"الله يستر آخرتك"

تاريخ النشر: 20.06.2018 | 00:06 دمشق

طالما دغدغت مشاعري عبارة كنت أسمعها منذ طفولتي يرددها الكبار عند الحديث مع المسنين: "الله يستر آخرتك". كنت أتلقى العبارة بضمير عفوي من دون أن أفهم دلالتها حينها، إلى أن كبرت وخضت التجارب في الحياة وتعاملت عن قرب مع المسنين في عيادتي الخاصة، حيث يخلع المريض في بلداننا المضمخة بالعاطفة عن نفسه كل الأغطية ويتعرى أمام طبيبه. وفي الواقع ما أستطيع قوله بعد تلك السنوات أن العلاقة بالطبيب لدينا علاقة إشكالية، وليس أكثر منه قدرة على سبر النفوس والاطلاع على خباياها، فالمريض غالباً يأتي مملوءً بالشجن والحزن على نفسه ووضعه البيتي أو الاجتماعي أو المهني ومشاكله الحياتية، ليسرد معاناته في هذه المجالات أكثر من شكايته المرضية، أي إن مريضنا بحاجة إلى البوح وإلى من يسمعه.

أعود إلى تلك الدعوة التي تحمل الكثير من العاطفة النبيلة، والتي هي على ما يبدو خلاصة تجارب تراكمت تاريخياً،

كبار السن في سوريا يمثلون الشريحة التي كانت غالبيتها العظمى غير منتجة خاصة لجهة النساء، وبالتالي فإن أمر رعايتهم وحفظ صحتهم وكرامتهم مرهون بما يقدم الأبناء إن كان طوعاً، أو إكراها

دوّنت حالات لا تُعد من معاناة المسنين الذين تكون آخرتهم جارحة لكرامتهم بسبب تقصيرهم وعجزهم واضطرارهم للاعتماد على غيرهم في مواجهة حياتهم واستمرار عيشهم، وهي النقطة المحورية التي ترتبط بها كل أشكال المعاناة.

هذه القضية تُركت في سوريا بشكل أساسي على عاتق المجتمع الأهلي تحديداً، وعلى منظومة القيم والأعراف والتقاليد، ولم تسعَ الحكومة إلى تطوير قوانين وضوابط ولوائح تنظيمية تساهم في حل هذه المشكلة، علماً بأن كبار السن في سوريا تمثل الشريحة التي كانت غالبيتها العظمى غير منتجة خاصة لجهة النساء، وبالتالي فإن أمر رعايتهم وحفظ صحتهم وكرامتهم مرهون بما يقدم الأبناء إن كان طوعاً، أو إكراهاً بحسب قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من الشرع والتي تفرض على الأبناء نفقة تجاه آبائهم وأمهاتهم، نفقة تبقى كغيرها من النفقات المشابهة مجال بحث وجدال طويل ليس مكانهما هنا، إنما يمكن القول إنها جائرة، تباري الجور الواقع على المواطن السوري بسبب تدني مستوى دخل الفرد. لكن هذه النفقة القانونية، أو تحمل مسؤولية المسنين في العائلة ترتب عليها الكثير من الامتهان لكرامة الكبار من الإحساس بأنهم عبء على أبنائهم وأنهم يزاحمون أحفادهم على لقمة العيش واهتمام الآباء بهم، وأنهم في كثير من الحالات خاضعون لمزاجية تتحكم بها أعراف وثقافة شعبية نمطية متوارثة تحكم العلاقة بين أهل الزوج وامرأته، أي علاقة الـ "الكنة بالحماية"، إذ يزدرد المسن أو المسنة لقمتهما مع مرارة المهانة والذل والشعور بالهوان والعجز عن امتلاك ظروف أرحم.

وفي المقابل كان هناك عدد قليل من الجمعيات الخيرية الأهلية تعنى بشؤون المسنين وتفتح لهم دور عجزة، لكنها خاضعة لقوانين الظل التي كانت تسيّر الأمور في سوريا "العلمانية"، إذ كانت تلك الجمعيات مذهبية وطائفية من حيث المبدأ، فهي مسخرة لخدمة أبناء الطائفة أو المذهب المنبثقة عن جماعته، ومصادر تمويلها هي تبرعات أفراد الجماعة نفسها إن كان في الداخل أو الخارج، وهذا أمر واقع بالفعل والأمثلة كثيرة، والبعض منها وصل إلى مستوى المؤسسات الخيرية الكبرى، وربما كوسيلة لتبييض أموال وكسب مؤيدين وكوادر يمكن الاعتماد عليهم وقت اللزوم، كجمعية البستان مثلاً التابعة لرامي مخلوف.

