في العام 2010، بعد فوز قائمة إياد علاوي في الانتخابات البرلمانية بالمرتبة الأولى، وتلتها قائمة دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وفسرت المحكمة، حينئذ، الكتلة الأكبر بأنها التي تتشكل داخل البرلمان ليفوز المالكي برئاسة الحكومة لولاية ثانية، وقالت المحكمة بتفسيرها: "يتولى رئيس الجمهورية تكليف مرشح الكتلة النيابية التي أصبحت مقاعدها النيابية في الجلسة الأولى لمجلس النواب أكثر عدداً من الكتلة، أو الكتل الأخرى بتشكيل مجلس الوزراء استناداً إلى أحكام المادة (76) من الدستور".

بعد انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2021، والانسداد السياسي العام في العملية السياسية، عادت المحكمة الاتحادية مرة أخرى للواجهة والمواجهة

ومن يومئذ بدأت الاتهامات تتوالى على المحكمة بأنها مُسيسة، وهنالك بعض الأطراف الداخلية والخارجية تتحكم بقراراتها!

وقد توالت، بعد العام 2010 التفسيرات الدستورية والدعاوى الاعتيادية أمام المحكمة، وكان غالبية عملها ضمن النطاق القانوني الروتيني.

وبعد انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2021، والانسداد السياسي العام في العملية السياسية، عادت المحكمة الاتحادية مرة أخرى للواجهة والمواجهة، ولكنها بقيت ضمن دائرة الاتهامات من بعض الأطراف السياسية وبالذات تلك القوى المتصارعة مع نوري المالكي.

وغالبية الاتهامات ضد المحكمة الاتحادية تصب في مسار (تناغمها أو تخادمها) مع سياسات المالكي، ومن معه، منذ أن كان رئيسا للحكومة وحتى اليوم!

لكن، ومع هذه الاتهامات، لاحظنا أن المحكمة، قررت في الثالث من شباط/ فبراير 2022 ردّ الدعوى المقامة من الإطار التنسيقي بزعامة المالكي بشأن الكتلة البرلمانية الأكبر، التي يحق لها تسمية رئيس الوزراء الجديد.

ولكن تفسيرها للمادة 76 من الدستور في القرار ذاته جاء مخالفا لتفسيرها السابق، وقالت إن الكتلة الأكثر عددا يمكن أن تقدم إلى رئيس البرلمان سواء في الجلسة الأولى أو ما بعدها، حتى بعد انتخاب رئيس الجمهورية ما دامت هذه الكتلة لم تقدم إلى رئيس البرلمان، وهذا خلاف تفسيرها في العام 2010 والذي حصر الكتلة الأكبر بالجلسة الأولى فقط، وهذا يصب في مصلحة فريق المالكي!

ومن المواجهات الكبرى بين المحكمة والتحالف الثلاثي (التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر، والسيادة برئاسة خميس الخنجر، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني) قرارها في 13/ شباط/ فبراير 2022 والذي قضت بموجبه عدم قبول ترشيح هوشيار زيباري، من الحزب الديمقراطي المتحالف مع مقتدى الصدر، لمنصب رئاسة الجمهورية.

ومن يومئذ بدأت تشنجات المحكمة مع التحالف الثلاثي، ومن بينها قرار المحكمة الاتحادية في الأول من آذار/ مارس الماضي، والذي قضت بموجبه بعدم دستورية فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، وأن فتح الترشح لمنصب رئيس الجمهورية مرة ثانية من قبل مجلس النواب غير دستوري، وهذا القرار ليس بمصلحة التحالف الثلاثي المخالف للمالكي!

وقد سبق لتحالف المالكي، وبالذات بعد تناحرهم العلني والمستمر مع تيار الصدر منذ نهاية الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، أن قدموا في 12/5/2022 دعاوى قضائية للمحكمة الاتحادية تخص التجاوز على المدد الدستورية، وبتوزيع اللجان النيابية.

