هيمنت نتائج استطلاع المؤشر العربي في سوريا 2025 على مجريات اليوم الثاني والأخير من "المنتدى السنوي للدراسات السورية" في دمشق، لإبرازها رغبة شديدة لدى السوريين في تعافي البلاد بعد عقود الظلم والاستبداد.
كما كشفت نتائج الاستطلاع الذي يعدّ سابقة في تاريخ سوريا، عن اهتمامات وآمال مختلف المكونات السورية، وقناعاتها السياسية والمجتمعية، بشفافية عالية بعيداً عن التسلّط الأمني الذي كان سائداً في البلاد قبل تاريخ الثامن من كانون الأول 2024 وسقوط نظام الأسد.
الباحث والأكاديمي جمعة حجازي، أحد المشاركين في الاستطلاع الذي نفّذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، تحدث عن الجوانب المنهجية والتقنية المتعلقة بالاستطلاع، قائلاً إن المسح الذي شمله الاستطلاع "يعبر عن حاجة ملحة لردم فجوة البيانات الخاصة بتطلعات السوريين ومشاركتهم في صناعة القرار، بعد مرحلة غابت فيها حرية الرأي والبحوث الميدانية".
وأوضح في كلمته خلال فعاليات المنتدى السنوي للدراسات السورية المعاصرة، أن الاستطلاع شارك في تنفيذه أكثر من 100 باحثة وباحث، وجرى توزيع الاستمارات على عيّنة شملت أكثر من 3600 مستجيب ومستجيبة، مثّلوا المجتمع السوري في مختلف محافظاته وتكويناته.
ويُعد هذا الاستطلاع الأول من نوعه في تاريخ سوريا من حيث حجم العينة وتغطية جميع المحافظات، فضلاً عن اشتماله على أكثر من 420 سؤالاً تناولت قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية، إضافة إلى موضوعات الاندماج الاجتماعي والوطني. وسيكون مصدراً مهماً لصنّاع السياسات في سوريا والمجتمع الأكاديمي السوري، إلى جانب أهميته للمؤسسات البحثية العربية والدولية.
بعد ذلك، استعرض الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، محمد المصري، نتائج المؤشر التي أظهرت أن "الرأي العام السوري، بصفة عامة، يحدوه الأمل والتفاؤل بشأن الأوضاع في البلاد؛ إذ أفاد 56 بالمئة من المستجيبين أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 25 بالمئة قالوا إنها تسير في الاتجاه الخاطئ"، بحسب المصري.
وأضاف أن الذين أفادوا بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح "ركزوا على عدة أسباب أبرزها: زوال حكم النظام السابق وتحرير سوريا، وإطلاق سراح المعتقلين، وتحسن الأوضاع الأمنية، والاتجاه نحو الاستقرار، ورفع العقوبات".
وأردف: "عبّر ما بين 80- 94 بالمئة من السوريين عن مشاعر الأمل والبهجة والسعادة والارتياح عقب سقوط نظام بشار الأسد، في حين عبّر آخرون عن مشاعر قلق أو عدم يقين لكن بنسب أقل تراوحت حول 20 بالمئة".
"علامة فارقة"
في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أشاد الباحث والسياسي السوري عمر منيب إدلبي بنتائج المؤشّر بوصفه "أول حالة ترصد توجهات السوريين في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ بناء الدولة السورية".
ومن النواحي المنهجية، قال إدلبي إن المؤشر "توافرت فيه المعايير العلمية في استطلاعات الرأي رغم الصعوبات التي واجهها في رصد آراء السوريين بسبب توزّع مناطق النفوذ في سوريا، والوقت الحساس الذي تمر به البلاد من جراء حالة التوتر الأمني الذي شهدته مناطق الساحل قبل أشهر قليلة وتشهده حالياً محافظة السويداء".
"إلا أن العدد الكبير من شرائح الاستطلاع يعكس رغبة السوريين في التعبير عن توجهاتهم وآرائهم، وتعاونهم مع استطلاعات الرأي"، بحسب إدلبي الذي أكد بأن "هذا الاستطلاع سيشكل علامة فارقة في تعامل الباحثين مع توجهات السوريين وآرائهم، بما يساعد صناع القرار على اتخاذ الخطوات الضرورية واللازمة، والتي تتوافق مع تلك التوجهات".
ويلفت إدلبي إلى الدلالات الإيجابية في البيانات، التي أظهرت بشكل واضح توافق غالبية السوريين على اختيار "الدولة المدنية، والحكم السياسي الديمقراطي، والتعددية السياسية، وتداول السلطة..."، بالإضافة إلى اتفاقهم على أن "الاحتلال الإسرائيلي" يشكّل العدو الأول لسوريا والمنطقة العربية، ووقوفهم الدائم إلى جانب الشعب الفلسطيني.
وأضاف: "بالرغم من أن الاستطلاع أشار إلى ارتفاع حدة الخطاب التحريضي الطائفي في سوريا مؤخراً، إلا أن البيانات أظهرت إصرار غالبية السوريين على التعايش مع مختلف المكونات، ونبذ الطائفية".
وختم بالقول إن الاستطلاع بشكل عام "يعكس وجود أمل وتفاؤل بمستقبل الدولة السورية وتوجهات وجهود حكومتها، رغم كل التحديات التي تمر بها البلاد".
"السوريون يعبرون عن مختلف آرائهم"
الأكاديمي والباحث السوري أحمد جاسم الحسين، يرى أن الاستطلاع يتّسم بمشاركة فريق من الخبراء في إعداده، وهؤلاء الخبراء كانوا محرومين في السابق من إجراء استطلاعات مماثلة في سوريا.
ويضيف في حديث لموقع تلفزيون سوريا: "لأول مرة يقاس رأي المجتمع السوري بهذه الشريحة الكبيرة من حيث موقفهم من الحكم، وعلاقتهم بالدين والتديّن، وعلاقة المكونات الاجتماعية ببعضها. لم يسبق أن حدث مثل ذلك في الماضي".
وأشاد الحسين بخبراء الاستطلاع الذين "يمتلكون خبرة طويلة وأخلاقيات عالية"، متمنياً أن يأخذوا بعين الاعتبار جميع الملاحظات التي وجّهت لهم من قبل الحضور والمشاركين في المنتدى، لتطوير الاستطلاع مستقبلاً.
"لا يمكن تعميمه على المجتمع السوري"
أما مدير مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية في جامعة دمشق، معروف الخلف، فيرى من جانبه أن المؤشر "يقيس وجهة نظر عينة محددة من السوريين (3690 شخصاً)، ولا يعكس رأي المجتمع السوري كاملاً".
وأضاف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن "طبيعة العيّنة المستَطلّعة لا تقبل التعميم على الشعب السوري، خاصة وأن المستوى الثقافي والتعليمي والاجتماعي للعينة المستهدفة، غير معروف".
ورأى الخلف أن "الفترة التي جرت خلالها عملية جمع البيانات (من منتصف تموز إلى منتصف آب 2025)، قصيرة نسبياً، وتخللتها أحداث في سوريا ربما أثّرت على طبيعة مشاعر وآراء العينة".
وأشار إلى العدد الكبير لأسئلة الاستطلاع، ومضامين تلك الأسئلة "التي قد لا تتناسب مع المستوى الثقافي للعينة، أو البيئة التي تنتمي إليها".
في الوقت ذاته، أكد الخلف أن الاستطلاع "محفّز ويُبنى عليه مستقبلاً، لكنه في صورته الحالية يبقى نسبياً ولا يمكن تعميمه".