اللغة التركية ومستقبل السوريين

2021.01.08 | 00:11 دمشق

thumbs_b2_5fb3b956bbaf065a281ecb3c92ce9c81.jpg
+A
حجم الخط
-A

ذهب والدي لشراء حذاء جديد مع أحد أقربائنا الذي كان يعتز بمعرفته ببعض الكلمات التركية في سنوات ما قبل الثورة السورية، نظر والدي إلى حذاء صاحب الدكان، وقال له: sen bu aynı، وترجمة هذه الجملة هي: أنت مثل هذا الحذاء، بَحْلق الرجل بعينين مفتوحتين مندهشاً منهما، وهمّ بطردهما من دكانه، وبعد أن لاحظ ارتباكهما، فهم المقصود، وهو أن والدي يريد حذاء جديداً كحذاء صاحب المحل تماماً. 

تحفل تجارب السوريين كثيراً بمثل هذه المواقف الحياتية الطريفة التي تعبر عن عدم تعلمهم اللغة التركية جيدًا، على الرغم من إقامتهم فترة طويلة في تركيا قاربت عشر سنوات، فكان السوريون جزءا من المجتمع التركي لا يمكن تجاهله، إذ حضروا في أشكال خطابه السياسي والإعلامي والاقتصادي والتربوي.

لا شك أن اللغة تعد محددا رئيسا من محددات عملية التكيف الاجتماعي، وتعد أحد موانعه أيضاً، ومع أن تركيا لم تربط قضية تعليم لغتها بمسألة المساعدات التي تقدمها الحكومة للاجئين كما هو الحال في الدول الأوروبية، إلا أن هناك جهودا تركية مبذولة في سبيل ذلك، منها مراكز حكومية أو جمعيات المجتمع المدني السورية والتركية.

ولعلّ أهم عامل يدعو السوريين إلى تعلّم التركيّة أنهم يعيشون ضمن المجتمع التركي، وهو ما يوفر لهم وسطا لغويا كاملا ومتعاونا في هذه المسألة، لكنّ قضية تعلم اللغة التركية لم تحظ لديهم بالمنزلة التي يجب أن تكون عليها باعتبارها عنصرا جوهريا في عملية تحقيق تكيف اجتماعي سليم وطويل الأمد. وهنا نتساءل: كيف تعامل السوريون على اختلاف طبقاتهم ومهنهم مع مشكلة اللغة التركية، ولماذا لا يُقبِلُون على تعلمها؟

استطاع غير المتعلمين من السوريين حلَّ مشكلتهم مع اللغة التركية بوسائل مختلفة منها استخدام الإشارات إلى المواد التي يحتاجونها أو عن طريق حفظ أسماء حاجاتهم اليومية من خلال تسوقهم في المتاجر التركية، وقد ساعدهم على ذلك كثرة الكلمات المشتركة بين اللغتين العربية والتركية التي تستخدم بالمعنى نفسه، إضافة إلى الكلمات التركية التي تستخدم في العامية السورية بشكل كبير، كما ساعد انتشار متاجر البضائع السورية المنتجة في تركيا، والمفتتحة من قبل السوريين في عدم وجود الحاجة الملحة لتعلم اللغة التركية، فهذه البضائع الرخيصة نسبيا مقارنة مع البضائع التركية، لا تتفق مع عاداتهم في المأكل والمشرب فحسب، بل تعزّز  أيضاً من شعورهم بهويتهم الثقافية وتمثل بالنسبة لهم حنينا خفيا لبلد ضائع وممزق ومفقود.

لكنّ حاجة التجار وأصحاب المهن والعمال السوريين في المصانع التركية للتواصل مع أقرانهم الأتراك أجبرتهم على حفظ كثير من الكلمات والمصطلحات التركية التي يحتاجونها في عملهم، وقد ساعدهم على ذلك التواصل اليومي وعملهم الطويل المشترك مع الأتراك.