وفي منتصف أيار/ مايو الحالي قررت المحكمة إلغاء مشروع قانون الأمن الغذائي، وقد فسرت المحكمة عبارة (الأمور اليومية) الواردة في المادة 64/ ثانيا من الدستور بأنه: "لا يحق لها (لحكومة تصريف الأعمال اليومية، حكومة مصطفى الكاظمي) اقتراح مشاريع القوانين"!

واعتبر الكاظمي قرار المحكمة عرقلة لدور حكومته في تسيير (الأمور اليومية)، وأن الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية، بدواعٍ ملحة؛ لمعالجة التحديات الاقتصادية التي فرضتها أزمة ارتفاع الأسعار العالمية؛ وذلك لتحقيق الأمن الغذائي.

ولم تكتف المحكمة بذلك بل ذهبت بعد 24 ساعة إلى ضرب تحالف السيادة وذلك بقرارها القاضي بإلغاء عضوية مجلس النواب للنائب (المثير للجدل) مشعان الجبوري بعد دعوى رفعها ضده النائب السابق قتيبة الجبوري بسبب "تزويره لشهادته الدراسية".

وضمن الصراع مع المحكمة الاتحادية قال هوشيار زيباري، القيادي في الحزب الديمقراطي، يوم (16/5/2022) عبر منصة "تويتر": إن العراق في مأزق سياسي وأمني خطير، بسبب فشل الرئاسات الثلاث وانجرار القضاء إلى قرارات منحازة".

هذا التشابك القانوني والسياسي بين المحكمة الاتحادية وغالبية القوى العراقية الفاعلة، يؤكد أهمية دورها القانوني المنظم، وربما المربك، للعملية السياسية

ولم تكن انتقادات زيباري للمحكمة بالمجان، وفي يوم 17/ أيار/ مايو الحالي تطورت القضية بين الفريقين، وتمّ استدعاء زيباري لمحكمة الكرخ ببغداد وذلك بناء على شكوى تقدم بها الممثل القانوني للمحكمة الاتحادية عن "جريمة الإساءة للقضاء بشكل متكرر"!

وآخر المواجهات كشفها المالكي، يوم 20/5/2022 حينما أعلن دعمه لقرارات القضاء والمحكمة الاتحادية، وضرورة عدم "التعامل بانتقائية مع قرارات المحكمة الاتحادية والقضاء"، ويقصد بكلامه تحالف الصدر!

هذا التشابك القانوني والسياسي بين المحكمة الاتحادية وغالبية القوى العراقية الفاعلة، يؤكد أهمية دورها القانوني المنظم، وربما المربك، للعملية السياسية، وهذا الحال يدفعنا لجملة من الاستفسارات، ومنها:

 - هل المحكمة الاتحادية محايدة ومستقلة فعلا؟

- وهل هي جزء من اللعبة السياسية أم لها مضمارها الخاص؟

- وهل المحكمة يمكن أن تساهم في حَلحَلة الانسداد السياسي القائم اليوم، وأن تكون المخرج للعملية السياسية وتراجع قرارها، أو تفسيرها للمادة 70 بخصوص نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، والتي اشترطت حضور ثلثي عدد أعضاء مجلس النواب للتصويت على الرئيس، وبذلك تنتهي حالة الانسداد السياسي، أم أنها ستبقى في دوامة التناحر ما بين المالكي والصدر؟

أرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن يساهم في بيان دور المحكمة في المرحلة العراقية الحالية الحرجة.

المعضلة الكبرى التي تواجه المحكمة الاتحادية خصوصا، والقضاء العراقي عموما، هو التخادم القانوني – السياسي مع أطراف سياسية وعسكرية من جهة، والتدخل السياسي بالعدالة، والتهديدات المباشرة وغير المباشرة للقضاء من جهة أخرى، ولهذا يفترض توفير الحصانة الكاملة للقضاء، وفسح المجال واسعا للمحاكم عموما، والاتحادية خصوصا، لقول كلمة الحق بمهنية وحيادية بعيدا عن هذه التدخلات التي يمكن أن تعقد المشاهد السياسية والأمنية والاقتصادية وتساهم في إطالة أمد الخراب السياسي والقضائي الحالي في العراق!

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار