المارد يخرج من القمقم

المارد يخرج من القمقم

الصورة
22 نيسان 2019

كان من الممكن أن تكون نهاية الحكاية السورية مختلفة عما هي عليه الآن، لكنها كانت محكومة بأن تكون أكثر مأساوية مما يجب.

ربما من الصعب أن نتمكن من إحصاء أسباب ذلك، ومن المؤلم أيضاً أن نفعلها، فنحن نقف الآن في أكثر الأماكن ألماً ولا نملك سوى أن نحصي خيباتنا وهزائمنا.

إن ما حصل لنا خلال ثماني سنوات انقضت لم يكن إيجابياً غالباً، أضف إلى أن الإحداثيات التي نقف فيها الآن لا تنبئ بخير أيضاً، فالوقائع تشير كل يوم إلى أننا خسرنا المعركة -إذا صح التعبير-، وأن ما تبقى لنا من أراضٍ ليس بكثير بعد أن جعلها النظام الأرعن خراباً.

تطوي الثورة السورية عامها الثامن تاركة وراءها مجلدات من التصريحات والهباء العالمي، غير الآبه بكم الشهداء الذين قضوا نحبهم، أو بأعداد المعتقلين والمفقودين في ثورة حصدت من الأرواح أكثر مما يمكن أن تحصد أي حرب أخرى.

في مراجعة بسيطة للأحداث وقراءة عاجلة لعناوين الأخبار والصحف، من الممكن أن نرى أن الخبر السوري كان على

لماذا تخلى العالم عنا بكل هذه البساطة؟ ولماذا لم نكن نشكل فارقاً فيما لو بقينا أو متنا، ولماذا كان موتنا رخيصاً إلى هذا الحد؟

رأس قائمة الأحداث العالمية، وأننا كنا غالباً في صفحة الأخبار الأولى، غير أن كل هذا الهراء لم يكن نافعاً ولا مفيداً ولم يشكل فارقاً إيجابياً ضمن هذه الجعجعة التي لم تنتج طحيناً.

السؤال الذي يظل مؤرقاً لنا بعد كل المعارك الذي خضناها مع طواحين الهواء، لماذا تخلى العالم عنا بكل هذه البساطة؟ ولماذا لم نكن نشكل فارقاً فيما لو بقينا أو متنا، ولماذا كان موتنا رخيصاً إلى هذا الحد؟

لقد شهد العالم خلال السنوات الثماني التي اغتيلت فيها الثورة السورية تقلبات كثيرة، لم يذهب أيٌّ منها متجهاً في المنحى الذي يدعم القضية السورية، على العكس من ذلك، فالمعطيات أشارت إلى انحراف شديد في دعمها أو حتى في التعاطف معها، وأصبح تعاطي الرأي العام العالمي معها أكثر وقاحة وفجوراً.

الحقيقة الواضحة التي تمكنا من رؤيتها بعد نحو عقد من الربيع العربي، أن العالم كشّر أخيراً عن أنيابه، واتجه نحو فريسته، لقد انتهى زمن كذبة الدفاع عن الديمقراطية في العالم الثالث، وبات واضحاً أن لا أحد يريد للمنطقة العربية أن تحيا في ظل مناخ ديمقراطي، أو أن تمارس حياتها السياسية بشكل طبيعي.

لقد ابتكرت الدول الكبرى مختلف أنواع الحيل لتبتلع تلك اليقظة العربية أو تقتلها في المهد، في سيناريوهات أصبحت واضحة وفاضحة.

لقد وعينا أنفسنا منذ نعومة أظافرنا مواطني العالم المتخلف، وأفراد من المرتبة الثانية للجنس البشري، وباتت تلك الصفة جزءاً لا يتجزأ من هويتنا ومعلومات شخصياتنا، بينما كان العالم الأول يعيش في مناخ أقرب ما يمكن أن يكون للمثالية، سواء بشكل الحياة السياسية أو الاجتماعية وحتى الاقتصادية، إلى درجة أننا اختصرنا أحلامنا جلّها في الهروب من بلادنا التي لم تكن تشكل لنا أوطاناً حقيقة.

غير أن ما أوضحته ثورات الربيع العربي، جاء مختلفاً تماماً عما أدلجوا فيه عقولنا، لقد أبرز الحراك العربي وجهاً حضارياً مغيباً في مجتمعاتنا، من حيث سلميته ورقيّه، وفاجأت الحشود العربية العالم بوعيها السياسي وفهمها العام، وقراءتها لما يحيكه حكامنا الطغاة من مؤامرات لتسيير العجلة في الاتجاهات التي يريدونها.

ربما لم يعد المشهد مناسباً للإطار الجاهز الذي وضعتنا فيه إمبريالية العالم، فمسألة الربيع العربي لم تكن ضمن حساباتهم وان كانت فالشعوب لم يكونوا على قدر سوء ظنهم، وفقاً لما رسخوه في نفوسنا من ثقافة الرعب.

لم يعد الأمر بهذه السهولة بعد الآن، فالمارد الذي أغلقوا في زجاجة قد خرج ولم يعد

 لقد أثبتت ثورات الشعوب أن ما يتراكم من تاريخ وثقافات عبر قرون، يصبح عصياً على الاضمحلال والتحول بفعل الزمن

من الممكن إعادته إلى القمقم مرة أخرى، وهذا ليس ضرباً من الأمل على الإطلاق بل هو حالة من الاعتراف والوقوف على الحقيقة.

 لقد أثبتت ثورات الشعوب أن ما يتراكم من تاريخ وثقافات عبر قرون، يصبح عصياً على الاضمحلال والتحول بفعل الزمن، وإثبات ذلك ليس بعسير، فالحالة الثقافية التي ظهرت في سلمية المظاهرات في سوريا في المقدمة أو في مظاهرات الجزائر والسودان، من حيث الرقي في التعبير عن المطالب أو النضج في الوعي السياسي، يشي بكم الإجرام الذي مُورس على هذه الشعوب كي تتخلى عن أحلامها الإنسانية والسياسية طوال تلك السنون، وينبئ بأن الأجيال القادمة لن تتوانى في الثورة ضد كل ما يحط من كرامتها أو ينتقص من أحلامها.

ذلك وإن استمر هذا التنكيل في الشعوب الثائرة ضد الطغيان بكمه ونوعه، فالعربة التي كانوا يتحكمون في مقودها خرجت عن المسار، وإعادتها إلى الطريق القويم في وجهة نظرهم سيحتاج بناء جديداً واستراتيجيات ستأخذ وقتاً ليس بالقصير من أجل إعادة إحكام السيطرة، وربما لن يفلحوا في ذلك، لقد خرج المارد من القمقم وأصبح من المستبعد إعادة حبسه في نفس الزجاجة لأنه سيجازف بكسرها وإن كان الثمن خسارة يديه.

شارك برأيك