الكيماوي مرة أخرى

تاريخ النشر: 09.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 24.04.2018 | 22:11 دمشق

من المحتمل أن الاجتماع الأمني الذي دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يبحث في المعادلة التالية: كيف نعاقب بشار الحيوان (وهذا لقبه المعتمد عند ترامب) بطريقة صاخبة من غير أن نضعفه بأكثر من قدرته على التحمل؟ 
على الخطوة العقابية أن تكون صارمة ومشهدية إلى أقصى حد، وفي الوقت نفسه ألا تضعف النظام أو تشكل خطراً على بقائه. فالولايات المتحدة لا تريد أن تصبح طرفاً في الصراع، ووجودها العسكري في الشمال الشرقي يرتبط فقط بالحرب على داعش. بل إن ترامب مستعجل لسحب قواته من هناك بدعوى أن هذه الحرب قد حققت أهدافها إلى حد كبير.

وقد انتهت الإدارة، على أي حال، بعد اللغط الذي تسبب به تصريح ترامب بشأن سحب القوات من سوريا، إلى وجوب بقاء القوات الأميركية هناك لفترة إضافية. 
الواقع أن النظام الكيماوي، ومن ورائه وفوقه روسيا وإيران، أراد بالضبط أن يحرج الأميركيين، حين قرر ضرب مدينة دوما، مجدداً، بالسلاح الكيماوي. فهو يعرف تماماً أنه مهما كان الرد الأميركي قاسياً، فهو لن يتجاوز ما يشبه ضربة مطار الشعيرات، قبل عام من اليوم. أي أن الأميركيين لن يستهدفوه وجودياً مهما فعل بالسوريين، كما فهم من جميع الاختبارات السابقة في عهدي أوباما وترامب. بل إن ورطة ترامب اليوم هي أكبر من ورطته العام الماضي.

يريد أن يثبت أمام العالم أن الأميركي، وكل ما يسمى بالمجتمع الدولي، عاجز عن فعل أي شيء، مقابل حريته المطلقة في ارتكاب كل الفظاعات.

لأن ضرب مواقع للنظام في العاصمة دمشق أو جوارها القريب، قد يكون مؤلماً لهذا الأخير بأكثر مما قد يريد الأميركيون، بخلاف مطار الشعيرات البعيد جغرافياً عن العاصمة والمواقع الحساسة فيها وبقربها. وهذه العوامل مما يمكن أن يدفع إدارة ترامب إلى استبعاد الخيار العسكري تماماً، واختيار وسائل أخرى. أو التذرع بمجلس الأمن المغلق، حتى إشعار آخر، من قبل الروس والصينيين. 
حتى في ردة فعله على اتهامه باستخدام السلاح الكيماوي في ضرب مدينة دوما، بدا النظام مرتاحاً ووقحاً، حين تحدث بيانه الرسمي عن "أسطوانة الاتهامات المملة"! وذلك بخلاف الهلع الذي ظهر جلياً عليه حين أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عن نيته في توجيه ضربة عقابية له على قصف الغوطة في آب 2013، قبل أن يتراجع عن ذلك ويعقد صفقة مع الروس على نزع السلاح الكيماوي مقابل إعفائه من العقاب.


نعم، مملة. فهو يسمع الكثير من الجعجعة والاتهامات والإدانات، ولا يرى أحداً يضربه على يده. فيمضي في التحدي ليثبت لنفسه وللآخرين أنه فوق المحاسبة. بل أبعد من ذلك وأهم: يريد أن يثبت أمام العالم أن الأميركي، وكل ما يسمى بالمجتمع الدولي، عاجز عن فعل أي شيء، مقابل حريته المطلقة في ارتكاب كل الفظاعات. وهذه رسالة روسية إلى الأميركيين، أكثر من كونها رسالة من النظام الكيماوي الذي لا يملك من أمره شيئاً. كذلك هي اختبار إيراني لمدى جدية إدارة ترامب في محاصرة إيران ومواجهة نفوذها الإقليمي كما هو معلن في الاستراتيجية الأميركية الجديدة.

فجاءت ضربة الكيماوي بهدف الوصول إلى استسلام كامل بلا شروط من قبل جيش الإسلام


على المستوى المحلي، قد تكون ضربة الكيماوي بهدف الالتفاف على المفاوضات الغامضة الجارية بين روسيا وجيش الإسلام، ويقال في التسريبات إن هذا الأخير يسعى إلى الوصول إلى اتفاق بشروط أفضل بالقياس إلى الاتفاقات السابقة مع فيلق الرحمن وأحرار الشام. فجاءت ضربة الكيماوي بهدف الوصول إلى استسلام كامل بلا شروط من قبل جيش الإسلام. هذا ما يمكن استنتاجه من إعلان النظام، في اليوم التالي على ضربة الكيماوي، عن إنجاز اتفاق مع الفصيل المسلح فحواه مغادرة جميع مقاتليه لمدينة دوما. كأنه يقول إن الضربة حققت أهدافها وأرغمت "الجيش" على الاستسلام لشروط المنتصر.


لا بد، في هذا السياق، من التوقف قليلاً عند الرئيس الفرنسي الذي حاول، في الفترة الماضية، أن يستقطب الأضواء بتصريحاته الكثيرة بخصوص الصراع في سوريا، رغبة منه في الظهور بمظهر الدولة العظمى التي لها كلمتها في الصراع الأبرز في عالم اليوم. فعدا عن استقباله، في قصر الإليزيه، لوفد من قوات سوريا الديموقراطية، وطرح نفسه وسيطاً بينها وبين تركيا، فقد وضع الرجل "خطه الأحمر" بخصوص استخدام السلاح الكيماوي، على غرار أوباما. والآن ها هو بشار الكيماوي يرمي في وجه ماكرون قفاز التحدي. وها هي الخارجية الفرنسية تتحدث عن عدم توفر أدلة، بعد، على استخدام النظام للسلاح الكيماوي. 
في زحمة التكهنات المتباينة، هناك شيء وحيد يمكن التأكد منه مسبقاً: سوف تكون جلسة مجلس الأمن التي دعت إليها فرنسا، بخصوص ضرب دوما بالكيماوي، مكرورة ومملة.