اللجنة الدستورية.. دخان أبيض أم…؟

تاريخ النشر: 22.09.2019 | 00:09 دمشق

أخيراً ظهر الدخان الأبيض؛ وضجت وسائل الإعلام: تم الإعلان عن الاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية، وحلت قضية الأسماء الستة، ومارست روسيا ضغوطاً هائلة على بشار الأسد؛ فامتثل، و"بيدرسون" يجول، ويصول، ويعلن أنه مستعد لمواصلة جريه الدؤوب، ومن المحتمل أن تجتمع اللجنة الدستورية في جنيف قريباً، ورئيس المكتب الإعلامي في هيئة التفاوض، العميد إبراهيم الجباوي، يصرح: "إن هناك ملفات ليست للتفاوض، إنها ملفات فوق تفاوضية، وهذه الملفات، هي: المساعدات الإنسانية لمخيمين (مخيم الركبان، و مخيم الهول)، وموضوع المعتقلين، ووقف إطلاق النار في الشمال الغربي من سوريا"، ولا ينسى السيد رئيس المكتب الإعلامي بأن ينبهنا: إن هذه الملفات تندرج ضمن إجراءات بناء الثقة، وأنه -سيادة العميدلا يزال ينظر بعين الريبة إلى النظام السوري!!.

ثم، بعد هذا وذاك، هل تتذكرون- يا سادة، يا كرام- قصة الفقير الذي فقد حماره في الصباح، وعندما وجده في المساء، شعر بسعادة غامرة؟ الكارثة أن هذه القصة لا تحكي حكايتنا؛ لأنها بسيطة جداً، ولأنها متفائلة جداً؛ ولهذا فهي أمثولة تحتاج إلى تعديل وإلى تحريف وإلى روتشة، حتى تصلح لأن تكون حكايتنا: هل تتذكرون- يا سادة، يا كرام_ قصة الفقير الذي تسلطت عليه عصابة؛ فسرقت حماره وما عليه وما تحته وما بقربه حتى سابع نفس، ولم تكتف؛ فانتزعت أسمال الفقير- صاحب الحمار- ثم بعد أيام امتدت إلى سنوات، وبعد تمنيات ورجاءات وتوسطات- من زعامات عصابات- أفضت إلى مفاوضات، تمخضت عن إنجاز تاريخي، هو: استرجاع ما كان الفقير يشده على وسطه درءاً لعين حاسدة أو شريرة...وهكذا احتفل القريبون والبعيدون والأحباب والأعداء بالانتصار التاريخي الذي أعاد العدل إلى نصابه والحق إلى أهله.

فهل من أخلاقنا - نحن السوريين المنكوبين- تجاهل الدور الروسي؟ وهل يجوز التغاضي عن شكر الحكومة الروسية ومسؤوليها وزعامتها التي لم تذق طعم النوم قلقاً على الشعب السوري وانشغالاً بحريته ومستقبله

ومع أن الدخان الأبيض انطلق، وأيضا إجراءات بناء الثقة، ولكن لابد من إضاءة خاطفة على الضغوط الروسية التي أنهكت النظام! فألزمته بتنازلات، ما كان ليقبل بها؛ لولا معزة الحبيب. لقد طلب بشار الأسد أن يوقع هو ذاته على تشكيل هذه اللجنة الدستورية، ثم أن يحيلها إلى مجلسه الذي سماه "مجلس الشعب"؛ فيتدارس تشكيل اللجنة وعناصرها واستناداتها وخلفياتها وآفاقها، ثم إن شاء أقرها، وإن لم يشأ، لم يشأ! أما إذا أقرها المجلس الموقر؛ فيصير الحق والعدل والقانون إلى شرعيته المكينة في الجهر بما رآه وأحاله؛ فتدارسوه وأقروه- كاحتمال- وإعلانه من دمشق مربط الحكمة والرجولة...إلخ، مادام الدستور الذهبي المحتفى به ما هو إلا تعديلات- من الحكمة التغاضي عنها، ومن التكتيك أيضاً- على الدستور الذي أبدعه نظام البراميل في عام 2012.

فهل من أخلاقنا - نحن السوريين المنكوبين- تجاهل الدور الروسي؟ وهل يجوز التغاضي عن شكر الحكومة الروسية ومسؤوليها وزعامتها التي لم تذق طعم النوم قلقاً على الشعب السوري وانشغالاً بحريته ومستقبله؛ ومن أجل هذا فقط ضغطوا بكل استطاعتهم؛ لكي يتنازل بشار الأسد- حكيم بلاد الشام وشجاعها وفارسها وحاميها- عن شروطه. وهل من الأدب نسيان التبجيل والشكر للسيد المبجل"بيدرسون" مع من يسندونه. أما أردوغان وطاحونته، وخامنئي ومفرمته- ومن يماثلهم في الإقليم- فلا يمكن أن نوفيهم حقهم مهما فعلنا.

