اللقاح الأخلاقي المفقود

اللقاح الأخلاقي المفقود

اللقاح الأخلاقي المفقود

تاريخ النشر: 01.03.2021 | 00:01 دمشق

لم تبق وسيلة إعلام شرق أوسطية إلا تحدثت عن تلقي منظومة الأسد لقاح كورونا "سبوتنك" الروسي، وتسديد الفاتورة من قبل "الجارة" "الإنسانية" إسرائيل. وكالة أنباء منظومة الاستبداد "سانا" تنفي هكذا أخبار، وتعتبرها تلفيقية هدفها تشويه صورة القيادة "المقاومة والممانعة للعدو الصهيوني".

صحيفة "جورزليم بوست" أكدت دفع إسرائيل ثمن اللقاح مقابل صفقة تبادل أسرى رفضوا العودة إلى "حضن الوطن"؛ ليتبيّن أن الأمور أعمق من ذلك بكثير؛ وتشهد عليها التنقيبات والنبش والحفر الذي يتم بإشراف الروس جنوب دمشق بحثاً عن رفاة الجاسوس الإسرائيلي "كوهين"؛ وهكذا تكون الصفقة ذات قيمة حقيقية؛ وخاصة أن نتنياهو في ورطة انتخابية، ويحتاج إلى منجز يعزز فرصه.

معروف أن منظومة الأسد على درجة من الإفلاس والاهتراء، إلا أنها ربما تتصور أن المنقذ الوحيد لها ليس إلا إسرائيل

تغفل همروجات كهذه عمق الغزل والتواصل بين الكيانين الأسدي والإسرائيلي؛ فالأول لا ينتظر التوسط أو التدخل الروسي بينهما؛ حيث الروس أنفسهم ربما يحتاجون منظومة الأسد كي تتدخل لدى إسرائيل لتجعل أوراق الاعتماد الروسية مقبولة أميركياً وأوروبياً. ونعتقد أن الروس سمعوا تصريحات رامي مخلوف بداية انطلاق الثورة السورية، عندما ربط أمن إسرائيل بأمن نظامه.

معروف أن منظومة الأسد على درجة من الإفلاس والاهتراء، إلا أنها ربما تتصور أن المنقذ الوحيد لها ليس إلا إسرائيل. فمهما كانت إسرائيل على درجة من النذالة ونكران الجميل، فلن تتوانى عن نجدة من أسدى لها خدمات لا تحلم بها؛ ولكن يفوت تلك المنظومة الاستبدادية أنه حتى إسرائيل، بكل حقارتها، لا تستطيع، وربما، لا تريد لململة حطام بلا مستقبل، ويتعذر حمله أو احتمال ما ارتكبه من إجرام؛ وهي تدرك تماماً أن التوءمية بينه وبين إيران، وارتهانه لها، لن تمكنه من التفلت من براثن إيران.

وبالعودة إلى تقرير جيروزليم بوست، نقرأ لفتها للانتباه بأن القضايا الطبية ليست مشمولة بالمقاطعة المفروضة على نظام دمشق، وأن إسرائيل هي مَن سيسدد فاتورة اللقاحات لإسرائيل؛ وهنا نسأل: منذ متى كانت إسرائيل- التي تعيش على الدعم الأمرو-أوروبي- مصدراً للمساعدات للأعداء؟ من جانب آخر كيف يمكن أن يقبل نظام "الممانعة والمقاومة لإسرائيل" أن تتحسن عليه بتسديد فواتيره؟ إسرائيل لا تكنّ لأي عربي- حتى ولو كان خادماً أميناً لها- إلا العداء والكره والاحتقار. ألا يقول الصهاينة:" 

A good Arab is a dead Arab

"العربي الطيب، هو العربي الميّت"؟!

نتذكر في هذا السياق تلك الزيارة التي قام بها "نتنياهو" لجرحى سوريين تم إسعافهم إلى فلسطين المحتلة؛ حيث لم تكن تلك الزيارة والرعاية لسواد عيونهم ولا رأفة بهم؛ بل فعلياً مساعدة لمنظومة الإجرام في دمشق بأن أولئك الجرحى ليسوا إلا عملاء لإسرائيل؛ وها هو رئيس وزراء الكيان يعودهم؛ ليثبّت تلك الوصمة. 

على الساحة السورية المستباحة، وبفضل نظام الأسد "السيّد المستقل"، تجري تنسيقات عالية المستوى بين القوى المحتلة "للدولة السورية ذات السيادة" بحيث لا يقع اشتباك بينها؛ ولكن ما يبرز مؤخراً هو تذمر إيراني صامت من إعطاء الروس إحداثيات مواقع إيرانية للإسرائيليين. قد تكون إيران صبرت واستوعبت ما يذهب الروس إليه بحكم التفاهم الروسي الإسرائيلي والحاجة الروسية لعطف الود الإسرائيلي؛ أما ما لم تصبر عليه أو تستوعبه إيران فكان إعطاء ضباط أسديين إحداثيات مواقعها؛ فكانت ردة فعلها مؤخراً إخفاء سبعة ضباط أسديين؛ وُجِد أحدهم مقتولاً على طرق حمص- تدمر؛ أما ردة فعل المنظومة الأسدية، فكانت الصمت المطبق. 

ها هو الحبل الإيراني أيضاً يلتف حول عنق منظومة الاستبداد. قبله بدأ الحبل الروسي بمنع أي دعم مالي أو اقتصادي لمنظومة تختنق؛ فحتى ثمن اللقاح لا بد أن يُدفع؛ ومن قبل مَن؟ من قبل إسرائيل، لشد حبل الإذلال أكثر على عنق النظام. قبله كان ولا يزال حبل قيصر. أما الحبل الذي لا خلاص منه فهو دم ودمار وتشرد واعتقال وتعذيب الشعب السوري الذي تحوّل إلى ما يقارب المليون وثيقة كفيلة بإعدامه مليون مرة.

اللقاح الوحيد لمنظومة الاستبداد هو لقاح الأخلاق والمسؤولية؛ ولكن هذا اللقاح غير متوفر

لقاح الروس لن يفيد منظومة الأسد؛ حتى ولو كان مدفوع الثمن إسرائيلياً. لم يفد منظومة الاستبداد تجريب بوتين أكثر من مئتي صنف من الأسلحة الروسية على أجساد أطفال السوريين ومدارسهم ومشافيهم وأسواقهم. ولم يغسل "فيتو" بوتين الدم السوري عن أيدي النظام الأسدي. ولم تحمِ ميليشيات ملالي طهران مراقد الصالحين أو مراقد الأرواح الأسدية الاستبدادية. ولن تشرعن "انتخابات" لا شرعية مَن قتل شعبه.

اللقاح الوحيد لمنظومة الاستبداد هو لقاح الأخلاق والمسؤولية؛ ولكن هذا اللقاح غير متوفر، ولن يتوفر لمن قتل وطناً وشعباً ينتمي إليه افتراضياً. هذا اللقاح غير متوفر في روسيا؛ ولا إسرائيل تستطيع شراءه، ولا ملالي إيران يعرفونه. وحده شعب سوريا يمتلك هذا اللقاح؛ ولن يعطيه إلا لسوريا الوطن ليلفظ ويبصق هذه الطغمة كي يستعيد الوطن حياته.

مقالات مقترحة
"وزارة الصحة": كورونا يمتد إلى محافظات جديدة ولم نتجاوز الخطر
إصابة 5800 شخص بكورونا في أميركا رغم حصولهم على اللقاحات
شركة "فايزر" تتحدث عن جرعة ثالثة من لقاحها ضد كورونا