اللجوء السوري في فرنسا.. تناقضات مجتمعية وتأثيرات اللغة

تاريخ النشر: 21.07.2018 | 14:07 دمشق

آخر تحديث: 21.09.2018 | 01:25 دمشق

فرنسا- همام حداد - تلفزيون سوريا

 تجربة اللجوء السورية مازالت في بدايتها، ولتقييم التجربة يستلزم الانتظار فترة زمنية تقدر بجيل واحد على الأقل، كذلك مصطلح "اندماج اللاجئين " بالأصل مصطلح ملتبس ولا يوجد إجماع على تعريفه حسب تقرير "بداية جديدة" الذي أصدرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

 ومن الضروري التوضيح أنه عندما يتم نقاش وضع اللاجئين السوريين في أوروبا، فالموضوع يشمل دولاً أوروبية مختلفة من حيث الإمكانيات الاقتصادية والرؤى والتصورات لقضية اللاجئين بالعموم ولذلك فمن الصعوبة إعطاء حكم مطلق على التجربة.

  اللاجئون السوريون شريحة اجتماعية عشوائية تمثل المجتمع السوري بمختلف تنوعاته واختلافاته، ولهذا التنوع والاختلاف تأثير كبير على علاقة السوريين بالمجتمعات الأوروبية وعلاقتهم ببعض.

وبالرغم من عدم وجود إجماع على مفهوم "الاندماج الاجتماعي" كما أشار التقرير السابق، إلا أن التقرير نفسه يؤكد على أن عملية الاندماج الاجتماعي تقع مسؤوليتها على الطرفين المجتمع المضيف واللاجئ على حد سواء، والأخير هو ما يعنينا في رصد تفاعلاته وآليات تعاطيه مع المجتمعات المضيفة في أوربا.

 

تناقضات مجتمع اللجوء

 فرنسا من أقل الدول التي استقبلت لاجئين سوريين مقارنة بدول أوروبية أخرى كألمانيا والسويد ومع ذلك هذا البلد نموذجاً لرصد تناقضات المجتمع السوري ومدى تأثير هوية اللاجئ على علاقته مع المجتمع المضيف.

فالوجود السوري في فرنسا سابق لموجة اللاجئين حديثاً، وعلى الرغم من ذلك لا يوجد أي دور فاعل للجالية السورية في عملية "اندماج اللاجئين "السوريين بالمجتمع الفرنسي، حيث تختصر العلاقة ببعض النشاطات الثقافية أو دعوات سياسية كردة فعل على حدث معين، لينته هذا التفاعل بدون أي تراكم يؤسس لفعل ممنهج يساعد على اندماج السوريين بالمجتمع الفرنسي.

 بل يمكن المغامرة والقول إن العلاقة بين السوريين السابقين والحالين هي علاقة نفور وعدم استيعاب من قبل المقيمين السابقين، فالنظرة السائدة لدى أغلب المقيمين سابقاً هي أن اللاجئين الجدد قد حظوا بمعاملة أفضل ولم يعانوا ما عانوه من قبل للحصول على أورق الإقامة، هذا ما هو مصرح به علناً على الأقل، أما بالعمق فهناك شعور بأن اللاجئين الجدد قد جردوا السابقين من امتياز الإقامة بالغرب وهو ما كان فعلاً يعتبر ميزة في سوريا.

أداء المؤسسات السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي ادعت لنفسها تمثيل السوريين وتمتعت بدعم سياسي لحد ما بفرنسا خصوصاً، سعت بغالبيتها للعب دور سياسي مباشر قائم على المشاركة وتمثيل السوريين ضمن فعاليات سياسية، لكن بدون الالتفات جدياً للقادمين الجدد والنظر في احتياجاتهم ومساعدتهم على الاندماج ومواجهة تحديات الحياة الجديدة، متذرعة بأن أولويتها هي دعم الداخل، بالرغم من التباس مفهوم الداخل والخارج في القضية السورية.

الأمر لا ينحصر "بالسوريين القدامى" فاللاجئون حديثاً لديهم نظرة استنكارية لوضعهم كلاجئين رغم أن كثيراً منهم يرى أن إقامتهم بفرنسا تعتبر فرصة لبدء حياة جديدة، إلا أن النظرة العامة لقضية اللجوء نظرة دونية وبأي حوار عن قضية اللاجئين غالباً ما تسمع عبارة " بآخر هل الزمان صرنا لاجئين"، الأمر الأكثر تعقيداً عند السوريين بأعمار متقدمة فهم في حالة انتظار مستمر ولا يوجد قناعة كاملة أن السوري سيبقى طوال حياته في أوروبا ولديهم شبه يقين بأن عودتهم لسوريا ما زالت قائمة.

يفتقد السوري لعنصر موحد يعزز هويته كسوري ويدعم مواطنيته ضمن مجتمعه المضيف، وليس من المرجح في المستقبل القريب أن توجد عنصر مؤسساتي مؤهل للعب هذا الدور لتبقى حالة التناقض التي يعيشها السوريون عميق الأثر على تأقلمهم مع المجتمع الجديد.

