icon
التغطية الحية

المبنى الروائي بين الأصالة الفنية والتجريب

2023.03.17 | 16:09 دمشق

كتابة
+A
حجم الخط
-A

تتمتع الروايات المتميزة التي لاقت رواجا وإشادةً من القراء والنقاد، بمبانٍ حكائية تجمع بين الأصالة الفنية والتجريب المدروس، لذلك نجد أن أغلب الروايات الحائزة على جوائز تجمع بين التجديد في المبنى الحكائي والتناغم والانسجام بين المبنى والمتن الحكائي.

 "المبنى الحكائي" وعلاقته بالمتن الحكائي

للمبنى والمتن الحكائي تعاريف مختلفة، ينتج عنها اختلافات في نظريات النقد والتلقي، ولهما أيضا مرادفات كثيرة، تتقارب وتتباعد عن المعنى اللغوي المباشر، وهذا التعدد في المرادفات والتباين في التعريفات، يجعل الأمر ملتبسا عند بعض دارسي نظرية الأدب (على اعتبار أن النقد الأدبي ممارسة عملية لنظرية الأدب)، إلا أن جميل حمداوي في كتابه "النظرية الشكلانية في الأدب والنقد والفن" يبين أنها مجرد مترادفات، فالنص الأدبي عنده "يتكون من متن حكائي ومبنى حكائي، أو ما يسمى أيضا بالقصة والخطاب، أو المضمون والشكل، أو الملفوظ والتلفظ، أو المادة والصيغة" ويعرف المتن الحكائي بأنه "عبارة عن أحداث تنجزها الشخصيات في فضاء ما" بينما يرتكز المبنى الحكائي على "الصياغة، والمنظور السردي، والوصف، ودراسة زمنية للخطاب السردي".

المبنى والمتن الحكائي والمدارس النقدية

يذكر محمد زكي العشماوي في كتابه "فلسفة الجمال في الفكر المعاصر" أن المدارس النقدية اختلفت بين من يرى أن القيمة الفنية تكمن في الشكل فقط، فالمضامين متشابهة والشكل وحده يعطي القيمة الجمالية للعمل الأدبي، وبين من يرى أن أهمية العمل الفني تكمن في الموضوع الذي "يسمو بالإنسان إلى سماوات الفلسفة والدين".

لكن هذا الخلاف تجاوزه النقاد المعاصرون، فأصبح الفصل بين المبنى والمتن الحكائي مجرد فصل نظري، فالعمل الروائي كلٌ لا يتجزأ، إذ لا يمكن وصف "المضمون أو الصورة على انفراد بأنه فني، لأنَّ النسبة القائمة بينهما هي وحدها فنيّة" كما يقول مؤلف كتاب فلسفة الفن، ويضيف أن "العاطفة ‏دون صورة عمياء، والصورة دون عاطفة فارغة جوفاء"، لذلك فكل عمل فني "يطغى فيه المضمون على الصورة، أو تطغى فيه ‏الصورة على المضمون" يصفه "ألبير كامو" بأنه عمل فاشل لأن الإبداع الفني يتطلب "توترًا غير ‏منقطع بين الصورة والمادة".

أمثلة على تجديد الشكل من عالم الرواية

لكل عمل روائي مبنى حكائي فريد، فالأشكال الفنية ليست قوالب جاهزة، إنما كائنات حية متفاعلة مع الشخصيات الروائية، متأثرة بالمكان والزمان، وبالمضامين الروائية، ومتكاملة معها، وهي بوابة الأعمال الروائية لوجدان القراء، والهوية التي تميز عمل روائي عن آخر، إنها أشبه ببصمة العين التي لا تتكرر بين شخص وآخر.

حيلة "الكتاب الوهمي" تندرج تحت إطار المبنى الحكائي ومن خلالها مرر الروائي متنه الحكائي حيث أضافت للرواية الغموض والتشويق ليصل القارئ في لحظات كثيرة إلى خلط بين الواقع والخيال

الرواية الفائزة بجائزة البوكر العربية للعام الفائت "خبز على طاولة الخال ميلاد" لها شكل روائي متفرد، فقد أخذ الخبز ثيمة رئيسية للعمل، مرر من خلال (مراحل صناعته وطرائق عجنه وأنواعه) الكثير من المضامين. التقديم والتأخير في الزمن أو ما يسمى التشوه الزمني الذي حصل بالرواية يعبر عن اضطراب شخصية ميلاد بطل الرواية، وعدم قدرتها على التوفيق بين طبيعتها الإنسانية، ومتطلبات المجتمع المرهقة، حتى أن الرواية تبدأ بحديث الراوي مع شخص مجهول، يتبين بعد مرحلة متقدمة من الأحداث أن هذا المجهول هو القارئ، كما أنه يحدثنا عن المدام ولا نعرف من هي المدام إلا بعد منتصف الرواية تقريباً، كل ذلك يشكل البناء الحكائي الذي يمرر المضمون من خلاله ولعل اندماج وانصهار الشكل الحكائي بالمتن هو من الميزات التي جعلت الرواية تلاقي هذا النجاح الباهر.