ومن الأمور المثيرة للعجب، أن الطبقة المتعلمة لم تتجاوز معرفتها باللغة التركية الطبقتين السابقتين، ولم تنجح في حل مشكلتها مع اللغة التركية بما يتناسب مع مستواها العلمي أو دورها الرئيس في صناعة التكيف الاجتماعي بين السوريين والأتراك، فمستوى تعلمها للغة التركية لا يلبي حاجاتها الكبيرة والملحة في التعرف إلى الثقافة التركية بمختلف أشكالها الاجتماعية والعلمية والفكرية والدينية وغيرها؛ فالعاملون في الحقل الأكاديمي من السوريين هم الأقل تعلما للغة التركية مع أنهم يعيشون في وسط تعليمي يوفر لهم مراكز لغوية واحتكاكا مباشرا مع أقرانهم الأتراك، وربما يكون السبب هو أن غالبيتهم قد تجاوز الخامسة والأربعين من عمره، إضافة إلى توهم بعضهم استحالة إتقان اللغة الأخرى في هذه السن المتأخرة، خاصة أنهم يحتاجون في عملهم وتواصلهم مستوى عاليا من اللغة ومعارفها حتى يتمكنوا من التواصل مع الأكاديميين الأتراك الذين تطورت لغتهم العربية بدرجة ممتازة نتيجة احتكاكهم المباشر مع الأكاديميين السوريين، وهذا واضح في الأبحاث والكتب المشتركة التي أصدروها مؤخرا، إضافة إلى أن غالبية الأكاديميين السوريين يعملون في كليّات الإلهيات وأقسام اللغة العربية المنتشرة في كثير من المدن التركية، وهذا ما يفرض عليهم التكلم باللغة العربية استجابة لحاجات المتعلّمين من طلابهم الراغبين بتعلم اللغة العربية بغية تعليمها بعد تخرّجهم للطلبة الأتراك في مدارس الأئمة والخطباء خاصةً. وما نقوله عن الأكاديميين يمكن أن ينطبق على طلاب الدراسات العليا السوريين (ماجستير ودكتوراه) خاصة الطلاب الذين سجلوا في كليات الإلهيات أو الأقسام التي تشغل فيها اللغة العربية منزلة متميزة إلى جانب اللغة التركية.  

ومن الأمور المثيرة للعجب، أن الطبقة المتعلمة لم تتجاوز معرفتها باللغة التركية الطبقتين السابقتين، ولم تنجح في حل مشكلتها مع اللغة التركية

على الرغم من أن تعلّم اللغة التركية لا يخلو من صعوبات لغوية من حيث قواعدها ونظام تركيب الجملة فيها الذي يختلف بشكل كبير عن نظام الجملة العربية، فالفعل يأتي في نهاية الجملة، وحرف الجر يأتي على شكل لاحقة بالمجرور وغيرها من أوجه الاختلاف بين اللغتين، إلا أن هناك أمورا كثيرة تساعدنا في تعلم اللغة التركية وتجاوز معضلتها، منها: أننا نعيش لفترة طويلة في وسط لغوي ناطق بهذه اللغة ومتعاون في هذه المسألة، مما يحقق لنا شرط الانغماس اللغوي اللازم لتعلم اللغة الأجنبية على حد تعبير أصحاب علم اللغة التطبيقي، إضافة إلى وجود عدد كبير من الكلمات العربية في اللغة التركية، وأيضاً وجود كلمات تركية ليست بقليلة في العامية السورية كما قلنا أعلاه.

وما نودّ تأكيده أخيرا هو أن إتقان اللغة التركية ليس ترفا لغويا للسوريين المقيمين في تركيا، ولاسيما المتعلمون منهم والعاملون في الشأن الثقافي والإعلامي والسياسي والتربوي وغيره، بل هي ضرورة حياتية يفرضها حاضر حياتهم ومستقبلها، ولا شك أن الاكتفاء بالحد الأدنى القائم على تعلم بعض الكلمات التي لا تفيد بناء جملة صحيحة، سيشكل في الوقت القريب تجمعات سورية مغلقة ومعزولة عن وسطها الذي تعيش فيه، وهو ما يمنعهم من بناء تكيف اجتماعي ضروري وطويل الأمد، وهذا لا يتحقق إلا بإتقان اللغة التركية التي تسمح لهم بالتعرف إلى أوجه ثقافتها الاجتماعية والتربوية والدينية والسياسية وغيرها.

أما طلاب المرحلة الجامعية الأولى وما قبلها ممن تمّ دمجهم بالمدارس التركية منذ مطلع العام 2016، فهم رسل المستقبل الذين يكملون الدور في الانتقال من مرحلة التكيف الاجتماعي إلى بناء حركة ترجمة من اللغة التركية إلى العربية وبالعكس، تُعنى بمختلف النواحي الفكرية والدينية والثقافية والاجتماعية وغيرها التي يحتاجها العالم العربي وتركيا معًا، بعد أن انقطعت أواصرهما الوثيقة قرابة قرن من الزمان.