الليرة التي عرّتنا

تاريخ النشر: 25.01.2020 | 23:01 دمشق

في فيديو تم تداوله في الأيام الأخيرة، ويصور إحدى تظاهرات (بدنا نعيش) التي قام بها ناشطون في مدينة السويداء، احتجاجاً على الحالة المعيشية المتردية التي وصل إليها السوريون، يظهر شخص وسط المتظاهرين يحمل "الميكروفون" بيده، وعندما يبدأ الهتاف يصرخ عبر مكبر الصوت: "حرية"... "حرية".

كلمتان فقط ما إن تُسمعا حتى ينقلب حال المتظاهرين، فينقضون سريعا على الشخص الذي صرخ بالحرية، وينتزعون الميكرفون منه، ويسكتونه سريعا، كأنهم يقولون: ويلك... هل تريد موتنا جميعا...؟؟

لم تكن ردة فعل المتظاهرين على الهتاف مفاجئة، فالاقتراب من المفردات، أو التعابير، أو الأفعال، التي تذهب إلى

لا أحد يفهم كره سلطة دمشق لهتاف الحرية مثل السوريين. فهم الذين يعرفون جيداً، أن التسع سنوات من القتل والتدمير والتهجير قد مرت وقد حدثت؛ لأنهم هتفوا حرية

تحدي سلطة آل الأسد مباشرة لاتزال مصدرا للرعب لمن هم في متناول يد هذه السلطة، لكن الغريب، وربما الصادم، ألا تكون تسع سنوات من تفاصيل التحدي اليومي بين السوريين وهذه السلطة قد أضعفت هذا الرعب.

لا أحد يفهم كره سلطة دمشق لهتاف الحرية مثل السوريين. فهم الذين يعرفون جيداً، أن التسع سنوات من القتل والتدمير والتهجير قد مرت وقد حدثت؛ لأنهم هتفوا حرية، ولأنهم أرادوا فعلا الحرية وليس لأنهم (إرهابيون)، والسوريون وحدهم يعرفون جيداً: أن نسل الإرهاب الفاسد من مسلحي نصرة وقاعدة وغيره وغيرهم، ما كان ليستحضر، ثم يدعم ويضخم، ويحتل واجهة الحدث لولا أن صرخة الحرية أرعبتهم وشعروا بها أنها موتهم المحتم.  

ما يدركه السوريون أيضاً: أن الرعب هو أهم الركائز التي أرست عصابة الأسد سلطتها عليها، هذه الركيزة التي لم يكن لها أن تمتلك كل هذه القدرة، من دون أن تترافق مع سحق كل مكامن القوة في المجتمع، حتى جعلته تناثر أفراد بلا أحزاب وبلا نقابات وبلا مؤسسات.

هكذا استحضر المتظاهرون كل جرائم "النظام" عندما هتف أحدهم: حرية، ولهذا سارعوا لإخمادها.

ولأن الحكاية تقود عادة إلى حكاية تكملها، فقد حدث في إحدى قرى الساحل، بعد استلام بشار الأسد للسلطة بفترة قصيرة... ‏حدث أن كانت امرأة عجوز تجلس على جانب الطريق مستمتعة بشمس أيلول، عندما مر ‏شابان، وبعد أن ألقيا التحية عليها استوقفتهما قائلة:

 ‏- سمعتوا؟ قال بشار الأسد بدو يوظفكِنْ كلكن... أنتو اللي قاعدين بلا ‏شغل.

فسألها أحدهما: ستي، هلق في كتير عالم ما عم تشتغل؟

تنهدت، ثم قالت: أي والله يا عين ستك، والله كل شباب هالضيعة قاعدين بلا ‏شغل.‏ ‎

فعلق الشاب: يعني قصدك يا ستي أن ‏حافظ ما كان يوظف هالشباب؟

ردت بانفعال: آيلييي شو ما وظف! والله، الله يرحمه، ما خلا حدا ما ‏وظفه!!!‏

تلخص هذه الحكاية- على بساطتها- حال قسم كبير من البيئة التي لا تقبل أن تواجه حقائق قد أصبحت ملموسة وواضحة، وضوحاً شديداً، ولا تقبل الاعتراف بحقائق عرّتها هذه السنوات التسعة من عمر الثورة السورية؛ فالاعتراف بهذه الحقائق يُلزم بموقف، أو بفعل، هم عاجزون عنه؛ ولهذا يهربون من مواجهته؛ ولهذا ينتظرون معجزة ما تنهي هذا التناقض الذي يعيشون فيه؛ ولهذا يتعلقون بأي خبر، مهما بدا واهياً، أو واهماً، قد يساهم في حصول هذه المعجزة، معجزة قد اقتنعوا أنها لن تأتي من داخل سوريا، لكنها قد تأتي من حلفاء النظام خارج سوريا؛ لذلك يتناقلون قصص إيران وروسيا، كما لو أنها قصص مؤسسات تعمل تحت إشراف بشار الأسد.