وأخيراً: أهلنا وحبايبنا الذين هم (قادتنا)، الذين نبتوا من حيث لا نحتسب، هؤلاء، وأولئك، والذين على الأبواب، ومن سيأتون، ومن لابد أن يأتوا، ذوو "الواقعية السياسية"، يافطة كل انتهازي غشيم في هذا العصر اللئيم، وعربة كل شغوف بالولائم والهزائم وبتمسيح الجوخ، ورطانة زمن التعفن في كل الانكسارات عبر التاريخ.. وكأن الواقعية، هي: أن تقع فلا تقوم، وأن لا تحاول أن تقوم، وأن لا تحلم أن تقوم. وكأن السياسة في عرف أساطين الوحل: سكينة، وسكون، ويباس راكد؛ فلا مشاريع تتصارع، ولا مصالح، ولا تناقض، ولا نهباً، ولا تسلطاً، ولا أزمة عالمية تتدحرج، وتكبر، وتتعقد، وتشعل النيران في كل مكان... وكأننا لا أحد في عرف فارغي العيون والقلوب والعقول، وكأننا في عرفهم لا شيء.

وهكذا، ورغم أنني أعرف جيداً مقولتكم الباهتة والبائتة التي يتواصل عزفها ليل نهار منذ عدة سنوات، والتي فحواها: إن هناك متغيرات كثيرة، هي التي فرضت، وهي التي أخذت. لكني أعرف أيضاً، يا حاويات: أن ما من أحد من كل من ورد ذكرهم أعلاه يهتم بشعب قد ذاق من المرارة والألم ما ذاق.

ثم، ما هذه الواقعية السياسية التي تدفع شعباً إلى بيت الطاعة بقوة الحديد والنار؟ وأي بيت!! بيت قد نهب حتى آخره، واستبيح، واحتله أوقح مرتزقة الأرض. وأي طاعة!! طاعة لعصابة لم تعرف، ولا تعرف، إلا القتل والسرقة؟.

وإذاً، أي واقعية سياسية هذه التي تتجاهل حقائق نصف قرن من حكم عائلة، قد حطمت بلداً، قد كان البلد الذي من بين بلدان المنطقة، هو الأكثر امتلاكاً لمقومات قيامة دولة حديثة بكل ما للكلمة من معنى؟.

وإذاً، الواقعية الحقة تفترض بداهة: أن لا بديل عن رحيل هذه العصابة ومحاسبتها، وأن أي تجاهل لهذا الأمر هو زج لسوريا وشعبها في سنوات طويلة أخرى من المأساة والتشرد، وأن اللجنة الدستورية التي يتشدقون بها، ما هي إلا كذبة أخرى

وإذاً، الواقعية الحقة تفترض بداهة: أن لا بديل عن رحيل هذه العصابة ومحاسبتها، وأن أي تجاهل لهذا الأمر هو زج لسوريا وشعبها في سنوات طويلة أخرى من المأساة والتشرد، وأن اللجنة الدستورية التي يتشدقون بها، ما هي إلا كذبة أخرى يراد منها تطبيع الجريمة، وطمس آثارها، وهدر حقوق شعب كاملة.

وعلى هذا، إن الواقعية الحقة تفترض بمن ينصبون أنفسهم ممثلين لهذا الشعب، زوراً وبهتاناً، أن يغادروا مسرح العبث هذا، وأن يعملوا على تأطير جهود السوريين وخلق مؤسساته الوطنية القادرة على حماية حقوقه، لا أن يستسهلوا التفريط بها، بحجة واقعيتهم- لا واقعية الواقع، ولا ميزانه- وميزانهم للقوى. ولكن: ألستُ كمن يطلب من النمس أن ينتج دبساً!!

قاطعوا هذه اللجنة المهزلة، وأديروا ظهوركم لهذه الصفقة التي ستذهب بسوريا إلى المجهول، ثمة شعب لا يزال يفضل ذل الشتات والمخيمات والتشرد على العودة إلى بيت الطاعة، هناك ملايين السوريين في شتات هذا العالم يعرفون وجع سوريا جيداً، ويعرفون الطريق إلى خلاصها، فلماذا تتعمدون تجاهلهم؟؟!!!.

أما آن لنا كسوريين أن نصرخ في وجه هذا العالم المتواطئ: يكفي...!!

يكفي، فليست مشكلتنا في دستور، ولا في قانون، وليست في طوائفنا، ولا في قومياتنا.

إنها أولاً في طغمة لا ترى في سوريا وطناً، ولا ترى في السوريين شعباً، وإنها أخيراً فيها.

يا أيها الذاهبون إلى لجنتكم الدستورية، يوماً ما- لابد سيأتي- سيسألكم الشعب السوري عبر ممثليه الحقيقيين بكل الوضوح: لماذا خذلتم دمنا يا …. ؟؟

درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
مع تسارع التطبيع.. هل ينجح الأردن في إعادة تعويم الأسد؟
كورونا.. بايدن يعلن تقديم 500 مليون جرعة لقاح للدول النامية
للسنة الثانية على التوالي.. كورونا يعيق تنظيم توزيع جوائز نوبل
كورونا.. زيادة الإصابات تدفع مشافي اللاذقية لخطة الطوارئ