رواية "10 دقائق و 38 ثانية في هذا العالم الغريب" لـ إليف شافاك، التي تقوم على فرضية علمية تخمن أنَّ هناك نشاطاً للدماغ بعد توقف القلب لمدة 10 دقائق و38 ثانية، ومن خلال هذه الزمن القليل تعبر بنا الروائية التركية إلى جميع مراحل حياة "ليلى تكيلا" بطلة الرواية، لذلك نجد أن المضمون جاء على شكل ومضات أشبه بالحلم، لقطات غير مرتبة زمنيا، وكل ومضة تضيء على جانب من جوانب المضمون الذي ينصهر مع الشكل في بوتقة عمل إبداعي خلاق.

رواية "اسم الوردة" للروائي الإيطالي أمبرتو إيكو لها شكل روائي مميز تناولناه في مقالة سابقة حملت عنوان "اسمي أحمر- اسم الوردة".. تناصّ في الفكرة وإبداع في السرد" إلا أننا نشير هنا إلى حيلة الكتاب الوهمي؛ حيث يشير الراوي أنه استلم عام 1968 كتاب "مخطوط دون أديسون دامالك" الذي ترجمه الأب فالي عن مخطوط يعود للقرن الرابع عشر، إلا أن الراوي أضاع الكتاب ولم يبقَ منه إلا بعض الترجمات على قصاصات مبعثرة من الورق.

هذه الحيلة "الكتاب الوهمي" تندرج تحت إطار المبنى الحكائي، ومن خلالها مرر الروائي متنه الحكائي، حيث أضافت للرواية الغموض والتشويق، ليصل القارئ في لحظات كثيرة إلى خلط بين الواقع والخيال.

استعار يوسف زيدان هذه الحيلة في رواية "عزازيل" من خلال "المترجم الوهمي"، حيث يقول في مقدمة روايته: "هذه ترجمة أمينة لمجموعة اللفائف التي اكتشفت قبل عشر سنوات بالخرائب الأثرية الحافلة الواقعة إلى جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية".

ليأتي الروائي الكويتي سعود السنعوسي وينقل حيلة "المترجم الوهمي" من عالم الرواية التاريخية إلى عالم الرواية المعاصرة في رواية "ساق البامبو"، حيث تُترجم الرواية من اللغة الفلبينية لأن كاتب الرواية "الوهمي" عيسى الطاروف، كويتي الجنسية لكنه لا يتقن العربية، فوالدته خادمة فلبينية، وعاش كل حياته في الفلبين، وهنا نجد التمازج العجيب بين موضوع الرواية وهو الهوية الوطنية مع الشكل الروائي الذي اتخذ شكل رواية مترجمة إلى العربية من قبل مواطن عربي كويتي لا يتقن العربية.

ثم تأتي دلالة الاسم "ساق البامبو"، الذي يشكل نصا موازيا للرواية، ساق البامبو الذي ينمو بلا جذور معبراً عن عيسى الطاروف الذي لا يشعر بالانتماء إلى الفلبين ولا إلى للكويت.

مثال آخر رواية "عوليس" للروائي جيمس جويس، التي اعتبرها بعض النقاد معجماً أدبياً في اللغة الإنكليزية، حيث بلغ عدد كلماتها (265) ألف كلمة و(30) ألف مفردة مختلفة. لم تأخذ الرواية مضموناً واحداً، إنما مضامين مختلفة، وكذلك أشكال روائية متنوعة، فلكل فصل موضوع وشكل روائي مختلف، وساعة محددة، فالرواية تدور خلال يوم واحد هو (16 حزيران 1904).

ختاما نشير إلى أن جميع الروايات الذي ذكرناها حازت على جوائز أدبية، وجميعها تتميز بذلك التوازن الحرج أو كما سمّاه "ألبير كامو" التوتر "غير المنقطع" بين المبنى والمتن الحكائي.

ولعل هذا التوازن الحرج من أهم أسرار نجاح الأعمال الروائية العظيمة، وهو بذات الوقت ما يميز العمل الفني عن الأعمال الأخرى، فعند كتابة بحث أو مقال أو تقرير صحفي يتحدث عن موضوع معين، فإن الشكل الذي اخترناه هدفه إيصال مضمون ما للقارئ، فالشكل هنا مجرد "وسيلة لغاية توصيل المضمون" كما يقول النقاد، أما العمل الفني فالشكل لا يقل أهمية عن المضمون وهما "الغاية والوسيلة" في الوقت نفسه.