اللجنة الدستورية وشعبوية الخطاب السياسي

تاريخ النشر: 31.03.2022 | 06:34 دمشق

يتفق معظم المشتغلين بالشأن العام في سوريا على غياب الحياة السياسية (أحزاب، ونقابات، ومجتمع مدني وغيره)، بفعل هيمنة النظام الأسدي على مجالات الحياة كافة وتوجيهها بما يخدم استمرار سلطته إلى الأبد.

ومع اندلاع الثورة السورية، التي لم يخطط لها أحد، وبفعل ظروف مختلفة (محلية وإقليمية ودولية) وجد هؤلاء السياسيون أنفسهم في الواجهة، في ظل غياب البيئة السياسية العامة، فما كان منهم إلا أن قدموا خطابا سياسيا كبيرا في مواجهة أخطبوط النظام، وكبديل عنه، يفتقر إلى الأدوات وإلى الوضوح والآليات للوصول نحو الهدف المعلن شعبيا، وهو إسقاط النظام.

تمسك الخطاب السياسي المعارض المرافق للثورة السورية بهذا الشعار جعل منه أيقونة يرددها في كل المحافل التي توفرت له بفعل نضالات ودماء السوريين، من دون قراءة وتحليل وإدراك لتركيبة هذا النظام وشبكاته في الهيمنة، ومن جهة أخرى من دون تفهم الظروف الإقليمية والدولية وخاصة بعد التدخلات المتعددة في سوريا، إلى أن أصبح هذا الشعار الكبير الذي يعبر عن رغبة الملايين في الخلاص من نظام الإبادة كلمات منفصلة عن الوقائع الجارية ضمن خريطة التصارع على سوريا.

ونتيجة لذلك الخطاب القائم على فهم قاصر للسياسة والعمل السياسي والعلاقات الدولية القائمة أولا على المصلح، ونتيجة للخسائر الكبرى التي مني بها السوريون، وخاصة بعد سقوط حلب نهاية عام 2016 بفعل البربرية الروسية القائمة على الحصار والقصف الهمجي توصلنا إلى صيغة هزيلة من تفسيرات اتفاق جنيف والقرار 2254، وهي صيغة آستانا وسوتشي التي ابتدعت ما يُعرف باللجنة الدستورية، ومهمتها حسب مخرجات ذلك المؤتمر سوتشي 2018) التعديلات الدستورية، حيث نص البيان الختامي على تأليف لجنة دستورية تتشكل من وفد حكومي و"وفد معارض واسع التمثيل، وذلك بغرض صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254.

وللأمانة يسجل لها اختراع جديد في علم المفاوضات، وهو مفاوضات الحمام الزاجل، أي المفاوضات بالمراسلة، إذ غدا تحقيق الاجتماع وجها لوجه بقاعة واحدة هدفًا يسعى المبعوث الدولي لتحقيقه، وتصويره كإنجاز كبير.

انقسم الخطاب السوري المعارض تجاه اللجنة هذه حول عدة نقاط يصل بعضها إلى ضرورة الانسحاب منها، بل الخلاص منها كأحد مفرزات سوتشي، بينما يذهب مؤيدوها إلى الاستمرار في عملها: فاللجنة هي نتاج توافق دولي (روسي -أميركي)، وأن المفاوضات منصّة للتواصل مع الأطراف الدولية التي تتحكم في الملفّ السوري، ومنبر لنقل صورة الأوضاع وإبراز جوانب تغيب عن أعينهم وأذهانهم، أو يتجاهلونها عمدا، هذا من ناحية، وأما من يعارض الاستمرار فيها، فيصر على غياب فاعلية اللجنة، وأنها مضيعة للوقت، وأنها لم تقدم أي شيء للسوريين (المعتقلين، اللاجئين) وغيره، ويتهمها البعض بأنها تشرعن النظام وتقدم التنازلات له من خلال تخليها عن فكرة الانتقال السياسي، التي هي جوهر القرار الدولي 2254.

