المجتمع وسلوك النعامة

المجتمع وسلوك النعامة

المجتمع وسلوك النعامة
بطلا فيلم "الإفطار الأخير" كندة حنا وعبد المنعم عمايري - إنترنت

تاريخ النشر: 23.12.2021 | 05:26 دمشق

لم تختلف ردة فعل الجمهور المتوقعة تجاه أي عمل يخالف المألوف ويخرج عن السائد، فثارت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً ضد الفيلم السوري الذي أظهر في البرومو الخاص به لقطة قبلة بين البطل والبطلة، وانهالت بعدها الشتائم والتعليقات الإلكترونية المسيئة على بطلي الفيلم بسبب خدشهما لحياء المشاهد وخروجهما عن العادات والتقاليد.

لم أشاهد فيلم "الإفطار الأخير" وربما لن أفكر في ذلك بصراحة بسبب موقفي من الأعمال السينمائية والدرامية السورية في فترة الحرب، ولأنها إضافة إلى انعدام موقفها السياسي واتحاذها موقفاً عدائياً ومشوِّهاً للثورة، في اعتقادي الخاص أنها أصبحت في حالة فنية رديئة ولا تمثل إلا مستوى متدنٍ وسطحي من حيث المحتوى والجودة وذلك لأسباب كثيرة قد تشرح الحالة لكنها لا تشكل مبرراً مقبولاً لها. 

إن رد الفعل الاجتماعي لم يستند إلى أي مقاييس مهنية وفنية ولم يعبأ بحرية الإبداع واكتفى برفض العمل فقط لأنه يخالف المتعارف عليه والحائز على شهادة قبول بين الجموع، تلك التي تعرف حق المعرفة أن الوضع الاجتماعي ليس من المثالية التي تجعلنا ننحاز إليه أو ندافع عنه، لكنها تستمر في ذلك مشكلة حالة فصام مثالية بين واقع الحال ورفض المجاهرة به.

على غرار ذلك منذ فترة ليست بعيدة هاجم الجمهور والنقاد أيضاً فيلم أميرة، وامتثل القائمون على العمل للضغط الحاصل فأوقفوا عرضه، بسبب اعتقاد قرروا من خلاله أن العمل يكفر بفكرة مقدسة، منتقلين من حالة تقديس الحكاية إلى تقديس طريقة عكسها في الفنون، حيث عليك أن تكون تابعاً للعرف الاجتماعي والفني المتبع وإلا فسوف تنهال عليك الحجارة.

لست هنا بصدد مناقشة الديكتاتورية في وقف عرض العمل، أو بالحتمية التي يفرضونها من أجل الانسياق ضمن سرد معين ورفض فكرة المناقشة أو البناء على الحكاية الأساسية، التي لا تنتقص على الإطلاق من أي عمل بطولي للأسرى، وإنما تبني حبكة خيالية محتملة وفق ما يبدو.

يوحي الرأي العام الجمعي عادة بالصواب لأنه نتاج عمل جماعي توصل إلى حقائق معينة، لكن ما يبدو أن القرار الذي يتخذه المرء على اعتبار أنه قد اتخذه بإرادته الحرة ومن دون أي ضغوط أو مؤثرات، يبدو أنه قد اتُّخذ بفعل تأثير مجموعة من الشروط، وإن لم يكن بضغط مباشر لكنها كانت مؤثرة في حيثياته، وهذا بحد ذاته يجعل فكرة الإرادة الحرة مثار نقاش جديد يجعلنا نعيد النظر بحالة تقديس الأعراف الاجتماعية، لأن الإنسان قد ينساق إلى قبول الرأي العام الجمعي وتبنيه بفعل حالة التبعية من دون أن يدفعه إلى ذلك تسلسل منطقي.

ماذا ستكون وظيفة الفن إذا لم يكن معبراً عن الوضع الاجتماعي إذا، فقط لأن الرأي العام الجمعي يفضل أن يكون مجمَّلاً للتشوه المجتمعي، ويجعل منه أداة تقوم بمهمة ترقيع ورتق الخرق البالية لتظهر للعيان على أنها متماسكة

في قواعد الرياضيات مثلاً هناك احتمالات لا نهائية للنتائج ولا يمكن استبعاد احتمال معين بناء على مشاعر شخصية أو معتقدات، وبالتالي لا يوجد ما يمنع رفض التحقق من احتمال نتيجة غير متوقعة، ويقاس على ذلك أن أي تجربة واقعية من الممكن أن نبني عليها تجربة سردية أدبية أو عمل فني مختلف عما قد تقره الجموع أو تقبله.

ماذا ستكون وظيفة الفن إذا لم يكن معبراً عن الوضع الاجتماعي إذاً، فقط لأن الرأي العام الجمعي يفضل أن يكون مجمَّلاً للتشوه المجتمعي، ويجعل منه أداة تقوم بمهمة ترقيع ورتق الخرق البالية لتظهر للعيان على أنها متماسكة، لغاية التغطية والتعتيم على حالات حقيقية موجودة في المجتمع من أجل تلميع الصورة الخارجية.

حصل ذلك أيضاً في فترة ليست بعيدة مع فيلم ريش، إذ صور الفيلم حالات الفقر المدقع في مصر فثارت عليه ثائرة الجمهور والممثلين لأنه وفقاً لمنظورهم قد عمل على تشويه سمعة البلاد.

نصادف مثل هذه الأمور كثيراً في يومنا هذا فإذا صور عمل آخر انتشار الدعارة أو الاغتصاب فهو يساهم في النيل من الأعراف والقيم، أو إذا صور اضطهاد المرأة يهاجمونه مدعين عدم وجود مثل هذه الحالات لأن المرأة معززة مكرمة في مجتمعاتنا العربية وأن لا داعي لوجود مثل هذه الأعمال التي تضر المجتمع أكثر مما تنفعه. 

يبرر علم النفس ذلك أحيانا بأن العقل يرفض مثل وجود هذه الحمايات حفاظاً على مساحة آمنة خلقها ليتحرك ضمنها بثقة؟ لكن ذلك قد يشير أيضاً إلى حالة فصام حقيقية أو إلى حالة قد يمكن الاصطلاح عليها متلازمة النعامة بما يفيد أن هذا الخطر ليس موجوداً طالما أنني لا أراه أو أنه بعيد عني. 

وفي عود على بدء لا بد لنا أن نتساءل كيف يمكن للإبداع والفن أن يساهم في علاج المشكلات الاجتماعية إذا لم يكن حراً وبقي سيف المجتمع أو سيف السلطة مسلطاً على عنقه، وكيف يمكن أن نمنع انحداره وتقديمه موادَّ سطحية تفتقد إلى المضمون والجودة الفنية مثلما قد يحصل مع بعض الأعمال السينمائية والدرامية السورية على سبيل المثال.

فإذا كان كل ما يفكر الفن بتصويره أو سرده مجرد خيالات غير واقعية كيف سنضع يدنا على المشكلة لنستكشفها ونقوم بمعالجتها؟ يبقى هذا السؤال معلقاً بانتظار الإجابة لا من المجتمع والسلطة فحسب وإنما من الفنانين أو الأدباء الذين ينصاعون للضغوط المستمرة ويغيرون من نهج عملهم من جرائها.