في الحرب السورية ازدادت مرارة المسنين وتجرعوا الذل والمهانة وقسوة الحياة التي صار الموت أرحم منها بكثير لكنه، الموت، لا يأتي بحسب رغباتهم حتى لو حصد العشرات والمئات من أبنائهم وأحفادهم ونسائهم كل يوم تحت وابل البراميل المنهمرة من السماء أو المدافع الثائرة كبركان. كثير من المسنين في الأماكن الملتهبة من سوريا على مدى أعوام المحرقة، كانوا مشكلة لم تلقَ الاهتمام المطلوب، ربما لأن منطق الحياة يقضي بأن الشريحة العمرية الصغيرة والشابة هي التي يجب العمل على حمايتها لأجل البناء الحالي والمستقبلي، ولم يكن أمام المسنين في غالبيتهم إلاّ الانصياع لمزاج الراهن والحلول المطروحة بكل أشكالها ومبرراتها، فمن لم تقتله الحرب، بل اكتفت بأن قتلت أبناءه وأحفاده ودمرت بيته وهجّرت من بقي من عائلته وأصدقائه، بقي ليحرس الأطلال والمدافن، ليحرس ذاكرته وماضيه ويتجرع كل صنوف الفواجع والأوجاع وآلام الفقد، بقي يرصف الأيام متشبثًا بذاكرة لم يعد فيها غير البكاء لملء فراغ روحه، يكابد الأوجاع والجوع والبرد ويعيش على الرمق والذكريات.

ومن المسنين من انصاع مسلوب الإرادة إلى رغبة أبنائه فخاض رحلة النزوح واللجوء، تحمل المخاطر والصعاب والأهوال، إذا لم يمت خلال الطريق، ليصل إلى بدايات جديدة لا ترحم، بينما العمر صار في نهاياته. صار ابن الستين والسبعين مفروضًا عليه الخضوع لدروس اندماج، وحفظ لغة جديدة بعد أن اختنقت حروف لغته الأم في صدره، فقد قدرته على التعبير عن آلامه بعد أن أخرسته الحرب وحاصرته اللغة الجديدة في مجتمع غريب، مهما قدم هذا المجتمع من الوسائل البديلة للعيش، فعضّ على جرحه وتشبث بالصمت القسري دريئة في وجه حياة لم ترحمه.

في ألمانيا، الدولة التي تسعى حكوماتها دائمًا لتطوير قوانينها ومنظومات إدارتها، بمراقبة الواقع ورصد التغيرات ودراسة الظواهر عبر عمل مؤسساتي متكامل، كي لا تقع في المشكلات المعقدة، لأن أي مشكلة يمكن السيطرة عليها في بدايتها، للمسنين ضمانات تحفظ لهم آخرتهم، فهناك مؤسسات التكافل الاجتماعي التي تقدم للفرد ما يجنبه التسول والحاجة، فتؤمن له المسكن والدخل الكافي للحياة بضروراتها، وتقدم له الضمان الصحي.

يردد السوريون أحيانًا مقولة "الكبار بركة"، طبعًا هذه البركة كثيرًا ما يُستهتر بها وتهمل وتترك تعيش آلامها بصمت

وإذا كان يحتاج إلى الإقامة في بيوت المسنين، التي هي بمستوى فنادق فخمة بما تقدم من عناية وخدمات وسبل ترفيه لهم، فإن الدولة تطالب الأبناء بتسديد الفارق بين ما تقدمه مؤسسات التكافل الاجتماعي وما يتطلبه دار المسنين، بعد أن تُحسب احتياجات الأسرة والأبناء طبعًا.

يردد السوريون أحيانًا مقولة "الكبار بركة"، طبعًا هذه البركة كثيرًا ما يُستهتر بها وتهمل وتترك لتعيش آلامها بصمت، وإذا كانت التقاليد والأعراف والتدين تجعل قسمًا من الأبناء يتمسكون بهذه البركة ويرفعون الضيم والحيف عنها، فهم يقومون بذلك تحت تأثير وازع ديني أو أخلاقي، وربما المؤمنون منهم انسجامًا مع مقولة الحسنات التي سيلاقون ثوابها عند الله. لكن الحرب الشرسة التي تُمارس على الشعب السوري منذ سنوات سبع، لم تترك رقعة في النسيج المجتمعي إلاّ ومزقتها، وأكثر ما أصابت الأخلاق والقيم، فالواقع الحالي يُظهر لنا الانزياح المهول في تلك المنظومات، والانحدار الأخلاقي الرهيب الذي يقابله بزوغ قيم جديدة بعيدة كل البعد عن روحانية مجتمعنا التقليدي. وإذ يقرأ السوري الأهداف التي ترمي إليها الأمم المتحدة من وراء رصد يوم عالمي للمسنين يصادف في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام انطلاقًا من أول احتفال في سنة 1991، فإنه سيصاب بالذهول أمام ترف من هذا النوع، ترف كبير كان من الجدير أن ينعم به الشعب السوري قبل عقود، لكن الفساد والقمع والتسيب والفوضى وشظف العيش وانعدام الإحساس بالأمان والخوف من الغد، كل ذلك قضى على إمكانية أن ينال هذا الترف والنعيم. أيها الشعب المظلوم "الله يستر آخرتك".

كلمات مفتاحية