انقسم الخطاب السوري المعارض تجاه اللجنة هذه حول عدة نقاط يصل بعضها إلى ضرورة الانسحاب منها، بل الخلاص منها كأحد مفرزات سوتشي

لدى مناقشة كلا الخطابين المتعارضين لفظا، يلاحظ المرء الطبيعة الشعبوية فيهما، فمؤيدو المشاركة مصرون على الاستمرار رغم "معرفتهم" بعدم تحقيقها للنتائج المرجوة منها، تحت حجج غير منطقية، بحجة أن النقيض -الانسحاب منه اللجنة- سيجلب الويلات على السوريين. والمعترضين على الاستمرار في اللجنة -رغم موقفهم الأخلاقي المحق- يعدون الانسحاب منها وفاء لنضالات السوريين ولدمائهم في ألا يمنحوا شرعية لهذا النظام المجرم.

ما يفتقد إليه كلا الخطابين هو غياب السياسة، بمعنى غياب الخطط والآليات والحوامل الاجتماعية والسياسية لها، فلا يكفي أن نعد المشاركة في اللجنة هذه منبرا لإيصال معاناة السوريين، وكأن اللجنة في هذا تتحول إلى منبر إعلامي، لكن للأسف عديم الجدوى، إذ يمكن لأي مقال صحفي أن يقوم مقام هذا العمل، وكلنا يذكر التقرير الذي نشرته هيومن رايتس ووتش وصحيفة نيو يورك تايمز عن السجون السورية كمسالخ وأثره، وأيضًا الصور التي هربها قيصر ودورهما في صدور قانون قيصر. أما أن الانسحاب منها سيجلب الويلات على السوريين، فالمتتبع للحال في سوريا، يرى أن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، وأن ما حوفظ عليه من مناطق تحت سيطرة المعارضة المسلحة، هو نتاج اتفاقات إقليمية ودولية وليس من نتائج عمل اللجنة.

أما الموقف المعارض لها، فرغم أنه يستند إلى موقف أخلاقي يستند إلى نضالات السوريين وتضحياتهم الكبرى، وحقهم في الخلاص من النظام البربري، لكنه يتسم بنفس الطريقة من الخطاب الذي لا يقدم آليات واضحة للبناء على تضحيات السوريين والدفع قدما بالعملية السياسية وحتى العسكرية لتحقيق مطالبهم، وهو يدرك أو لا يعرف واقع الحال الذي يعيشه السوريون، وواقع الحال يشتمل على ظروف الحياة المعيشية أولا، وعلى حالة التشريد، وعلى حالة التشرذم والتفكك السياسيين، وحالة الشك الكبرى بالآخرين، ناهيك عن حالة التشتت الفصائلي العسكري، ومن ناحية أخرى الوضع الإقليمي والدولي الذي يتجلى بتغول روسي على حساب تردد وانكماش أميركي، الذي أدخل البلاد في حالة استعصاء مزمن.

وأولى الخطوات التي يتطلبها السوريون للخروج من حالة الاستعصاء هذه، هي السعي لاستعادة الذات، ولكن ليست المعطوبة، من خلال بناء مؤسسة سياسية جامعة ومدنية حقيقية لقوى الثورة والمعارضة، تعتمد الوضوح في برامجها وتبنى على نضالات السوريين، سواء على الجانب السياسي أو العسكري، وليس إعادة التجميع المؤقتة على طريقة "اللّمة"، التي سرعان ما تنتهي بعد فورتها، وبالمناسبة فهذا هو التوقيت المناسب جدًا لكون الأطراف الدولية في حالة لا مبالاة أو غير مهتمة بالاتفاق على حل للقضية السورية.

إن بناء تيار سياسي وطني ديمقراطي ببرنامج واضح حول سوريا المستقبل (بناء الدولة وترتيب قوى الأمن والجيش والتسامح ونزع العصبيات الانفجارية الدينية والمذهبية والعرقية، ومحاكمة الجناة الكبار)، والسعي لخلق هيئة عسكرية موحدة بعيدة عن حالة الاستقطابات الضيقة القائمة، تنسق بالكامل مع هذا التيار السياسي كخطوة أولى هو مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة، وهي الطريق نحو الدفع بمطالب السوريين نحو التحقيق، فالميدان هو من يفرض الحل في النهاية، أما المديح والندب والاتهامات فلن تقدم أكثر من خطابات شعبوية غرضها الاستقطابات واكتساب البطولات الشبحية.

    

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار