اللاجئون السوريون في الدنمارك متروكون لمصيرهم

تاريخ النشر: 27.04.2021 | 14:05 دمشق

آخر تحديث: 27.04.2021 | 14:13 دمشق

ليبراسيون الفرنسية - ترجمة: زويا بوستان

تقدر دوائر الهجرة الدنماركية بأن الوضع في دمشق قد أصبح آمناً، وبناءً عليه فإنه من المحتمل أن تضع 900 لاجئٍ سوري في "مراكز عودة" إلى أجل غير مسمى.

"في الثلاثين من آذار تلقيت بريداً إلكترونياً يقولون فيه بأنهم لن يجدّدوا إقامتي مرة أخرى، عندها انهرت بالبكاء، لم أعد أعرف الدنمارك ذلك البلد الذي استقبلني وحماني، بلد حقوق الإنسان والديمقراطية".

توليب بشور ذات الـ21 ربيعاً بشعرها الطويل وحلقة صغيرة في أنفها روت سيرتها الفتية لليبراسيون قبل أن تلقي كلمتها من على منصة ساحة كريستيانسبورغ قلب الحياة السياسية الدنماركية.

تقول توليب "هربت من سوريا في عام 2015 مع عائلتي التي خشيت على حياتي وحياة شقيقي، فقد كنا مشاركين بقوة في الحراك ضد نظام بشار الأسد، وهنا أتممت تعليمي باللغة الدنماركية وكنت أتهيأ لدخول مدرسة التجارة، ليس لدي أي رابط مع سوريا فمن بقي هناك من عائلتي وأصدقائي قضى نحبه أو اعتقل أو نفي، لم يعد لي حياة غير هنا".

هذا الأربعاء في الـ21 من نيسان، ورغم البرد القارس وعودة البارات إلى نشاطها، استجاب المئات من المتظاهرين إلى نداء أطلقته منظمة "أكسيون إيد"، منهم سيمون جاكوبسون (30 عاماً) الذي "قدِم ليظهر بأن الدنماركيين ليسوا جميعاً مع إعادة اللاجئين السوريين، وليندد بجنوح الحكومة الدنماركية التي من المفترض أنها محسوبة على تيار اليسار الوسط،  باتجاه اليمين".

 

عشرات الأشخاص داخل المراكز

بعد عدم تجديد إقامتها المنتهية بتاريخ 22 نيسان الحالي، ستدلي توليب بشور بأقوالها إلى لجنة تابعة لدائرة الهجرة الدانماركية، التي ستقرّر - في حال كانت توليب غير مستهدفة شخصياً من قبل السلطات السورية - منحها مهلة أسبوعين من أجل مغادرة البلاد، بعد ذلك سيتم احتجازها في مركز شبه مغلق، بعيداً عن مكان إقامتها.

هناك لن تتمكن توليب من إتمام دراستها أو العمل، ولن تتمكن حتى من إعداد وجبتها بنفسها.

على هذا الحال ستبقى توليب إلى أجل غير مسمى، إذ إن السلطات الدنماركية التي لا تملك علاقات دبلوماسية مع نظام بشار الأسد "لن تلجأ إلى الترحيل القسري حالياً إلى سوريا، فهي سياسة  نتشاركها مع الدول الأوروبية القريبة ومع الولايات المتحدة الأميركية"، بحسب وزير الهجرة والاندماج الدنماركي ماتياس تيسفاي في خطاب أرسله إلى "أمنيستي أنترناشونال"، واطلعت صحيفة "الليبراسيون" الفرنسية على نسخة منه.

رغم ذلك ومنذ شهر آب الماضي حُرِم مئات السوريين الدمشقيين مِن تجديد  إقاماتهم بذريعة أن الوضع هناك أصبح أكثر أماناً.

يطول هذا الحرمان حالياً قرابة 900 سوري من أصل 32 ألفاً يقيمون على الأراضي الدنماركية. دُرست ملفات نحو 350 منهم منذ شباط الماضي، وإثر ذلك وَجد العشرات منهم أنفسهم داخل "مراكز العودة"، بعضهم أطفال.

لكي تبرر كوبنهاغن قرارها الغريب هذا، استندت إلى تحقيق أجراه مكتب الهجرة الدنماركي، يفيد هذا التحقيق بأن "دمشق وما حولها" الخاضعة لسيطرة نظام الأسد منذ عام 2018 "لم تعد مصدراً للخطر عموماً بالنسبة للسوريين".

وفي هذا الصدد توضح سارة كيالي الباحثة في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في سوريا لصالح منظمة هيومن رايتس ووتش، والتي حدثتنا عبر الهاتف قائلةً: "لقد تم سؤالي في بيروت من قبل دائرة الهجرة الدنماركية خلال شهر تشرين الثاني، وأعتقد بأنني كنت واضحة جداً حيال الأمر، حيث إنني لم أكن أعتبر دمشق ومحيطها منطقتين آمنتين.

إلا أنني اكتشفت فيما بعد بأن التقرير الذي على أساسه تم اتخاذ القرار كان يستند بشكل رئيسي إلى شهادتي، بالإضافة إلى مصادر أخرى، وأن ما قلته في المقابلة انتزع من سياقه، لأنه حتى وإن توقف القصف في دمشق، فلا تزال قوى الأمن السوري ضالعة في توقيف السوريين، وإخفائهم، وتعذيبهم أيضاً.

 

لغة اليمين المتطرف

من جهة أخرى وقّع أحد عشر خبيراً ومنظمة ذُكروا في التقرير الدنماركي باستثناء مسؤول الهجرة عن السوريين، على عريضة يندّدون فيها بما خلص إليه التحقيق. وأكّد أندريس ألبو الناطق عن بلاد الشمال في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بأن "مخاطر التعرض لانتهاكات حقوق الإنسان ما تزال قائمة، وبأن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تطالب باستمرار حماية اللاجئين السوريين، وبموجب التشريعات الأوروبية فإن إبطال صفة اللاجئ وعدم تجديد الحماية للاجئين يستوجب تغييراً مهماً ودائماً للظروف التي قادت إلى منح الحماية. ونحن نعتبر بأن هذا التغيير لم يحدث بعد".

منذ عشرين عاماً أصبح خطاب اليمين المتطرف المناهض للهجرة، بقيادة حزب الشعب الدنماركي، بداية التسعينيات، مركزياً في المملكة التي يصل عدد مواطنيها إلى 5 ملايين و800 ألف، 11 بالمئة منهم يتحدرون من أصول أجنبية، 58 بالمئة من أولئك الأجانب ليسوا أوروبيين. هذا في ظل تناوب التيارات السياسية على السلطة.

وفي عام 2019 ولدى وصول الاشتراكيين الديمقراطيين إلى السلطة ممثلين برئيسة الوزراء ميتي فريديريكسن، أخذ هؤلاء على عاتقهم مسألة "تغيير النموذج" الذي أقر في شباط 2019 وكان عبارة عن مجموعة تعديلات شملت إدخال مبدأ الحماية المؤقتة، والحد من لم شمل العائلات، وإعادة النظر المستمرة في أسباب الحماية ومحتاجيها، وتخفيض الإعانات الاجتماعية، لصالح تقديم ما سموه "مساعدة العودة"، كي يتجنبوا خرقاً صارخاً للقانون الدولي، بالإضافة إلى قانون حماية فرعية خاص، وُضع وطبق على اللاجئين الذين تم اعتبارهم "غير مهددين بشكل شخصي"، منطق دفع به الناطق باسم الاشتراكيين الديمقراطيين راسموس ستوكلند إلى الذروة خلال مقابلة له في جريدة بوليتيكن، مضيفاً: "نعم هناك خطر قد يتهددك من جراء سقوط قذيفة على منزلك ولكنه لا يشكل بالضرورة  أمراً شخصياً بينك وبين النظام".

"في عام 2015 اشترى الدانماركيون إعلانات في صحف لبنانية لكي يقولوا فيها بأن الدنمارك ليست البلد الذي يجب أن تذهب إليه"

يستفيد الرجال السوريون من نظام الحماية الدولية الكلاسيكي (7.1) بشكل أسهل لكونهم ملاحقين بسبب عدم تأديتهم للخدمة العسكرية، بينما يطبق نظام (7.3) أكثر على النساء والمسنين والقصر، ما يعرض العائلات لخطر التشرذم كما هي حال ليلى حسين، الكردية السورية التي فرّت من حلب نتيجة المعارك الدائرة فيها عام 2017، "قدمت وحيدة إلى الدنمارك، وهنا التقيت بزوجي الحاصل على الحماية (7.1)، تنتهي صلاحية إقامتي في تموز، وإذا قرّرت الهجرة الدنماركية أن تعلن حلب مدينة آمنة، فسأكون عرضة لخطر شديد يتمثل في إبقائي ضمن مراكز احتجاز  في حال تمت إعادتي"، هذا ما قالته السيدة الشابة ذات الـ27 عاماً  وهي أم لطفلين وطالبة طب أسنان.

أما هيفاء عوض (35 عاماً) وهي طبيبة دنماركية من أصل سوري فتقول: "عادة يقدم اللاجئون طلب لجوء بعد مضي ثماني سنوات على وجودهم في الدنمارك، وزجهم في مراكز العودة رغم علمنا المسبق بأنه لا عودة محتملة في الأفق الآن، سيعطل هذا الإجراء.. الحكومة الدنماركية تتخذ بعض الإخفاقات في دمج اللاجئين حجة لها من أجل تقليص حقوق السوريين في اللجوء، حيث إنهم آخر الواصلين إلى الدانمارك، حيث سبقهم إلى ذلك الصوماليون طبعاً".

الهدف من كل ذلك متعدد الوجوه، يأتي على رأسها استيعاب ناخبي اليمين المتطرف وهو تكتيك رابح إلى الآن، ثم جعل حياة اللاجئين في الدنمارك مستحيلة مما يحملهم على العودة طواعيةً، وتحطيم صورة الدانمارك كبلد منفتح ومتسامح من أجل ثني أي طالب لجوء عن طرق بابها.

في عام 2020 فعلها 1547 شخصاً، وهي أدنى نسبة منذ 1998، 347 منهم كانوا سوريين، قدموا طلبات لجوء.

مؤخراً، تم التصويت على قانون جديد، وهو واحد من سلسلة طويلة سبقته، يحد من القدرة على نيل الجنسية من خلال استثناء أي متورط  سابقاً، حتى ولو بتهمة بسيطة، وعبر إضافة اختبارات معرفة القيم الدنماركية.

"في عام 2015 اشترت الدنمارك إعلانات في الصحف اللبنانية تشرح من خلالها أن الدانمارك ليس بلداً تستطيع الذهاب إليه، بحسب أنيكا ليندبرغ الباحثة في جامعة كوبنهاغن، والتي تقول عن سياسات الإقصاء في أوروبا بأنه في عام 2019 تم إحلال الإبعاد السريع محل الإدماج، الذي كان هدفاً فيما مضى، وأيضاً تصاعدت حدة الخطاب العنصري ضد "اللاجئين غير الغربيين" أو ضد الإسلام بتعبير آخر.

 

الوصول إلى صفر طالب لجوء في الدانمارك

تعارض ثلاثة أحزاب صغيرة فقط سياسات الحكومة فيما يخص اللجوء، ولكن الفضيحة تمتد إلى المجتمع المدني الذي يدرك بأن أصدقاء ورفاقا وزملاء، مهددون منذ سنوات بأن يتم ترحيلهم، أو بأن يتم التحفظ عليهم داخل مراكز احتجاز.

وفي هذا الصدد تنتقد المنظمات الدولية هذه السياسات بنبرة واضحة: "الضغط الذي يمارس على اللاجئين السوريين من أجل إعادتهم إلى بلادهم، لا يترك أمامهم سوى بدائل قليلة، ويكاد يرقى إلى خرق لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القوانين الدولية"، كما تشير أوسا بليردسنبرغ المستشارة في "أمنيستي أنترناشونال".

تشير أرقام حكومية دنماركية إلى أن 137 سورياً قَبِلوا بمنحة العودة وعادوا رسمياً إلى سوريا عام 2020،  ولكن من المحتمل أن يكون بعض منهم قد توارى في البلاد الأوروبية المجاورة.

في كانون الثاني الماضي عادت رئيسة الوزراء ميتي فريديريكسن وذكّرت بأن الهدف هو الوصول إلى "صفر طالب لجوء" على الأراضي الدنماركية. وضمن هذه الرؤية من المحتمل أن يرسل اللاجئون الذين يدخلون إلى الدانمارك إلى دول وسيطة، بينما تتم دراسة ملفاتهم، وعلى هذا أجابت دولة رواندا بالقبول، لتكون واحدة من هذه الدول.

 

المصدر: ليبراسيون الفرنسية