 

سلطة اللغة

اللغة إحدى الصعوبات التي تواجه اللاجئين في عمليات الاندماج ، وتمتد آثارها على الحالة النفسية والاجتماعية ضمن العلاقات الأسرية، وفي فرنسا هناك شكل مزدوج تعاني منه شريحة من اللاجئين ترتبط بمكانة اللغة العربية، وفي هذا الصدد تقول دكتورة اللسانيات نسرين الزهر :"للغة العربية في فرنسا تناقضات عدة فبشكل غير رسمي تعتبر العربية بفرنسا هي اللغة المحكية الثانية كمياً كعدد ناطقين، ولكن من الصعب على الفرنسيين الاعتراف بالأمر، فالعربية مصنفة في الجامعات الفرنسية "لغة غربية" ولكنها لغة مرفوضه اجتماعياً، وبنفس الوقت له وقع رمزي عند المجتمع الإسلامي بطريقة إيجابية وهو ما يمنح السوري امتيازاً ضمن الجالية العربية بفرنسا الأمر الذي يحدث تناقضاً عند اللاجئ السوري هل يعزز فرنسيته أم يبقى على عربيته و يمترس خلفه".

 المالك السياد عالم اجتماع فرنسي من أصل جزائري تكلم في كتابه " الغياب المزدوج" عن معاناة اللاجئين على كل الأصعدة وإحدى أوجه المعاناة هي السلطة الأبوية أي السلطة الرمزية للأب التي تنكسر سياسياً بسبب النزاع الهوياتي بالإضافة إلى عدم تمكنه من الأدوات الاقتصادية واللغوية، ليكبر الأطفال على واقع انكسار الأب، ولهذا الأمر انعكاس نفسي خطير بل مدمر على نفسية الأطفال. فتمكن الأطفال من اللغة الفرنسية يؤدي إلى عكس الأدوار الاجتماعية ليصبح الأطفال هم الآباء والأمهات لأهلهم نتيجة تمكنه من اللغة وقيامهم بأعباء الترجمة وتسيير الأوراق القانونية، ما يحدث نزاعاً نفسياً عند الأطفال.

 

علاقة جيلين

وهنا تقول الدكتور الزهر: "الأمر غير المستوعب من المهاجرين أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال الخجل من اللغة الأم، بمعنى آخر أن على الأهلي دائماً التحدث باللغة الأم مع الأطفال داخل البيت وليس باللغة غير المتقنة أو غير المنضبطة حتى لا تنكسر العلاقة الرمزية، ويجيب التذكير بسردية الهجرة حتى يعرف الأطفال من أين أتوا وكيف وصلوا إلى هنا". تضيف الزهر "الأهل نفسهم يخلقون حالة "النزاع على الولاء" كما تسمى بعلم النفس فالطفل يلتبس لديه حالة الولاء إن كان للمؤسسة والمدرسة أم للعائلة على الرغم من أن الطفل نفسياً بحاجة لأن يكون ولاؤه لأهله ولكن الأهل لا يعطون شرعية لأنفسهم بل يدفعونه باللاوعي ليكون ولاءه للمؤسسة البلد المضيف وينبهر بها".

   تصف لنا سيدة سورية وصلت لفرنسا قبل 4 سنوات علاقتها بابنتها فتقول: "منذ أكثر من سنة ونصف لم يجري حديث بينا استمر لأكثر من خمس دقائق بالكاد نلقي التحية على بعضنا في الصباح أو عندما تعود من المدرسة ورغم كل محاولتي لإجراء محادثه مستمرة ولكن الأمر لم ينجح ".  تحاول السيدة أن تشرح سبب المشكلة فتقول: "للمشكلة عدة أوجه ولكن الأصعب أننا لا نمتلك لغة تواصل مشتركة فهي لم تعد تفهم العربية بشكل جيد ولغتي الفرنسية لا تساعدني على قول ما أريد، الأمر الأسوء هو رفضها لمشاركتي أي نشاط خارج المنزل لأنها تشعر بالخجل من لغتي الفرنسية السيئة".

 

الوضع القانوني

يعتبر الوضع القانوني للاجئين بفرنسا أفضل من الدول الأوروبية الأخرى على المستوى النظري فمدة الإقامة الممنوحة للاجئ التي تصل لعشر سنوات والتساوي التام بالحقوق مع المواطنين الفرنسين هو ما يميز فرنسا عن غيرها من دول اللجوء، ولكن المشاكل التقنية التي تواجه اللاجئين تعود لأسباب تتعلق بغياب التخطيط على المدى البعيد، وكمثال تعليم اللغة الفرنسية، فالدولة الفرنسية لا تقدم للاجئ فرصة تعلم اللغة، بل المجتمع المدني الفرنسي هو من يحمل عبء تحمل تعليم اللغة مثل الجمعات والمنظمات المدنية ولكن أغلبها مبادرات محدودة مع غياب شبه تام للمجتمع المدني السوري، لتبقى قضية الاندماج وتعلم اللغة قائمة على العامل الفردي وقدراته الذاتية.

 ليس من المرجح أن يحدث تغير هوياتي للجيل السوري الحالي رغم التناقضات الحادة للهوية التي يعيشها السوريون، إلا أن التجارب المماثلة أظهرت أنه لم يحدث اندماج كامل كما تريده أوروبا رغم مؤسسات الصهر الاجتماعي فبقية المجتمعات المهاجرة متشبثة بالأصل وتعاني من تناقض الانتماء.

مقالات مقترحة
لقاحات كورونا الصينية تصل إلى سوريا يوم غد الخميس
تركيا.. فرض غرامة مالية كبيرة على سوريين بسبب حفل زفاف في أنقرة
صحة النظام: ضغط على أقسام الإسعاف وارتفاع في أعداد مصابي كورونا