تعكس المناشدات- التي يوجهها مؤيدو النظام- إلى بشار الأسد مدى الفصام العميق الذي تعيشه هذه الشريحة من السوريين، بل يذهب بعضها إلى توهم أن هناك حلولاً سحرية يملكها رأس العصابة الذي لا يعلم بما يجري على الأرض، فقد يكفي أن يتبرع أحد ما من المقربين منه، وإخباره بما يحدث؛ لتنقلب المعادلة فوراً، ولتنتهي هذه المأساة التي يعيشها السوريون.

لم ترفع الثورة السورية الغطاء عن هشاشة الدولة السورية، والسلطة السورية فقط، ولا عن الأحزاب والنقابات والمؤسسات... فقط، بل رفعت الغطاء أيضاً عن الجريمة الكبرى التي ارتكبها حافظ الأسد بحق نسيج المجتمع السوري وبنيته وهويته وثقافته.

في ظل الخراب الذي تسببت به سنوات حكم آل الأسد، كان من الطبيعي ألّا يكون مفجر الثورة حزباً أو نقابة ... ما فجر الثورة السورية هو القهر المخزن والمكدس في عمق وجدان السوريين وذاكرتهم... ولهذا كان من الطبيعي أيضاً أن يتشتت هذا الانفجار ويضعف؛ لأنه لم يكن منظماً في قسمه الأعظم.

وهي المشكلة ذاتها التي لم يجد السوريون حلاً لها حتى هذه اللحظة، رغم كل ما حدث لهم خلال هذه السنوات. إن عصابة "النظام" وحدها، هي التي لا تزال تدار بشكل منظم، وهي وحدها التي لا تزال تخضع لرقابة صارمة لا تقبل تردداً ولا تبايناً، وهذا هو ما يضعف إمكانية السوريين لشلها، أو لإيقافها عن استمرارها في تدمير سوريا المنهجي؛ في محاولة منها لضمان استمرارها بحكم سوريا.

الوجه الآخر للتراجيديا السورية ليس الرعب فقط، بل يتجلى أيضاً في اندفاع قسم كبير من السوريين إلى مظاهر يعرفون أنها غير حقيقية، بعبارة أخرى: إنهم ينساقون- بكل بساطة- للوهم، ويتشبثون بهذا الوهم؛ ويحلمون أنهم ربما يستيقظون ذات صباح؛ ليروا أن كل ما حدث، ما كان سوى كابوس، وأن الحياة لم يعكّر صفوها معكّر، وأنها على ما يرام لا تزال.

هل العجز هو مولد فكرة المعجزة؛ إذ لولا العجز لما كانت معجزة. ولكن، إلى متى

الرغم من فداحة المأساة السورية وتفاصيلها اليومية، فإن المسرحية الفاجعة التي أقدم عليها سفهاء سلطة دمشق منذ أيام، والتي سميت "ليرتنا عزتنا"، كانت غير مسبوقة في تجسيدها الطاغي لعبث سفيه صفيق وموغل في الإذلال

يظل السوريون ينتظرون معجزتهم التي لا تأتي ... تلك المعجزة التي يجب عليها أن تحل بعضاً من مشاكلهم التي صار العد يعجز عن عدّها، تلك المعجزة التي يجب أن تعيد من رحلوا ومن فقدوا، وأن تعيد بناء ما تهدم، وأن تعيد وصل ما انقطع...إلى آخر ما يمكن أن يتمناه عاجز.

ومع ذلك، وبالرغم من فداحة المأساة السورية وتفاصيلها اليومية، فإن المسرحية الفاجعة التي أقدم عليها سفهاء سلطة دمشق منذ أيام، والتي سميت "ليرتنا عزتنا"، كانت غير مسبوقة في تجسيدها الطاغي لعبث سفيه صفيق وموغل في الإذلال؛ فقد كان القهر يستبيح شوارع سوريا، وقد كان العجز سيد كل شيء... لقد كان سيد حجر وبشر وهواء.

ولا يزال السوريون ينتظرون المعجزة، المعجزة التي لن تأتي إذا لم يشكلوها هم، وهي المعجزة التي لن تكون مادام هناك من يعتقد: أن هذه العصابة- التي تواصل منذ نصف قرن نهب سوريا وإضعافها وإذلال شعبها- قد تفعل شيئاً آخر غير نهب سوريا وتدميرها وإذلال شعبها.

"دخل الجمهور والفرقة بقيت في الخارج".. فيديو من حفل فيروز بمهرجان بصرى في درعا
درعا.. إصابة طفلين بانفجار قذيفة من مخلفات النظام الحربية
النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
حلب.. إجراءات جديدة للحد من انتشار فيروس كورونا
تسجيل 18 إصابة بفيروس كورونا في مدارس حماة
مسؤول طبي سوري: الوضع الاقتصادي لا يسمح بإغلاق جزئي لمنع انتشار كورونا